; الباقوري يحاول أن يرسم لنفسه صورة تخالف الحقيقة | مجلة المجتمع

العنوان الباقوري يحاول أن يرسم لنفسه صورة تخالف الحقيقة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يونيو-1985

مشاهدات 89

نشر في العدد 722

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 25-يونيو-1985

• الباقوري يحاول في خريف العمر أن يرسم لنفسه تاريخًا يمثل البطولة والتأثير في مجرى الأحداث.

• جمع الباقوري بين المتناقضات، حين ظهر بوجه الداعية المسلم وحين مضى مع أصحاب المطامع الدنيوية.

 يحاول الشيخ أحمد حسن الباقوري في خريف العمر وبعد تلك الجولات المختلفة المتلاطمة، والتي تبدت في فتاواه التي تقوم على الرخص، ومواقفه المضطربة بين الأحزاب والجماعات، وحرصه منذ الشباب على ارتياد كل أندية الأحزاب، واتصاله الأوثق بجماعة المتحررين الذين يتطلعون إلى المناصب الكبرى، وقدرته الفائقة في اختيار النصوص الفقهية التي تستطيع أن تؤيد وجهة أي حاكم في أي أمر من الأمور، وصيحته التي تدعو إلى ما يسميه الماركسيون والعصريون «الرأي الديني المستنير» يحاول في خريف العمر أن يرسم لنفسه تاريخًا يمثل البطولة والتأثير في مجريات الأحداث السياسية في مصر وفي غيرها.

 ولأنه خرج بولائه لحركة يوليو عن جميع القيم والتقاليد التي كان معروفًا بها من قبل، والتي كانت تغطي شخصيته وتحفظ له مكانة العالم، والمجاهد والداعية فإنه يتكئ بالمعابة على الدعوة الإسلامية، وقد نسي أن يتحدث عن علاقاته التي اتسعت وتغيرت بعد معرفته للشيخ محمد عبد اللطيف دراز ومصاهرته، والتي تحولت به عن تيار الدعوة الإسلامية، إلى ولاء سياسي لحزب السعديين بقيادة ماهر والنقراشي، وبدأ الانصراف عن معسكر الإخوان فترة طويلة زادت على خمس سنوات، وهي السنوات التي اتسع فيها نطاق الدعوة الإسلامية، فلما رأى أن الدعوة قد قاربت أن تؤتي أكلها، عاد إليها في العام الأخير قبل حل الجماعة محاولًا أن يكتسب مكانه القديم وكان الأستاذ البنا رضوان الله عليه لا يعارض في عودة أصحابه، وكان يعرف أن اتصالاته العميقة الواسعة مع السعديين ربما يمكن أن ترد عن الإخوان ضرًا أو تحول بينهم وبين شر يدبر لهم، ولذلك فقد عينه المرشد في منصب «الأخ الأكبر» عندما أعلن السعديون أصدقاء الشيخ الباقوري حل الجماعة واعتقال جميع قياداتها، لأنه رأى أن الشيخ يمكن بولائه النقابي لهم أن يدفع شرًا عن الإخوان، وفي خلال فترة تزيد على عام اعتقلت قيادات الإخوان وشردت وراء سجون هاكستب والطور، وكانت الأهرام تنشر في صفحاتها الأولى نبأ استقبال رئيس الحكومة للباقوري الأستاذ بالمعهد الديني الأزهري، وكان الإخوان يتحسرون وهم يقرأون ذلك، فهذا رجل كان محسوبًا عليهم يرفل في بحبوحة الحرية ويلتقي بزعماء الحزب الذي يكيل للإخوان التعذيب ألوانًا.

 ولعل الشيخ الباقوري قد عاد إلى صفوف الإخوان في العام الأخير بهدف معين، ولكنه كان في جميع أحاديثه وجلساته الخاصة يتحدث في تثبيط شديد -وهو المسئول عن الدعوة الإسلامية- عن استحالة تحقيق أهداف الدعوة في منع الربا أو تطبيق الحدود، أو حتى في غلق البنوك يوم الجمعة، وكان قد تشكل فكره في فترة الانقطاع عن صفوف الإخوان، وتحت تأثير ندوات خاصة كانت تعقد في بيت أحد كبار الصحفيين الذين يؤمن بهم، والذين كانوا عاملًا هامًا في دفعه إلى ساحة الوزراء، كانت هذه الندوات تحارب فكرة الإخوان المسلمين، وتكون جيلًا يعيد مفهوم الإسلام تحت لواء الإسلام، وكان في نفس الوقت تتفتح آفاقه إلى لذائذ ومتع وتعارف في السهرات الخاصة.

 كانت أفكار الشيخ الباقوري بعد لقائه بالشيخ عبد اللطيف دراز، واتصاله بالأحزاب وبندوات الصحافة لغير الدعوة الإسلامية التي ادعى أنه نشأ في أحضانها، وكان له ولاء جاب من أجله البلاد مع المرشد، وقد قال الأستاذ البنا ذلك صراحة في إحدى جلساته: إن الذي أفسد علينا الباقوري هو فلان... الذي كانت علاقته بالشيخ الباقوري متضاربة، فهي على لونين من الولاء: أحدهما يتعلق بوجهة الشيخ دراز وأهدافه، والأخرى متعلقة بمصاهرته له وانفتاحه على الأحزاب وخاصة حزب السعديين، الذي كان الشيخ دراز من أقطابه ومن نوابه في البرلمان، ونحن لا نغض من قدر الشيخ دراز فهو من زعماء الأزهر وقادته السياسيين، ولكن هذا شيء يختلف عن الدعوة، بل إن هذه العلاقة كانت من خلال جوانبها المختلفة متعارضة مع أخلاقيات دعوة الإخوان، وسلوكياتها التي ترقى عن الحزبية السياسية وعن كثير من العلاقات الخاصة.

 ومن هنا فإن أحكام الشيخ الباقوري التي أصدرها على الدعوة الإسلامية لم تكن دقيقة، لأنه في خلال السنوات الخمس الأخيرة التي أخذت الدعوة فيها تشكل منهجها ووجهتها كان بعيدًا عنها، ولما عاد إليها كان الإخوان على حذر منه لصلته بالسعديين وكانت أمانته للدعوة ... كثيرًا بالتحول الذي وصل إليه، أما معلوماته ... اتصاله بحركة يوليو فلم تكن صادقة أيضًا لأنها كانت ذات وجهة خاصة، ويكفى أنه بقي خارج نطاق المحاكمات والمعتقلات، ولما أوشكت الحكومة الوفدية على إعادة الإخوان كان في مقدمة المتصدرين لتحقيق أهداف الجهات المسئولة ومطالبها.

 وكان موقفه من قبول الاشتراك في وزارة حركة يوليو أن يأذن له إخوانه في الدعوة، الذين كان لهم وضع معين محكوم بدورهم في تأييدها على عهدها، وقسمها بتطبيق الشريعة الإسلامية خروج على الدعوة يمكن أن يوصف بالظلم الشديد.

 فإذا أضفنا إلى هذا أن الشيخ الباقوري لم يستطع أن يوجه حكام يوليو ولكنه خضع لهم واعترف بكل أخطائهم وسيئاتهم، ولم يقف موقفًا مشرفًا واحدًا، وإنهم أفادوا من اسمه اللامع وكانوا يعدونه نديمًا من ندمائهم، وإنهم امتهنوه في اللحظة الأولى لخطئه فأبقوه محاصرًا لمدة خمس سنوات في بيته، وكان موقفه من العهود المختلفة هو موقف الولاء الذي يرقى إلى درجة النفاق، ومن ذلك مطالبته بأن يبقى السادات رئيسًا مدى الحياة، وفتاواه في أن يرى الخطيب مخطوبته وهي عارية، وأن تقابل المرأة ضيوف زوجها في حالة عدم وجوده بالمنزل، وعشرات من هذه الفتاوى الضالة المضلة وتكوينه لعدد من الجمعيات المزيفة داخل الشبان المسلمين كجمعية توحيد الأديان التي اشترك فيها معه الأب قنواتي، وجمعية الإسلام والغرب التي تدعو إلى حوار بين المسلمين واليهود، كل هذا يسقط شخصية هذا الرجل سقوطًا شنيعًا ولا يجعل له أي أهمية في نظر تلك الدعاوى المضللة التي يحاول بها أن يستر سيئاته وتاريخه الأسود المظلم.

 لقد حاول الأستاذ الباقوري من كتابة مذكراته في مجلة المسلمون، أن يصور نفسه بصورة البطل والزعيم الذي اشترك في المواقف الكبرى والقضايا الحاسمة، ولكن هذه الصورة على الرغم مما أضفى عليها من البراعة تكشف الخفي وتوحي بالمستور، ولا ترسم إلا صورة رجل طامح إلى الظهور والمناصب.

ومهما يكن عند امرئ من خليقة *** وإن خالها تخفى على الناس تعلم

 والشيخ الباقوري يعرف أن هفواته معروفة للكثيرين، وأن جولاته كانت موضوعة تحت مراقبة كاملة، وأن ظنه بأن رجال حركة يوليو كانوا يغضون الطرف عن بعض تصرفاته هو الذي أرداه، وقد كان يظن أن أي أمر مهما حدث منه لن يفقده مكانته، فانطلق في حرية كاملة، ولكنه أوتي من مأمنه عندما استسلم لصديقه الذي كان جريئًا في الهجاء على الدكتاتور، وكانت مهمة الشيخ قد انتهت أو تناهت وهي صفحات لا تشرف ولكنها تكشف عن حقيقة أساسية، وهي أنه آثر الفاني على الباقي، وأن الدنيا كانت أكبر همه، ومن كانت الدنيا أكبر همه وكله الله إليها.

 وقد تحقق للأستاذ الباقوري ما كان يطمع فيه ويحلم به، ولكنه لم يكن أكثر من هذه المظاهر الخادعة التي ظل حريصًا عليها، فلا يقبل أن ينادى إلا بالسيد الوزير أو الإمام، هذه المظاهر التي عندما تغيرت قليلًا في إحدى استقبالات زعيمه، غضب وثار، وسقط على الأرض حيث أصابه الفالج.

 وفي مذكرات الشيخ الباقوري أكاذيب كثيرة، وإخفاءات كثيرة، ورموز تدل على محاولة إنكار فضل ذوي الفضل، وقد مضى بالمذكرات نحو صورة مختلفة تمامًا عن الحقيقة التي يعرفها كل من عرفه في هذه الفترة، وكأنه يخلع ثوبًا يراه الآن رزيًا، ليلبس ثوبًا يتفق مع ما يرضي الذين قالوا عنه عندما عرضت عليه الوزارة: الوطن يطلبك ويدعوك!

 ولا ندري كيف استطاع الشيخ الباقوري أن يجمع بين المتناقضات في هذه المرحلة من حياته ليظهر للناس بوجه الداعية المسلم، وهو في نفس الوقت يمضي في طريق أصحاب المطامع، فيقضي لياليه في إنشاد الشعر الذي كان ينشده أبو نواس وعصبة المجان، أو في رواية القصص الذي تحفل به كتب كثيرة يجيد الشيخ الرواية منها في مجالسه الخاصة والضيقة جدًا.

 هذا شيء يجب أن يقال الآن وله بقية وتكملة.

أطنه - تركيا

مؤرخ

الرابط المختصر :