; صور من افتراءات المستشرقين على السنة النبوية الشريفة «١» | مجلة المجتمع

العنوان صور من افتراءات المستشرقين على السنة النبوية الشريفة «١»

الكاتب عزية علي طه

تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1987

مشاهدات 113

نشر في العدد 836

نشر في الصفحة 39

الثلاثاء 29-سبتمبر-1987

كان الصحابة والتابعون يخشون أن يقعوا في الكذب بصورة عامة فكيف يكذبون على رسول الله كما يدعي غلوم؟

لقد درج كثير من أعداء الإسلام كالمنصرين والمستشرقين وأصحاب المصالح الذاتية والمطامع الدنيوية على مهاجمة الإسلام ومحاولة الحد من انتشاره بين الأمم، وذلك بغزو المسلمين في ديارهم ومحاولة قهرهم بقوة السلاح أحيانًا وبالغزو الفكري أحيانًا أخرى.

ومن تلك المحاولات الخبيثة ما فعله المستشرقون من أمثال الفريد غلوم وترتون وإبراهام كاتش وغيرهم من مهاجمة الإسلام باسم الدراسات العلمية والتي اتخذوا منها ستارًا يحتمون خلفه لتشكيك المسلمين في دينهم وسنة نبيهم الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

ولقد حاول الفريد غلوم في مؤلفه «الحديث في الإسلام» الطعن في السنة النبوية الشريفة زاعمًا بأن معظم الأحاديث النبوية الشريفة التي جاءت في الكتب الصحيحة وغيرها هي من وضع الصحابة والتابعين بعد أن لحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى. كما ادعى بأن الصحابة والتابعين قد استعانوا في وضع الحديث بالأمثال والقصص والحكم والأحداث المسطرة في الأناجيل، خاصة بعد الفتوحات الإسلامية للشام ومصر حيث اختلط المسلمون بالنصارى وأعجبوا بمحتويات الأناجيل كما يدعي.

ولقد أثار غلوم عدة شبهات في هذا الشأن نوجز بعضها ونعلق عليه فيما يلي:

۱- اتهام الصحابة والتابعين بوضع الحديث:

لقد افترى غلوم على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم وطعن في عدالتهم زاعمًا بأنهم كانوا لا يتورعون عن وضع ما يروق لهم على لسان سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من أحاديث مدعيًا بأن الصحابة كانوا إذا أحبوا أمرًا أو أعجبوا بشيء صيروه حديثًا ورفعوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يكسب صفة الشرعية والقداسة.

ومن المؤكد أن غلوم قد خلط هنا بين الصحابة رضوان الله عليهم وبين الزنادقة وأصحاب الأهواء والبدع والوضاعين.

فقد جاء في كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للسيوطي قول أحد المبتدعة بعد توبته: «كنا إذا اجتمعنا واستحسنا شيئًا جعلناه حديثا».

وجاء في اللآلئ المصنوعة للسيوطي اعتراف أحد الزنادقة قبل أن تضرب عنقه بوضع الحديث حيث قال: «وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال وأحل فيها الحرام».

وإنه لمن الثابت لدى المحدثين أن الوضع في الحديث لم يظهر إلا بعد عصر الفتنة أي بعد مقتل عثمان بن عفان وأن الوضع لم يكن من الصحابة بل كان من المندسين في صفوف المسلمين من أصحاب الأهواء والبدع والذين تصدى لهم المحدثون وكشفوا عن مخططاتهم، وأن آثارهم وأحوالهم متضمنة في الكتب التي اختصت بالتصدي للوضع والوضاعين

أما الصحابة فهم الأشخاص الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرى جمهور العلماء أن الصحابي هو كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به ومات على الإسلام فيدخل فيمن لقيه من طالت مجالسته أو قصرت ومن روى عنه ومن لم يرو ومن غزا معه أو من لم يغز ومن رآه رؤية ولم يجالسه ومن لم يره لعارض كالعمى. ولقد كان الصحابي يعرف قديمًا بأمور منها: الخبر المتواتر والخبر المشهور أو الخبر المستفيض أو بأخبار أحد الصحابة والتابعين بأنه صحابي وغير ذلك من الأدلة الواضحة.

أما في العصور المتأخرة فيمكن معرفة الصحابي عن طريق المصنفات الخاصة بتراجم الصحابة کالاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر وأسد الغابة في معرفة الصحابة للحافظ ابن حجر وغيرهما من المصنفات.

فالصحابة إذن معروفون لدى السلف والخلف... معرفة تامة لا مجال للشك فيها.

أما افتراء غلوم بأن الصحابة والتابعين قاموا بوضع الحديث فهو افتراء لا يصدر إلا عن كذوب جهول أعمى الله بصره عن الحق فانخرط في سلك الباطل يجول فيه بقلمه لأن عدالة الصحابة والتابعين ثبتت بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد قال تعالى في سورة التوبة الآية (١٠٠) ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

ولقد ثبتت عدالة الصحابة والتابعين كذلك بالسنة النبوية الشريفة ومن أمثلة ذلك الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تسبوا أحدًا من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه.

أخرج الإمام مسلم أيضًا من حديث عبد الله قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس خير؟ قال: قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تبدر شهادة أحدهم يمينه وتبدر يمينه شهادته.

لقد وردت آیات وأحاديث كثيرة حول عدالة الصحابة مما يجعلهم في قمة الثقة والائتمان خاصة على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد تقبلت الأمة الإسلامية ذلك بالإجماع فلا سبيل إذن للطعن في عدالتهم وهم الذين وضعوا منهجًا كان الأساس لمن تبعهم في المحافظة على الحديث الشريف وتثبتوا في قبول الأخبار والآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ما أورده الذهبي في تذكرة الحفاظ عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث قال: كان أبو بكر رضي الله عنه أول من احتاط في قبول الأخبار فروى ابن شهاب عن قبيضة عن ذؤيب أن الجدة جاءت أبا بكر تلتمس أن تورث فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئًا وما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لك شيئًا ثم سأل الناس فقام المغيرة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيها السدس فقال له: هل معك أحد فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك فأنفذه لها أبو بكر رضي الله عنه.

وبعد عصر الفتنة وبعد الفتوحات الإسلامية تشدد الصحابة والتابعون في قبول الحديث الشريف خشية واحتياطًا من تسرب الكذب إليه من قبل الجهلاء وأصحاب البدع والأهواء ولم يكن التابعون وأتباعهم أقل حرصًا واحتياطًا في حفظ السنة من الصحابة ويدلنا على ذلك تثبتهم من الروايات والرواة ومن أمثلة ذلك:

ما جاء في مقدمة التمهيد من أن أبا العالية قال: كنا نسمع الرواية بالنص عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما رضينا حتى رحلنا إليهم.

وما جاء في كتاب الجرح والتعديل قول هشام بن عروة إذا حدثك رجل بحديث فقل: عمن هذا؟ وما جاء في صحيح مسلم من قول عبد الله بن المبارك: إن الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.

لقد بذل الصحابة والتابعون وأتباعهم كل هذه الجهود خشية الوقوع في الخطأ واحتياطًا من تسرب الكذب إلى الحديث الشريف.

وكان الصحابة والتابعون لشدة تحفظهم يخشون أن يحدثوا ضعفاء العقول مخافة أن تحمل الأحاديث النبوية الشريفة على غير أوجهها المرادة منها فيقع الناس في الحيرة والارتباك وإن الشواهد والآثار التي تدل على تثبت السلف الصالح من الحديث الشريف كثيرة وهي تبين بوضوح اهتمامهم وحرصهم في تحمل الحديث الشريف وأدائه وأنهم كانوا لا يأخذون إلا عمن توافرت فيه شروط التحمل والأداء كالعدالة والضبط وعدم مخالفة الثقات وغيرها من الشروط وكانوا يلتزمون تلك الشروط في كل رجل من رجال السند وهذا دليل واضح على أمانة السلف الصالح وعدالتهم وجديتهم في تحمل الحديث الشريف وأدائه. لقد كان الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم يخشون أن يقعوا في الكذب بصورة عامة فكيف يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يدعي غلوم

ولقد صرح لنا الصحابة أنفسهم بذلك فقد جاء في مسند الإمام أحمد بن حنبل أن عليا رضي الله عنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فلأن أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب عليه.

۲- ادعاء غلوم بأن بعض الأحاديث تحث على الاقتداء بالنصارى:

لقد استشهد غلوم بالحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا ذراعًا حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟

لقد زعم غلوم بأن هذا الحديث من وضع الصحابة وتابعيهم بعد الفتوحات الإسلامية للشام ومصر واختلاطهم بالنصارى كي يبرروا موقفهم في الأخذ عن النصارى وبعض طوائف اليهود.

ثم زعم أن هذا الحديث فيه حث للمسلمين على اتباع اليهود والنصارى.

أما التهمة الأولى من أن هذا الحديث موضوع فهي تهمة متهافتة لأن الحديث الذي استشهد به غلوم متفق على صحته لوروده في صحيحي البخاري ومسلم اللذين اتبعا منهجًا دقيقًا ومعروفًا لدى المحدثين في قبول الأحاديث وردها، ولذا فقد تلقت الأمة الإسلامية كتابيهما بالقبول وشهد العلماء بقيمة الكتابين العلمية.

قال الإمام الذهبي في مدح صحيح البخاري: وأما جامع البخاري فأجل كتب الإسلام وأفضلها بعد كتاب الله تعالى فلو رحل الشخص إلى سماعه من ألف فرسخ لما ضاعت رحلته. وهو القائل أيضًا إن الأصح صحيح البخاري يليه في المرتبة صحيح مسلم.

وعليه فلا يمكن أن يحكم بوضع هذا الحديث الوارد في الصحيحين إلا شخص جاهل ليس له أدنى معرفة بمتون الأحاديث وأسانيدها.

وأما التهمة الثانية من أن الحديث يحث على الاقتداء باليهود والنصارى فهي تهمة باطلة أيضًا مبنية على جهل غلوم بمعنى الحديث الشريف لأن الحديث يعكس ما ادعى غلوم يحث على مخالفة أهل الكتاب والمشركين وذم من يوافقونهم في طريق معيشتهم ومأكلهم وملبسهم وعاداتهم وتقاليدهم ويتضح لنا ذلك من تعليق العلماء على الحديث.

فقد قال الإمام النووي: السنن بفتح السين والنون وهو الطريق والمراد بالشبر والذراع وجحر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات...

وقال الحافظ ابن حجر: قوله: فمن؟ هو استفهام إنكاري والتقدير فمن غير أولئك؟

وقال ابن بطال: أعلم صلى الله عليه وسلم أن أمته ستتبع المحدثات من الأمور والبدع والأهواء لما وقع للأمم قبلهم وقد أنذر في أحاديث كثيرة بأن الآخر شر وأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس وأن الدين إنما يبقى قائمًا عند خاصة الناس.

واستدل ابن عبد البر بالحديث في باب ذم القول بالرأي إذا كان على غير أصل وحذر الزهري التاركين للسنن وطلب منهم التمعن في معنى الحديث وأخذ العبر والدروس منه قائلًا:

إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذي كان بأيديهم حين استقلوا بالرأي وأخذوا به.

وعليه فلا يعقل أن يوافق الصحابة والتابعون وهم خير القرون الكفار والمشركين في المعاصي ولا يعقل أن يكذب الصحابة رضوان الله عليهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حذر صلى الله عليه وسلم عن الكذب عليه وذلك في الحديث المتواتر عن بضعة وسبعين من الصحابة والذي نصه كما جاء في البخاري في كتاب باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم كما يلي: عن أنس رضي الله عنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من تعمد علي كذبًا فليتبوأ مقعده من النار

-يتبع في العدد القادم-

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 47

0

الثلاثاء 16-فبراير-1971

مواقف!

نشر في العدد 38

147

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

مع القراء (38)