العنوان الاقتصاد الإسلامي.. مفاهيم ومرتكزات
الكاتب د. محمد أحمد صقر
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1976
مشاهدات 102
نشر في العدد 292
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 23-مارس-1976
الملكية ودورها في البنيان الاقتصادي: مقارنة بين النظم:
تعتبر قضية الملكية وما يترتب عليها من المعالم البارزة التي تميز نظاما اقتصاديا عن آخر، وبالنسبة للنظام الرأسمالي فإن أهم خصائصه، حرية التملك، وحرية الاختيار في مجالات الإنتاج والتوظف «العمل» والاستهلاك.([1]) وفي ضوء هذه الحريات يعمل «جهاز الأسعار» Price system
الذي يدعي أنصاره أنه يحل العديد من القرارات المعقدة في أسواق السلع الاستهلاكية والإنتاجية، وفي مجال توزيع عوائد الإنتاج. وهذا التوازن الذي يدعي أنه يتحقق في ميدان الإنتاج والاستهلاك وتوزيع الدخل يتم بصورة غير شخصية Impersonal Relationship, والمحرك لنمو الرأسمالية هو دافع الربح في مجال الإنتاج، وزيادة الإشباع في ميدان الاستهلاك وزيادة الأجر والدخل في ميدان التوزيع.
وقد أضفى «آدم سميث» والمدرسة الكلاسيكية وبالأخص «ساي» هالة من الإطراء والتمجيد، على هذه الحركة الميكانيكية غير المرئية التي قيل إنه يتم بموجبها التوازن والتطابق بين الصالح الخاص والعام بحيث اعتبر جهاز الأسعار بمثابة اليد التي تمتد إلى كل اعوجاج اقتصادي فتقومه بلمسة واحدة، وإلى كل داء - كالبطالة- فتبرئه.
ولقد ظل الفكر الاقتصادي الرأسمالي أسيرا لمعطيات الحرية الاقتصادية وسخرت أدوات التحليل الاقتصادي لتصبح مطية للدفاع عن مصالح المالكين وطلبا للناس أن يستسلموا للقدريات التي يفرضها جهاز الأسعار.
ولما كانت الثروة والدخل الناتج عنها قد سقط في يد طبقة اجتماعية صغيرة عكس جهاز الأسعار ثقل هذا الوضع فازداد الأغنياء غنى، وازداد الفقراء فقرا وضاقت قاعدة الملكية واندثر الكثير من الصناعات والمشروعات الصغيرة وتعاظم شأن الاحتكارات الكبيرة.
ولم يقتصر تسخير أدوات النظرية الاقتصادية لمصلحة الرأسمالية على المستوى المحلي، بل إن تلك الأدوات سخرت لتفريغ القدرات الاقتصادية في العالم الخارجي لتصب ثراء في الدول الرأسمالية. وانبرى الاقتصاديون الغربيون للتوسع في الحديث عن مزايا التخصص الدولي وتقسيم العمل وأثره على زيادة الإنتاج والرفاهية العالمية. وفرض نمط قسري من التخصص الدولي طبقا لمعطيات نظرية الميزة النسبية Comparative Advantage ليعمل لصالح الدول الصناعية المستعمرة وفي غير صالح الدول الفقيرة المستعمرة.
لكن العالم استيقظ على أزمات اقتصادية من أبرزها الكساد الكبير عام ۱۹۲۹ والذي أدى إلى تعطيل الملايين في الدول الرأسمالية وأحدث هذا هزة عنيفة في مسلمات الفكر الاقتصادي وفي مزايا جهاز الأسعار الحر وخرج - كينز- بنظرية التوازن الكلي، وهاجم بعنف المنطق الكلاسيكي وتطبيقه مبادئ التحليل الجزئي على الاقتصاد العام. ([2])
وقد فتح الفكر الكينزي مجالا رحبا للسياسة الاقتصادية للدولة، وخاصة سیاستها المالية لتحقيق التوظف الكامل.
وعلى الرغم من أن الدولة في البلدان الرأسمالية تلعب الآن دورا كبيرا في المجال الاقتصادي من خلال الميزانية العامة -الضرائب والنفقات- وتطبيق نظام التأمينات الاجتماعية، إلا أن فلسفة الملكية الفردية بمفهومها المطلق -إلى حد كبير ما زالت السمة البارزة لهذه المجتمعات.
وثمة عنصر جديد ألقى ظلالًا كثيفة على النتائج التي توصلت إليها النظرية الاقتصادية فيما يتعلق برفاهية المستهلك والتي تبنى أساسا على توافر حرية الاختيار الرشيد. إذ تحولت هذه الحرية إلى مجرد مظهر صوري لا مضمون له بعد أن نمت وسائل الدعاية والإعلان وتنوعت أساليبها وأنماطها واستعانت بقواعد التحليل النفسي والإيحاء اللاشعوري، مما مكن المنتجين من تطويع المستهلك لأنماط السلع المنتجة. ([3]) وهكذا سلب المستهلك حريته وأحيل إلى كتلة متصارعة من المشاعر والتطلعات المتحفزة إلى كل ما هو جديد بغض النظر إن كانت السلعة التي ينفق عليها دخله تحقق له إشباعًا حقيقيًا أو وهميًا.
وباختصار، فإن ثمة شكا في مزايا الملكية لفردية في العالم الرأسمالي. والنظرية الاقتصادية، وقد وقعت في السابق في خطأ عدم افتراض وقوع البطالة العامة، تقع في خطأ جديد عندما تغفل هذه النظرية تأثير قوة جديدة أضافتها الملكية الفردية إلى أسلحتها، ألا وهي القوة الهائلة للدعاية والإعلان الإقناعي- لا التثقيفي([4]) وغدا جهاز الأسعار مثقلا بمعطيات جديدة بالإضافة إلى معطيات الملكية ذاتها. فهل بعد هذا يصح أن يقال إن جهاز الأسعار يؤدي دوره بصورة لا مرئية وموضوعية وغير شخصية.
أما الماركسية الشيوعية فإنها ترد كل الشرور الاقتصادية والاجتماعية إلى وجود الملكية الفردية، وتفسير التاريخ البشري تفسيرا ماديا ينطلق من المستوى الذي تكون عليه وسائل الإنتاج وعلاقات الإنتاج ويحوي كل نظام تناقضا داخليا لا يلبث أن ينقله إلى النقيض، وهو ما اسمي بالديالكتيك. وإن الصراع الطبقي بين الرأسماليين والعمال سيستمر لأن الرأسمالي يحاول خفض الأجور وزيادة فائض القيمة، وهكذا مع الوقت تضعف القوة الشرائية ويزداد تعطل العمال، ومن ثم يزداد البؤس الاجتماعي وتندثر الصناعات الصغيرة ولا يبقى في ميدان الإنتاج إلا الاحتكارات العملاقة. وعندما تصل الرأسمالية إلى مرحلة النضوج يكون -جيش البطالة الاحتياطي- قد اتسعت قاعدته بفضل التركز الصناعي، والذي يؤدي بدوره إلى تجميع أعداد كبيرة من العمال في المدن الصناعية الكبرى, ([5]) مما يدفع بالمتعطلين إلى إحداث انقلاب دموي يطيح بالنظام الرأسمالي. وتتحول ملكية الإنتاج إلى الطبقة العاملة، وبذلك تنتهي مرحلة الصراع الطبقي ويصل المجتمع إلى الرفاهية الشاملة.([6])
وهكذا فإن النظرية الماركسية بتبنيها فلسفة التفسير المادي للتاريخ Materialistic Interpretation of History
وجزمها بأن العلاقات الاجتماعية، وكل القيم الفنية والدينية في كل مرحلة من مراحل التطور البشري ما هي إلا انعكاس لطبيعة الإنتاج السائد وعلاقاته، لتهمل كل المؤثرات المعنوية والنفسية والدينية التي يمكن أن تغير من وجهة المجتمع ومساره الحضاري. وبذلك تلغي دور الفكر وتجعل مصيره كله خارجا عن إرادته.
ومن المفارقات أن يحدث الانقلاب الشيوعي الأول في بلد زراعي متخلف لم ينضج، بل لم يكن له وزن صناعي، ومن العجب أيضا أن الذين يقاومون الثورة هم من صغار الملاك مما يعني أن التغير الاجتماعي يمكن أن يقوم بفعل الأفكار الإنسانية.([7]) ثم إن وجود الآلية بالدرجة نفسها في مجتمعين، لا يعني أن الحياة الاقتصادية والاجتماعية لكليهما لا بد أن تكون نسقا واحدا. ولقد أثبتت الأحداث البعيدة والقريبة في روسيا ذاتها والصين والدول الاشتراكية أن تحويل الملكية إلى جماعية يبسط المشكلة الإنسانية ويضعها في معادلة رياضية ساذجة وهي أن الحياة مادة، وأثبتت أيضا أن قضية الإنسان قضية تحتاج إلى حل شامل متكامل.
الملكية في النظام الإسلامي:
الإسلام لا ينظر إلى الملكية الفردية من الزاوية الاقتصادية وحدها، لكنه ينظر إلى الملكية من عدة زوايا بعضها فردي نفسي، وبعضها اجتماعي واقعي، وبعضها لحفظ التوازن السياسي، وبعضها لأغراض حركية تطورية تحفظ لنمط الحياة الإسلامية سمته المتميزة.
النظام الاقتصادي الإسلامي من وجهة واقعية Positive existence
لا يقوم إلا على أساس الملكية الفردية بما في ذلك حرية التملك والتصرف في الملكية وطرق تنميتها وحرية الانتفاع من هذه الملكية، أي منافذ اتفاق الدخل كل هذا ضمن الإطار العام للتصور الإسلامي.
وحق الملكية الفردية في المفهوم الإسلامي ليس حقا طارئا أو موقوتا أو عرضيا. وليس حقا يتعلق بفترة زمنية دون أخرى ونظام مرحلي يتوقف وجوده أو عدمه على طبيعة المرحلة الاقتصادية والاجتماعية التي يبلغها المجتمع الإسلامي. إن الملكية الفردية ركيزة عضوية تضرب عميقا في صميم البنية الإسلامية التكاملية. ([8]) وبتعبير آخر فإن الملكية الفردية بمثابة مؤسسة ضمنية تتشكل تلقائيا مع المجتمع الإسلامي، وتظل ملازمة له، وإذا تصورنا جدلا انتفاء الملكية الفردية، فهذا معناه انهيار قاعدة مادية حياتية يستند عليها الكيان الاقتصادي الإسلامي كله، بل والكيان الاجتماعي والسياسي.
ولقد سبق لنا أن بينا في بداية هذا البحث أن الإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه مجموعة طاقات. وأن الإنسان لا يشعر بهذه الإنسانية إلا إذا استغل هذه الطاقات بصورة متوازنة. وهذا الاستغلال من العبث أن يقوم له تصور دون أن يكون الإنسان حرا. فالحرية شرط لا غنى عنه. والحرية في المفهوم الإسلامي لها مضمون متكامل ومرتكزات عدة، بعضها ينبع من الإحساس الذاتي للمسلم الذي استقر في وجدانه أن الأمر كله لله وبما أودع في وعيه لهذه الحقيقة من توق فطري للحرية، وبعضها ما كان مجاله أكبر من ذات الفرد، إنه المحيط الاجتماعي وما يزخر به من علاقات متشابكة أو بمعنى أصح للحرية شطران لا بد أن يتكاملا:
١- شطر يتعلق بالموقف النفسي والذهني للإنسان.
۲- شطر يتعلق بالقواعد الموضوعية التي يقوم عليها بناء المجتمع.
والملكية الفردية([9]) تندرج تحت الشطر الثاني ووظيفتها من هذه الناحية، استكمال مقومات وجود الحرية والحفاظ عليها وذلك بتحقيق التوازن أو التعادل من زاويتين:
١- التعادلية «التوازن» بين الفرد والسلطة.
۲- التعادلية بين قطاعات الإنتاج المختلفة.
١- التعادلية بين الفرد والسلطة:
الجوانب الاقتصادية:
تستند الحياة السياسية في المجتمع الإسلامي على قاعدة الشورى، أي المشاركة الإيجابية الواعية، بل الملزمة للأفراد والجماعات في تحمل مسئوليات البناء الاجتماعي بالاشتراك مع السلطة السياسية باعتبار أن السلطة السياسية ممثلة للمثل الإسلامية ومستهدفة تحقيق الخير للجميع. وهذه القاعدة وردت في نصوص صريحة في القرآن الكريم ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38). ([10])
وما من شك في أن الحارس الأول للحرية في ظل الشورى هو وجدان الفرد كدولة، ولكن الوجدان وحده لا يكفي خصوصا عندما يتعلق الأمر بموضوع شائك كموضوع السلطة، فالسلطة أقرب السلع إلى التلف، يقول الرسول الكريم «لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة.. وأولها الحكم وآخرها الصلاة».
والملكية الفردية هي المؤسسة الموضوعية التي تعمق مفهوم الشورى وتجعل المتنفس السياسي متنفسا موضوعيا له منافذ ملموسة وليس ترنيمة مثالية لا تجسيد ماديا لها. إذ أن توزع القوى الاقتصادية بسبب وجود قاعدة الملكية الفردية وما تتيحه من فرص الاختيار والبدائل في مجالات العمل والإنتاج والاستثمار.. من شأنه أن يشكل ضابطا موضوعيا وقيدا اجتماعيا يحفظ سلطة الدولة الاقتصادية في حدود معينة.
واختلاف الرأي والنظر إلى القضايا الاستراتيجية أو اليومية فيما يتعلق بإدارة مصالح المجتمع أمر واقع لا محالة ومحاولة طمسه بصورة تعسفية تعني تجميد الفكر وتبديد معنى وجود المجتمع([11]) وإذا ما تحرر الأفراد -والمؤسسات- من أن يكونوا جميعا أجراء وفعلة لأجهزة السلطة، فإن مناخ الحرية الاقتصادية وما يستتبعه في المجالات السياسية والاجتماعية يظل مناخا صحيا وتتحول التناقضات الحتمية بين المؤسسات بما فيها الدولة إلى وسيلة للإصلاح والتقدم. ([12])
والنظام الاقتصادي الذي يلغي الملكية الفردية يلغي توأمها بالضرورة، فلا مجال للحرية بعد ذلك، فالرأي المخالف مهما كان منطقيا سيكلف صاحبه كثيرا لتعرض صاحبه في الغالب للحرمان من العمل واكتساب لقمة العيش. وفي مثل هذه المجتمعات تتحول السلطة السياسية إلى أداة بطش تقتل في المجتمع روح الإبداع والمنافسة والتعاون والجدارة القيادية.
۲- التعادلية بين القطاعات والمؤسسات الاقتصادية
توزع القوى الاقتصادية بين أفراد المجتمع ومؤسساته يتيح مزيدًا من الفرص لخلق نوع من التعادلية الحركية بين نشاط القطاعات الاقتصادية المختلفة، كما أنه يعين على خلق نشاط حركي في دائرة كل قطاع. ففي القطاع الزراعي مثلا يتنافس المنتجون فيما بينهم على تحسين إنتاجهم وتسويقه بصورة تحقق أكبر قدر من الرفاهية للمستهلكين من حيث السعر ومواءمة السلعة على رغباتهم وهذه عملية حركية([13]) لأن المنتج لا يستطيع الصمود طويلًا ما لم يعمل على تحسين الإنتاج وهذا التحليل نفسه ينطبق على العملية الحركية التي يمكن أن تحدث داخل القطاع الصناعي والقطاعات الاقتصادية الأخرى. فالعاملون في كل قطاع يتنافسون داخل قطاعهم تنافسا داخليا ويتنافسون مع القطاعات الأخرى تنافسا خارجيا. ومحصلة هذا كله أن تتوجه الموارد والقدرات الإبداعية نحو القطاعات الناجحة، مما يوفر ضغطا كافيا لبث روح الحركة والتغيير في جميع الأنشطة الاقتصادية الأخرى.
السياسة الاقتصادية: دور الدولة في الاقتصاد الإسلامي:
من الصعب تحقيق بعض الإحاطة بمرتكزات ومفاهيم الاقتصاد الإسلامي دون الإشارة إلى دور الدولة.
يعتبر الإسلام الدولة مؤسسة عليا لا غنى عنها لانتظام نمط الحياة الإسلامية، وهو في هذا يختلف جذريا مع كل من الرأسمالية ومع النظرة الشيوعية للدولة فالدولة في النظام الرأسمالي الحر قدر لها أن تظل محايدة من الناحية الاقتصادية. ([14])ولقد أدت الأزمات الاقتصادية الحادة إلى إحداث تعديلات في هذه النظرة وأصبحت الدولة تلعب دورا أكبر في المجال الاقتصادي. ومع ذلك فما زالت الدولة في النظام الرأسمالي أسيرة لمعطيات الواقع الاقتصادي المهيمن وأداة في يد الاحتكار للحفاظ على مصالحه. ذلك لأن النظرة إلى فلسفة الملكية ما زالت دون تغير، وما زال دافع الربح هو الأقوى. ولا تتدخل القيم الاجتماعية في ضبط طاقة المنتجين الكبار إلا قليلا. وبالأصح طوعت القيم الاجتماعية ذاتها لتنسجم مع مصلحة المحتكرين إلى حد كبير.
كما يخالف الإسلام الهرطقة الشيوعية التي تعتبر الدولة نتاجا برجوازيا ووجودها دليل على الاستغلال والتحكم وأن المجتمع الشيوعي الناضج ينتفي فيه وجود الدولة.
يكمن بلورة دور الدولة الإسلامية في عبارة واحدة ألا وهي - تحقيق الرفاهية المتوازنة للمجتمع Harmonious Social Welfare وكلمة متوازنة في التصور الإسلامي معناها الأخذ من كل من مكونات الرفاهية وروافدها بقدر ملائم دون إفراط أو تفريط خصوصا في مجاليها الرئيسيين الروحي والمادي. كما تعني صياغة نمط من التوافق الاجتماعي الذي من شأنه أن يحفظ للفرد كينونته واحترامه في الوقت الذي يراعي فيه الحق العام للمجتمع، وفي الصفحات المتبقية من هذا البحث نتعرض بإيجاز لدور الدولة الاقتصادي.
۱ - تحقيق تشغيل أمثل للموارد الاقتصادية
إن من واجب الدولة الإسلامية توفير كافة المستلزمات لتشجيع الإنتاج وتوظيف عناصر الإنتاج بصورة كاملة: بشرية كانت أم مادية. وهذا يستدعي توفير المناخ الأمني والإطار القانوني والتشريعي والضرائبي لتشجيع القطاع الخاص -الملكية الفردية- ومده بحوافز جديدة ليلعب دوره البناء في تطوير المجتمع. وهذا يقتضي بالطبع توفير ما سمي برأس المال الاجتماعي التحتي Infra-Structure كشق الطرق وبناء الموانئ وتوفير الطاقة والخدمات الأخرى الأساسية التي من شأنها أن تشجع المؤسسات الخاصة على ارتياد مجالات إنتاجية جديدة عن طريق إغرائها بمزايا الوفورات الخارجية.
External Economies
ويدخل ضمن هذا المعاونة على إيجاد المؤسسات الاقتصادية التي تنسجم مع المضامين الإسلامية، كالبنوك اللاربوية ومؤسسات التمويل والتسويق ونشر التعاونيات الإنتاجية والاستهلاكية, وإذا كانت سياسة الدولة الإسلامية تهدف إلى تشغيل عناصر الإنتاج وتنمية القدرات الإنتاجية، فإن هذا لا يعني أن يكون الهدف هو تحقيق أقصى إنتاج، بل الأصح تحقيق أمثل إنتاج، إذ إن معدل النمو يجب أن يراعي عدة اعتبارات هامة أغفلها الأدب الاقتصادي الحديث فقد يكون في مصلحة المجتمع تحقيق معدل نمو أقل عن المعدل الممكن.
١- عدم تشجيع استنزاف طاقات المجتمع وخاماته ومواده الأولية بمعدل سريع. وذلك عن طريق ترشيد الإنتاج والاستهلاك بالوسائل المتاحة. فلا يجري التخلص من السلع المعمرة أو الآلات أو الأدوات المنزلية قبل أن تستهلك بقدر معقول. أي محاولة الإسراف والتبذير الإنتاجي والاستهلاكي
۲- عدم إرهاق الطاقات البشرية، وإتاحة مجالات التمتع المباح بمباهج الحياة بمعنى أن التيسير وعدم الإرهاق يحقق متعة -تفوق- المتعة المادية، بعد الوصول إلى نقطة إنتاج أو ساعات عمل معينة.
۳- النظر إلى تركيبة السلع المنتجة واهتمام السياسة الحكومية بتشجيع نمط من السلع يسد الحاجات الشعبية حتى وإن كان هذا التشجيع سيحقق معدلا أقل للنمو مما لو أطلق العنان للمبادرة الفردية التي تنجذب بسرعة نحو الإنتاج الكمالي
٤- المواءمة بين أساليب الإنتاج الفنية المستخدمة وبين العناصر الإنتاجية خاصة عرض العمل. فقد يحقق أسلوب فني معدلا أعلى للنمو لأنه يعتمد على تكثيف كبير لرأس المال والتكنولوجيا المتقدمة، بينما يفضل أسلوب آخر يراعي ضرورة الاستفادة من مزايا إدخال التكنولوجيا المتطورة بقدر معين لكنه يتيح مجالا أكبر لاستخدام فائض العنصر البشري مع أن معدل النمو في الثاني أقل ذلك لأن الإسلام يحارب البطالة ويعتبرها مباءة للفساد الاجتماعي، ويعتبر العنصر البشري أولى بالرعاية، وباختصار ليس المهم حجم الإنتاج ولكن المهم الوصول بالإنتاج إلى الحجم الذي يراعي الاعتبارات الاجتماعية.
([1]) Mass Consumption Societies Karl Marx، Das Kapital- Critique of Politica Economy & see also Karl Marx and Friedrich Engles، Communist Manifesto.
[2]) ) وللمقارنة بين الرأسمالية والاشتراكية انظر كتاب:
Joseph Schumpter Capitalism، Socialism and Democracy
ولتحليل آراء شمبيتر في هذا الخصوص انظر مقالة آرثر سميثز نشرت في عدد خاص أصدرته جامعة هارفارد، وحيث كان شومبيتر يعمل أستاذا بها بعنوان
In Memory of Prof. Joseph Schumpeter: Harvard Univ. Press Mass.
[3]) ) ومثال صارخ فترة حكم ستالين وما تخللها من ماسي اجتماعية، ذهب ضحيتها عدد كبير من كبار القادة والمفكرين السوفييت.
[4]) ) يعتبر جوزيف شومبيتر من أوائل من نبهوا إلى أن المنتج هو الذي يتحكم إلى حد كبير في ذوق المستهلك وإقناع المستهلك بشرائها، وعندما كتب هذا شومبيتر في كتابه، الدورة التجارة - لم يكن من الدعاية والإعلان قد استفحل خطره إلى المستوى الذي وصل إليه اليوم، بحيث تحولت المجتمعات الرأسمالية بحق إلى مجتمعات الاستهلاك الكبير.
[5]) ) ظلت النظرية الاقتصادية في الغرب تحلل توازن المؤسسة المنتجة بافتراض أن النمط العام لهيكل Perfect competition السوق هو المنافسة الكاملة وصلت صورة المؤسسة المثالية Representative firm التي رسمها خيال الفرد مارشال هي النموذج في التحليل. ولكن في الثلاثينيات طلع برفسور شامرلين E. Chamberlin بنظرية المنافسة الاحتكارية Monopolistic Competition بأنه هو النمط السائد في الحياة العملية اليوم، واستمر يدافع عن أفكاره في كتاباته اللاحقة التي جمعها في كتاب نحو نظرية جديدة للقيمة Towards a new theory of value
[6]) ) لا يلعب جهاز الأسعار دورا يذكر في الاقتصاد الاشتراكي، فقرارات الإنتاج تخضع تماما للقرارات التي يتخذها المجلس الأعلى للحزب، وهكذا فإن توجيه الموارد يتم بصورة شبه كلية تنفيذا للقرار السياسي وكذلك الحال بالنسبة لتوزيع الدخل. أما في سوق السلع فإن الأسعار أيضا تتحدد في الغالب بفعل قرار سياسي ولا يسمح للأسعار أن تتكيف طبقا لحالة العرض والطلب، وبمعنى آخر فإن الإنتاج والاستهلاك كلاهما موجهان بصورة مباشرة.
[7]) ) من المعروف أن فلسفة الملكية الفردية في الإسلام لها مضمون متميز فالله سبحانه هو المالك الحقيقي والأفراد مستخلفون في هذه الملكية. وللزمخشري نظرات ثاقبة في تفسير معنى الاستخلاف. ونجد الكثير من الآيات القرآنية تنبه إلى ضرورة مراعاة الصالح العام عند ممارسة حق الملكية كما وردت آيات عديدة تسند الأموال إلى الجماعة كقوله تعالى- ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (سورة النساء: آية 5) -ومن هذا المنطلق- قياما، حرم الإسلام تنمية الثروة -أو إنفاق عائدها - بوسائل غير مشروعة، «۱» انظر الشيخ على الخفيف الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام - مجمع البحوث الإسلامية الجزء الأول، القاهرة ۱۹۷۱، وانظر كذلك: محمد عبد الله العربي - ملكية المال وحدودها في الإسلام. محاضرات في النظم الإسلامية، معهد الدراسات الإسلامية القاهرة ١٩٦٦، وكتاب الدكتور مصطفى السباعي اشتراكية الإسلام، الطبعة الثالثة، ومن أهم المراجع القديمة كتاب الأموال: لأبي عبيد. وانظر:
M. N. Siddiqui، Some Aspects of the Islamic Economy (Markazi Maktaba Islami، Delhi، 1972) & see M. Umar Chapra، The Economic System of Islam، (The Islamic Cultural Centre، London، 1970) and see also، M. A. Mannan، Islamic Economics Theory and Practice (Sh. M. Ashraf، Lahore، 1970 )
[8]) ) محمد أحمد صقر- نظرية التوازن الاجتماعي في الإسلام، محاضرة ألقيت في الموسم الثقافي لوزارة الإعلام الأردنية -عمان- ۱۹۷۳
[9]) ) يقسم الفقه الإسلامي ملكية الأموال إلى ثلاثة أنواع رئيسية: أموال يحق للأفراد تملكها وهي مدار الملكية الفردية، وأموال لا يحق للأفراد تملكها بل تظل ملكا للجماعة كالأنهار والمساجد، وأموال تمتلكها الدولة وتديرها لصالح الجماعة كالطرق والمرافق العامة والمناجم وينصب التحليل في هذا البحث على النوع الأول فقط لأنه موضع الجدل والاختلاف بين المدارس الفكرية المختلفة.
[10]) ) سورة الشورى آية ٣٨
[11]) ) هذه الحركية والتعادلية تتخذ طريقها بفعل وجود -جهاز الأسعار-. وهناك ضوابط أخلاقية تخفف من آثاره السلبية التي لا بد من وقوعها. كما أن النظام الاقتصادي الإسلامي يحتوي على ضوابط موضوعية أخرى تعمق من فاعلية جهاز الأسعار سنبينها في الجزء اللاحق.
[12]) ) من المراجع القديمة الهامة التي تبحث في واجبات الدولة انظر: تقي الدين بن تيمية. السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية -دار الكتاب الغربي الطبعة الثانية، القاهرة-. ومن المراجع الحديثة انظر:
Mohammed Asad، Principles of State and and Government in Islam، California University Press، U. S. A. 1961.Adam Smith، Wealth of Nations
[13]) ) هناك كثير من الشواهد الدالة على اهتمام الدولة بتوفير المتطلبات الاجتماعية وصيانة الأموال وتشجيع تنميتها بوسائلها المشروعة، فلقد نقل عن عمر قوله بما معناه لو أن بغلة -أو عنزا- عثرت في أرض العراق لخفت أن يسألني الله عنها يوم القيامة لم لم تمهد لها الطريق يا عمر. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى ولاته أن يعينوا المزارعين ويمدوهم بالمال اللازم لزراعة أراضيهم وتحسين إنتاجهم. وتسديد ديون الغارمين- حتى وإن كانوا أصحاب أعمال- شاهد لا يحتاج إلى دليل.
[14]) ) ظهر مؤخرا كتاب يخطئ فكرة - تحقيق أعلى معدل للنمو بأقلام مجموعة من الاقتصادين المعاصرين نشره برفسور وليم بوميل William Boumol تحت عنوان: The Cost of Economic Growth
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل