العنوان نحو بدائل إسلامية للاقتراض الخارجي في مصر
الكاتب د. أشرف دوابه
تاريخ النشر الجمعة 03-فبراير-2012
مشاهدات 85
نشر في العدد 1987
نشر في الصفحة 42
الجمعة 03-فبراير-2012
- طرح صكوك إسلامية وتخفيض نسبة الاحتياطي القانوني للودائع إلى النصف والاستفادة من النصف الباقي في سد العجز.
- الخروج من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الحقيقي بالتوجه نحو المزيد من الصناعة وتقوية القاعدة الإنتاجية.
- تلقي قروض حسنة من الودائع البنكية غير المستغلة والتي قاربت نصف ودائع الجهاز المصرفي.
- ضم موارد الصناديق الخاصة للموازنة العامة وإقرار عقود السلم الشرعية في مبيعات الدولة خاصة من البترول والغاز.
- تشجيع المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر وشركات رأس المال المخاطر وتوفير سبل التمويل الإسلامية لها.
- منح مزايا ضريبية للممولين الذين يعجلون بسداد ما استحق عليهم من ضرائب أو من يدفعون جزءًا تحت الحساب من ضرائبهم اللاحقة.
اللجوء للاقتراض الخارجي يطرح نفسه داخل أروقة الحكومة المصرية، حيث تسعى الحكومة لاقتراض نحو ۱۲ مليار دولار من المؤسسات الدولية للمساهمة في سد العجز في الموازنة العامة في الدولة، ودعم ميزان المدفوعات، حيث ارتفع العجز في الموازنة الحالية إلى ١٦٠ مليار جنيه بدلًا من العجز المقرر عند إعداد الميزانية وقدره ١٣٤ مليار جنيه، كما شهد ميزان المدفوعات خلال الفترة من يوليو حتى سبتمبر ٢٠١١م عجزًا كليًا بلغ ٢,٤ مليار دولار، مقابل فائض كلي بلغ ١٤,٧ مليار دولار خلال الفترة المناظرة من السنة المالية السابقة، وهو ما انعكس على صافي الاحتياطيات الدولية للبنك المركزي المصري الذي انخفض لنحو ٢٠ مليار دولار.
وقد كان هذا نتيجة حتمية لما شهدته مصر من اعتصامات غير مناسبة في توقيتها أو مكانها أو وسائلها، فكان ضررها أكثر من نفعها، إضافة إلى فقدان الأمن الذي هو أساس البنيان الاقتصادي، وهو ما انعكس سلبًا على الإنتاج وتراجع الإيرادات السياحية والاستثمار الأجنبي؛ سواء أكان مباشرًا أم غير مباشر، فقد تراجعت الإيرادات السياحية خلال الفترة من يوليو حتى سبتمبر ٢٠١١م إلى 6.3 مليار دولار مقابل 9.2 خلال الفترة المناظرة من السنة المالية السابقة، وكذلك تحولت الاستثمارات في محفظة الأوراق المالية في مصر إلى صافي تدفق للخارج بلغ 8.9 مليار دولار مقابل صافي تدفق للداخل بلغ 12.2 مليار دولار خلال فترة المقارنة، كما تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر ليسجل 375.5 مليون دولار مقابل 5.7 مليار دولار خلال فترة المقارنة، وقد ساعد جزئيًا في الحد من تفاقم العجز في ميزان المدفوعات زيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى ١٠,٤ مليار دولار مقابل 9.3 مليار دولار خلال فترة المقارنة.
الخروج من المأزق
وفي ظل ضبابية الصورة والتصريحات غير المسؤولة من مسؤولين عن إفلاس مصر، بما يخالف الأسس الاقتصادية التي أولى أولوياتها توفير عامل الثقة داخل الاقتصاد؛ حتى لا تتصدع أركانه، وتنهار أسسه تبدو أهمية الخروج من المأزق الراهن بحكمة واقعية وعملية.
فما أيسر أن يلجأ الفرد أو الدولة للاقتراض لترقيع مشكلاته دون وضع حل ناجع لها، فقضية القروض خاصة الخارجية منها في حقيقتها سلاح ذو حدين، ويجب ألا يلجأ إليها إلا في حالات الضرورة القصوى؛ احترامًا لحق الأجيال الحالية والقادمة، وعدم تحميلهم ما لا طاقة لهم به، وفكاكًا من شروط تلك القروض المجحفة التي تتضمن تدخلًا سافرًا في المدى القصير عند المنح، وفي المدي الطويل في حالة التعثر، وجدولة تلك القروض، ووضع رقابنا في يد غيرنا من خلال تجاوز الحد الأمن للديون؛ حيث بلغ إجمالي الدين العام الخارجي في سبتمبر ٢٠١١م مبلغ 34.9 مليار دولار، وبلغ إجمالي الدين العام المحلي ٩٦٨ مليار جنيه، هذا فضلًا عن تخفيض التصنيف الائتماني الذي يقابل بمزيد من رفع سعر الفائدة، إضافة إلى وباء الربا المصاحب لتلك القروض وهو لا يأتي بخير، بل يضاعف الدين ويمحق البركة ويضع الحكومة في حرب مع الله ورسوله.
الاقتراض الخارجي
وإذا كان الاقتراض الخارجي من المؤسسات الدولية هو الحل الأزمة مصر الاقتصادية؛ فلماذا لم تتخذه الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية منهجًا وديدنا للخروج مما حل بها من أزمة مالية، رغم وقوف العديد من تلك الدول على حافة الإفلاس؟!
وحتى حينما حدثت أزمة النمور الأسيوية في تسعينيات القرن الماضي، رفض رئيس الوزراء الماليزي السابق «محاضير محمد» الرضوخ لروشتة صندوق النقد الدولي سواء فيما يتعلق باللجوء للاقتراض من المؤسسات الدولية أو رفع سعر الفائدة وكانت النتيجة أن خرجت ماليزيا من هذه الأزمة
أكثر قوة وتعافى اقتصادها بسرعة مذهلة.
وإذا كان اللجوء للاقتراض الخارجي مضرة اقتصادية وسياسية، وتسكينًا وترقيعًا للمشكلات وتوريثها لجيل لا ذنب له، فما الحل إذًا؟ هل تلجأ الحكومة إلى طباعة البنكنوت، ومن ثم زيادة عرض النقود، وهذا حل أدهى وأمر، فهو وقود التضخم ولهيب ارتفاع الأسعار التي سيكتوى بها حتمًا معظم الشعب المصري الذي يعيش أكثر من ٤٠٪ منه تحت خط الفقر.
أم تلجأ الحكومة للاقتراض الداخلي بديلًا عن الاقتراض الخارجي، وإن كان هذا الحل أرحم من سابقيه فإنه يصطدم بواقع العديد من البنوك المصرية التي بيعت لبنوك أجنبية، والتي تحكمها المصالح في دولتها الأم، فضلًا عن تأثير ذلك على السيولة المتاحة للقطاع الخاص، إضافة إلى الربا المصاحب لتلك القروض، وإن تميزت تلك القروض بأنها بالعملة المحلية ومن ثم تجنب توفير العملة الصعبة وما يعتري توفيرها من مشکلات.
الحل الإسلامي
ولعل هذا المأزق الراهن يولد من رحمه فرصة للخروج منه، من خلال اللجوء للمنهج الاقتصادي الإسلامي الذي يتميز بالشمول والكمال والعدل وترسيخ مبدأ الغنم والغرم، ومراعاة حق الأجيال القادمة في ثروات الأجيال الحالية، وفي هذا الإطار يمكن للحكومة توفير السيولة اللازمة وسد عجز الموازنة ومعالجة مشكلاتها المالية في الأجل القصير، من خلال طرح صكوك إسلامية، فضلًا عن تخفيض نسبة الاحتياطي القانوني للودائع إلى النصف، والاستفادة من النصف الباقي في سد العجز، فضلًا عن تلقي قروض حسنة من الودائع البنكية غير المستغلة والتي قاربت نصف ودائع الجهاز المصرفي، وضم موارد الصناديق الخاصة للموازنة العامة، وإقرار عقود السلم الشرعية في مبيعات الدولة، خاصة من البترول والغاز، ومنح مزايا ضريبية للممولين الذين يعجلون بسداد ما استحق عليهم من ضرائب، أو من يقومون بدفع جزء تحت الحساب من ضرائبهم اللاحقة، وتفعيل الحد الأقصى للأجور، وترشيد الإنفاق الحكومي، وإلغاء مملكة المستشارين وما يتقاضونه من مكافآت، وإلغاء الدعم الموجه لغير مستحقيه خاصة فيما يتعلق بدعم الغاز والكهرباء الذي يصب في مصلحة أصحاب الشركات الأثرياء، ورفع رسوم المرور في قناة السويس، وفرض ضرائب إضافية على السلع الترفيهية والمضرة بالصحة والبيئة، وتسريع محاكمات الفاسدين من السياسيين ورجال الأعمال، واسترجاع ما نهبوه من أموال خاصة ما بقي منها داخل البلاد، مع متابعة ما هرب خارجها، وإن استغرق بعض الوقت حتى يعود إلى أرض الوطن ويضخ في شريان الاقتصاد، مع ترسيخ مبدأ الشفافية قيدًا على كل هذه السياسات.
وفي الأجلين المتوسط والطويل لابد من الخروج من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الحقيقي؛ من خلال الإصلاح الهيكلي للاقتصاد المصري بالتوجه نحو المزيد من الصناعة، وتقوية القاعدة الإنتاجية وتنميتها بمعدلات مرتفعة، وترتيب الاستثمارات حسب أولوياتها، وتوجيهها نحو الإحلال محل الواردات، وتعظيم القيمة المضافة للصادرات من خلال تعديل هيكلها بتشجيع الصادرات الأكثر تطورًا خاصة الصادرات الصناعية التي يتميز فيها الاقتصاد المصري بميزة تنافسية، حيث يوجد فرص للتصنيع والتصدير في قطاعات الغزل والنسيج، والمنتجات الجلدية، والأثاث، والصناعات الإلكترونية والمعلوماتية، مع زيادة التوجه نحو الأسواق العربية والأفريقية والإسلامية، واستغلال اتفاقيات التجارة المبرمة في هذا الإطار، أو في إطار المنظمات الدولية.
وتبدو هنا أهمية تشجيع المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر وشركات رأس المال المخاطر وتوفير سبل التمويل لها بأساليب التمويل الإسلامية، وكذلك توفير شركات تسويقية متخصصة لتسويق ما تنتجه تلك المشروعات من سلع وخدمات، وتفعيل السياحة بصفة عامة والسياحة البديلة والدينية بصفة خاصة، وإصدار صكوك إسلامية متنوعة ذات أجل متوسط وطويل تستخدم في تمويل مشروعات حقيقية، فضلًل عن إنشاء مؤسستين للزكاة والوقف كهيئتين مستقلتين عن الحكومة مع خضوعهما لرقابتها ، لقدرتهما الكبيرة على توفير التمويل اللازم للموازنة العامة للدولة بصورة مباشرة أو تخفيف الأعباء عليها بصورة غير مباشرة، فضلًا عن قدرتهما على تشجيع ميلاد منظمين يتمتعون بالجرأة والإقدام على إنشاء أعمال جديدة، وتحويل الأفكار إلى واقع ملموس من خلال إقامة مؤسسات تدريب لتفريخ أعداد متزايدة من رجال الأعمال الشباب في إطار منظومة أخلاقية تقدس قيمة العمل والجودة وترسخ للأمانة والمصداقية والشفافية كسلوك الرجال الأعمال؛ وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى إشباع الحاجات المحلية، وتشجيع الصادرات وترشيد الواردات وتحسين وضع ميزان المدفوعات وبخاصة الميزان التجاري، ومن ثم تحقيق الاستقلالية الاقتصادية والخروج من نفق التبعية الاقتصادية والسياسية.
[1] أكاديمي وخبير اقتصادي إسلامي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل