العنوان الاقتصاد الإسلامي.. مفاهيم ومرتكزات (293)
الكاتب د. محمد أحمد صقر
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مارس-1976
مشاهدات 102
نشر في العدد 293
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 30-مارس-1976
۲- توجيه النفقات العامة لتحقيق المنافع العامة:
أوجب الإسلام على الحكومة أن تدقق في أوجه صرف الأموال العامة بحيث يحقق الإنفاق أقصى نفع اجتماعي ممكن، بمعنى:
(۱) ألَّا تنفق الأموال لتحقيق منافع شخصية للجهاز الحكومي بل توجه للصالح العام.
(٢) الاختيار بين البدائل المتاحة للإنفاق بحيث يختار البديل الذي يحقق أقصى منفعة اجتماعية.[1]
٣- تطبيق مقاييس للإنتاج ومواصفات للسلع وللإعلان التجاري:
قد يلجأ المنتجون والبائعون إلى إنقاص الوزن، أو تغيير مواصفات السلع، أو الغش في التركيب باستخدام مواد رخيصة ودون المستوى، وعدم مراعاة الشروط الصحية. وتدخل الدولة لحماية المستهلك أمر واجب، وإن قصرت عن القيام به فهي إما ظالمة للرعية وإما ضالعة في عمليات الغش والتدليس.
وقد عرف هذا التدخل في الإسلام بنظام الحسبة. والحسبة هي الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله، وقد ظهر هذا النظام وترقى في المجتمعات الإسلامية. ووظيفة جهاز الحسبة مراقبة الأسعار حتى لا يحدث تلاعب فيها أو غش في السلع، كما يراقب أرباب الصناعات والمهن على اختلاف أنواعها ويدقق في صحة الموازين والمكاييل، كما يطمئن على النظافة العامة بالنسبة للخبازين والجزارين إلى غير ذلك. ويتأكد من دقة ونظافة الأدوات الصحية لدى أطباء الأسنان والأطباء عمومًا وغير ذلك.
والمحتسب ليس اسمًا لشخص كما قد يتبادر إلى الذهن بل هو رمز لنظام متكامل، إذ أوجب الفقهاء على المحتسب أن يستعين بمعاون مختص لكل حرفة من الحرف خبيرًا بصناعة أهل الحرف، بصيرًا بطرق غشهم وتدليسهم، حتى يتمكن والي الحسبة من منع ما خفي من الغش والتدليس.[2]
وقياسًا على هذا فإن من واجب الدولة الإسلامية أن تضع وتطبق مقاييس وأنماط للإعلان التجارى، بحيث تحول دون تحوله إلى قوة رهيبة في يد المنتجين لتصريف مبيعاتهم عن طريق إيهام المستهلك وإغرائه بمزايا وهمية في السلعة، والعبث بمشاعره وغرائزه واستثارتها بصورة مدمرة لصحته المادية والعقلية والنفسية.[3]
٤- التدخل في السوق وتحديد الأسعار:
يتحدد سعر السلعة في الظروف العادية عن طريق تفاعل قوى العرض والطلب، وفي الاقتصاد الإسلامي يترك لجهاز الأسعار أن يلعب دوره التلقائي بالنسبة لتخصيص الإنتاج وتوزيعه. أما إذا حدث تلاعب مقصود في السوق لإنقاص العرض بغية إحداث ارتفاع في السعر بصورة تعسفية، أو حدثت ظروف استثنائية كالحروب والكوارث الطبيعية فإن من واجبات الدولة التدخل في السوق وتحديد الأسعار، بل وتوزيع السلع كميًّا على المستهلكين. كما يحق للدولة التدخل لرفع الأسعار في حالات الوفرة الكبيرة في الإنتاج، في بعض الحالات مثل حدوث فائض كبير في الإنتاج الزراعي. إذ أن ترك السعر منخفضًا سيؤدي إلى خسارة المزارعين، وهجرتهم إلى المدن مما يهدد البنيان الاجتماعي ويتسبب في ازدحام المدن وقد يضع المركز التمويني الاستراتيجي في وضع حرج[4]. وتحديد الإيجارات جائز حسب هذا المفهوم على المساكن وغيرها إذا ما دعت الضرورة.
وهناك نقطة لا مجال للتفصيل فيها، وهي ضرورة أن تراعي السياسة المالية والنقدية للدولة المحافظة على الاستقرار النقدي وتثبيت مستويات الأسعار، أو السماح لها بالتغيير في حدود معقولة. إذ أن التضخم يؤدي غالبًا إلى تدهور مستوى المعيشة بالنسبة للعمال وذوي الدخل المحدود. ويتحيز إلى جانب رجال الأعمال خصوصًا القطاع التجاري.
٤- محاربة الاحتكار وتشجيع المنافسة بين المنتجين:
في التحليل الاقتصادي المعاصر، يستدل على الاحتكار ودرجته بمدى التركز في الإنتاج وذلك بالنظر إلى عدد المؤسسات. فإذا كانت هناك مؤسسة واحدة تنتج أو تبيع بمفردها أطلق على هيكل السوق «الاحتكار الكامل». وإذا زاد العدد قليلًا سمي «باحتكار القلة».
وهذه مسألة شكلية تنصب على العدد بينما المهم الممارسة للسياسة السريعة.
وفي بعض الحالات قد يكون من الأفضل للمجتمع أن يوكل الإنتاج لمؤسسة واحدة فقط، إذا كانت السوق لا تحتمل التجزئة أو أن الحالة التكنولوجية تمنح المؤسسات الكبيرة وفورات الإنتاج الكبير، أو أن طبيعة السلعة تقتضي استمرارها كالكهرباء ولا تحتمل السوق أية هزة وانقطاع بسبب المنافسة.
في هذه الحالات ومثيلاتها لا مانع من أن تنفرد مؤسسة واحدة- أو عدد قليل- بالإنتاج شريطة أن تحدد الحكومة سعرًا عادلًا ومجزيًا بالنسبة للمستهلكين وبالنسبة للمستثمرين.
أما المحرم فهو ممارسة أساليب الاحتكار المشهورة عن طريق إقفال الأسواق والتحكم في الإنتاج عن طريق منع مؤسسات أخرى من استخدام المواد الخام، أو منعها من استخدام منافذ التسويق وإغراق الأسواق لتدمير المؤسسات المنافسة.
والدولة في هذه الحالات عليها واجب التدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ لتفسح المجال أمام دخول مؤسسات جديدة لترشيد العملية الإنتاجية وتحسين السلع وتخفيض السعر، إذ أن أهم مزايا المنافسة تحسين الإنتاج وتخفيض التكاليف[5].
٥- سياسة الأجور والتدخل في سوق العمل:
من الناحية المبدئية يتحدد الأجر تبعًا لظروف السوق أي عرض العمال والطلب عليهم، وتتفاوت الأجور تبعًا لطبيعة الإنتاج ومتطلباته وقوة أو ضعف الطلب عليه، ولمهارة العمال وقدراتهم ولاستعدادهم الفطري أو المكتسب، ولطول فترة التدريب والتخصص أو قصرها.
وأصل أن العمال أحرار في اختيار العمل الذي يريدون ممارسته وصاحب العمل حر في توظيف العمال[6]. ولكن العمل الإنساني له مكانة كبرى في الإسلام، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده»[7]. وقوله: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه».[8] ومن الناحية المجردة فلا يمكن مقارنة قوة العمل مع قوة رأس المال. إن قوة رأس المال ترجح والعمال في مركز ضعيف، مما قد يضطره إلى القبول بأجر مجحف[9] ذلك لأن العمل هو أقرب السلع إلى التلف وعرضة بصورة مباشرة بمقتضيات سد حاجة العامل للعيش والارتزاق.
والدولة الإسلامية عليها واجب حماية أسهم العنصر الإنساني وذلك بالتدخل في سوق العمل إمّا بصورة غير مباشرة كأن تسن القوانين التي تحدد ساعات العمل وإجازات العمال ومكافآتهم السنوية، وفي حالة المرض أو إصابات العمل، وتحسين ظروفهم الصحية والترفيهية والثقافية والتدريبية، وتحديد سن العمل بتحريم تشغيل الأحداث وإمّا التدخل بصورة مباشرة عن طريق تحديد الأجور. وذلك بوضع حد أدنى عام للأجور على مستوى الاقتصاد الكلي، أو تفرض مستوى للأجر في بعض الصناعات إذا اتضح أن هنالك استغلالًا للعمال من قبل رجال الأعمال.
والدولة الإسلامية وهي تتدخل لمنع احتكار الشراء عند توظيف العمال من قبل المؤسسات تحرص أيضًا أن تلعب دورها بصورة متوازنة بين العمال وأرباب الأعمال، فتمنع احتكار البيع- عرض العمل- من قبل نقابات العمال والتي قد تفرض شروطًا قسرية دون اعتبار لحالة الطلب العام على المنتجات أو حالة الاقتصاد القومي. فارتفاع الأجور دون مراعاة لنمو إنتاجية العامل سيؤدي حتمًا إلى حالات التضخم وما يتبعه من شرور اقتصادية واجتماعية، كما أن ارتفاع الأجور المصطنع قد يؤدي إلى إشاعة روح الكسل والتمرد وتقليص معدل النمو اللازم للاقتصاد القومي.
وقد أجاز ابن تيمية وغيره تسعير العمل، قياسًا على تجويزه تسعير السلع. ويبدو أن الفقهاء الذين أجازوا تسعير العمل أجازوه إذا اقتضى الحال في صناعات معينة. وقدروا أن يكون الأجر مساويًا لأجر المثل، وبلغة اقتصادية حديثة «مساويًا لأجر الفرصة المضاعة Opportunity Cost وهذه الإجازة بعينها تفتح بابًا تستطيع بموجبه الدولة أن تحدد الأجور في قطاعات معينة، وبذلك تحديد حد أدنى للأجور على المستوى الكلي. وذلك لمنع استغلال جهل العمال بحالة السوق ولحفظ مستوى لائق من المعيشة لهم، وترشيد العملية الإنتاجية عن طريق تحسین خطط دراسة المشروعات والتخطيط لها بشكل جيد، إذ أن وجود حد أدنى للأجور يفرض على المنتجين قدرًا أكبر من الجدية. وأخيرًا فإن الاحتفاظ بمستوى معين للأجور يعتبر بمثابة خط دفاع هام لإبقاء قوة شرائية في يد الفئة الغالبة في المجتمع لاستيعاب جانب من الإنتاج مما يقلل من حدة الأزمات الاقتصادية في أوقات الكساد.
[1] ينقل الدكتور النبهان الحادثتين التاليتين من كتاب الأموال لابن سلام. قال رجل لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين لو وسعت على نفسك في النفقة من مال الله تعالى، فقال له عمر: أتدري ما مثلي ومثل هؤلاء؟ كمثل قوم كانوا في سفر فجمعوا منهم مالًا وسلموه إلى واحد ينفقه عليهم، فهل يحل لذلك الرجل أن يستأثر عنهم من أموالهم؟ ورأى على بن أبي طالب عمرًا يهرول مرة وراء بعير فسأله: إلى أين يا أمير المؤمنين؟ فأجابه عمر: بعير ند من إبل الصدقة أطلبه. قال له علي: لقد أتعبت الذين سيجيئون من بعدك، فقال عمر: والذي بعث محمدًا بالحق، لو أن عنزًا ذهبت بشاطئ الفرات لأخذ عمر بها يوم القيامة.
ترى هل وصل الإنسان في كثير من دول العالم اليوم غنية وفقيرة في نظر السلطة إلى بعض ما وصلت إليه عنز في ضمير عمر؟ وهل يا ترى هنالك بصيص من الأمل لوقف اغتيال الأموال العامة باعتبارها سالبة مباحة لا تنشط الهمم غالبًا إلا لافتراسها؟
- الباحث- انظر: د. محمد فاروق النبهان. الاتجاه الجماعي في التشريع الإسلامي- دار الفكر بیروت ۱۹۷۰- ص ٣٣٧- ٤٠٠.
[2] يعتبر هذا الموضوع من أبرز الموضوعات التي دارت حولها أبحاث الفقهاء والمفكرين في كل العصور الإسلامية السابقة حتى أصبح موضوعًا مستقلًّا بذاته تكتب فيه المجلدات وتدور حوله المناقشات العملية ويرجع ذلك إلى أن الإسلام وإن كان يقر بمبدأ الملكية الفردية ويعتبرها ركيزة هامة في المجتمع الإسلامي لكنه يقيد مفهومها بحيث تراعى الصالح العام. فلا يجوز إطلاق أيدي المنتجين= =والبائعين للإضرار بالمستهلك، والنظام المطبق حاليًّا في الدول الصناعية- للمقاييس والمواصفات- إنما أخذ بكامله من كتابات علمائنا، بل إن ثمة سبقًا وتفصيلًا في الموضوع لم تصل بعد إليه الدول الحديثة. خذ مثلًا الرقابة على الأطباء يقول محمد بن القريشي: الطب علم نظري وبشري أباحت الشريعة تعلمه لما فيه من حفظ الصحة ودفع الملل عن هذه البنية الشريفة، وينبغي أن يكون لهم مقدم- أي نقيب للأطباء- من أهل صناعتهم إذا دخل الطبيب على المريض سأله عن سبب مرضه، ثم يرتب له قانونًا من الأشربة والعقاقير ثم يكتب نسخة لأولياء المريض بشهادة من حضر معه، وإذا كان من الغد حضر ونظر إلى دائه وقارورته وسأل المريض هل تناقص به المرض أم لا، ثم يرتب له ما ينبغي، ويكتب له نسخة يسلمها لأهله.. وهكذا إلى أن يبرأ المريض أو يموت فإن برئ من مرضه أخذ الطبيب أجرته وكرامته وإن مات حضر أولياؤه عند الحكيم المشهور وعرضوا إليه النسخ التي كتبها لهم الطبيب، فإن رآها على مقتضى الحكمة وصناعة الطب من غير تفريط ولا تقصير من الطبيب قال هذا قضى بفروغ أجله وإن رأى الأمر بخلاف ذلك قال لهم خذوا دينكم من الطبيب فإنه هو الذي قتله. انظر محمد بن محمد بن أحمد القرشي- معالم القربة في أحكام الحسبة من ١٦٥- ١٧٦.
[3]من أعظم الكتب قيمة في موضوع الحسبة أو وظائف الدولة، تفصيلًا وتحليلًا ومثارًا للدهشة على ما ورد فيه من إحاطة ودراية نظرية وعملية كتاب محمد بن محمد بن أحمد القرشي- معالم القربة في أحكام الحسبة- الذي نقله وصححه وترجمه ونشره بالعربية والإنجليزية روبن ليوى الأستاذ بجامعة كمبردج عام ۱۹۳۸. والكتاب يقع في ٧٠ بابًا، الباب الأول في شرائط الحسبة ووظيفة المحتسب، ثم ترد الأبواب الأخرى نذكر منها: باب في معرفة القناطير والأرطال والمثاقيل، وباب في الحسبة على الطحانين، والفرانين، والخبازين والطباخين، وباب في الحسبة على الخياطين والرفائين، وآخر على الحمامات. وباب على الأطباء والكحالين والجراحيين وباب على مؤدبي الصبيان، وباب في الحسبة على الصيارف وباب بالنسبة لأصحاب السفن والمراكب، وباب الحسبة على معاصر الزيوت. وباب الحسبة على النجارين والبنائين.. إلخ. ومن الكتب الشهيرة القديمة كتاب على محمد الماوردي «الأحكام السلطانية»، وللإمام أبي حامد الغزالي فصل الحسبة في إحياء علوم الدين، وابن تيمية كتاب «الحسبة أو وظيفة الدولة في الإسلام». وابن القيم: الطرق الحكمية. ومن المراجع الحديثة: الدكتور إسحق موسى الحسيني: الحسبة، والشيخ علي الخفيف: محاضرة عن الحسبة، نشرت في كتاب أسبوع الفقه الإسلامي المنعقد في دمشق عام ١٩٦١. والدكتور محمد فاروق النبهان- التشريع الجماعي في الإسلام دار الفكر بيروت ۱۹۷۰. والأستاذ محمد المبارك «نظام الإسلام الاقتصادي- مبادئ وقواعد عامة- دار الفكر- بيروت ۱۹۷۲».
[4] استند عدم مجيزي التسعير إلى واقعة غلت فيها الأسعار على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا يا رسول الله سعر لنا فقال عليه الصلاة والسلام: «إن الله تعالى هو القابض والباسط والرازق والمسعر وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال». رواه أبو داود والترمذي. ويمكن أن يكون هناك عدة أسباب لرفض الرسول عليه الصلاة والسلام التسعير. أولًا: لترسيخ حرية السوق وترسيخ مبدأ المبادرة الفردية في الاقتصاد الإسلامي حتى لا يكون الاعتداء على حرية السوق كبش الفداء الذي تسارع إلى ذبحه الحكومة عند إفلاس سياستها المرتجلة- ثانيًا: ربما كان هناك شبهة في أن ارتفاع الأسعار ناجم عن ارتفاع تكاليف السلعة أو ندرتها الطبيعية. أما إذا كانت الحاجة حقيقية إلى التسعير فانه يعتبر بمثابة دفع الضرر الأعلى بالضرر الأدنى خصوصًا عندما يضعف الوازع الديني. فالتوسع في التشريع والتقنين دالة معاكسة للالتزام الديني والأخلاقي. وقد ذهب إلى هذا الإمام ابن تيمية وقدم تحليلًا علميًّا مدهشًا إذ يقول: فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم وقد ارتفع السعر إما لقلة الشيء أو لكثرة الخلق فهذا إلى الله، فإلزام الخلق أن يبيعوا بقيمة بعينها إكراه بغير حق. وأما الثاني فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل، ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل فيجب أن يلتزموا بما ألزمهم الله به= ويمكن صياغة ما تقدم بلغة اقتصادية، فالحالة الأولى التي أوردها ابن تيمية: ارتفاع السعر نتيجة لنقص العرض تلقائيًّا، أو لزيادة الطلب على جدول عرض ثابت بسبب زيادة السكان. والارتفاع في السعر هنا أمر طبيعي ولا مجال للتدخل أما الحالة الثانية فهي تحكم البائع في العرض بصورة قسرية خصوصًا إذا كانت السلعة ضرورية ومرونة الطلب قليلة، مما يؤدي إلى ارتفاع كبير في السعر. وفي مثل هذه الحالة يجب التدخل والتسعير.
انظر شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس بن تيمية: الحسبة في الإسلام أو وظيفة الدولة الإسلامية- المكتبة العلمية- المدينة المنورة ب. ت ص ١٦- ١٩.
[5] - يقول القرشي في كتابه معالم القربة: «وإذا رأى المحتسب أحدًا قد احتكر من سائر الأقوات وهو أن يشتري ذلك في وقت الغلاء ويتربص ليزداد في ثمنه إلزمه بيعه إجبارًا لأن الاحتكار حرام والمحتكر ملعون. وقد استند القرشي في ذلك إلى حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يحرم فيه الاحتكار. والملاحظ هنا أن الاحتكار يتعلق بالبيع والممارسة ويقاس على هذا التحكم المباشر للمنتج «انظر القرشي المرجع السابق ص ٦٦٢». وجدير بالذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن احتكار الشراء أيضًا. ويقول القرشي «ولا يجوز تلقي الركبان وهو أن تقدم قافلة فيلتقيهم إنسان خارج البلد فيخبرهم بكساد متاعهم ليبتاع منهم رخيصًا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تلقي الركبان ونهى عن بيع السلع حتى تهبط إلى الأسواق، فمن فعل ذلك فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق». «انظر المرجع السابق ص ٢٧». وبلغة اقتصادية يرى الرسول عليه الصلاة والسلام أن يكون السعر معلومًا لدى البائع فلا يلحق به غبن وأن تتوافر المعلومات الكاملة لدى البائع= =والمشتري. أي أن ينتفي احتكار الشراء بسبب الجهل بأحوال السوق. وهذه الحالة يطلق عليها الاقتصاديون شرط المعرفة الكاملة بأحوال السوق.
[6] يرى ابن تيمية أن واجبات الدولة الإسلامية- الحاكم- تأمين كافة الأعمال- الصناعات والنشاطات الأخرى- التي تسد حاجة المجتمع وأن على الدولة إجبار الناس على الأعمال التي تحتاجها الأمة إذا امتنعوا طواعية عن ذلك شريطة أن تدفع لهم أجر المثل.
[7] رواه البخاري وأحمد.
[8] رواه ابن ماجه عن عمر. و انظر: محمد فهر شفقة، أحكام العمل وحقوق العمال في الإسلام- دار الإرشاد بيروت ١٩٦٧ ص ۷٢- ١٩٦٧ ص- ۱۸-. أنظر كذلك لبيب السعيد- دراسة إسلامية في العمل والعمال- الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر- القاهرة- ۱۹۷۰.
[9] يقول ابن تيمية «والمقصود هنا أن ولي الأمر إن أجبر أهل الصناعات على ما يحتاج إليه الناس من صناعاتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه يقدر أجره المثل فلا يمكن المستعمل من نقص أجره الضائع عن ذلك من المطالبة بأكثر من ذلك حيث تعين عليه العمل وهذا من التسعير الواجب». «انظر كتاب الحسبة في الإسلام ص ۲۷»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل