; الوقف والصيغ المعاصرة للعمل الأهلي | مجلة المجتمع

العنوان الوقف والصيغ المعاصرة للعمل الأهلي

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر الثلاثاء 01-ديسمبر-1998

مشاهدات 66

نشر في العدد 1328

نشر في الصفحة 45

الثلاثاء 01-ديسمبر-1998

  • قامت الجمعيات الخيرية في العصر الحديث بتجديد أسلوب استثمار أموال الأوقاف وتوظيف عوائدها لخدمة أغراض متنوعة وربطها بقضايا حقيقية واجهت المجتمعات.

  • في البلاد العربية والإسلامية رصيد هائل من الوقفيات ولكن الحالة الراهنة تتطلب حركة إصلاح جادة في الجوانب القانونية والإدارية والمؤسسية لنظام الوقف.

في تراث العمل الأهلي، والنشاط التطوعي والعطاء الخيري الذي عرفته مختلف الحضارات الإنسانية بصور مختلفة، يبرز «نظام الوقف» كإسهام أصيل ومتميز للحضارة العربية الإسلامية في هذا المجال، وبنظرة عامة في السجل التاريخي لنظام «الوقف» نجد أنه من حيث فكرته المعنوية المجردة «وهي فكرة الصدقة الجارية» ومن حيث أصوله المادية «من الأراضي والعقارات الثابتة والمنقولة» كان - ولا يزال - قاعدة صلبة من قواعد بناء مؤسسات المجتمع الأهلي أو «المدني» ومصدرًا من مصادر دعم مرافق الخدمات العامة، ودفع عجلة التنمية والتطور الحضاري إلى الأمام.

عرفت مجتمعاتنا العربية والإسلامية نظام الوقف منذ الصدر الأول للإسلام، وأصبح - بمرور الزمن - نظامًا متكامل الأركان من النواحي الإدارية والتنظيمية والوظيفية والتشريعية، وبالرغم من كثرة التطورات التي مر بها وعمق التحولات الاجتماعية التي طرأت عليه وبخاصة في ظل «الدولة الحديثة» - منذ بدايات القرن التاسع عشر على الأقل، إلا أنه - أي الوقف - ظل أمرًا متعلقًا بالإرادة الحرة لمؤسسيه من عامة الناس وخاصتهم، مع تمتعه بدرجة كبيرة من الاستقلالية والفاعلية النسبية في معظم البلدان العربية والإسلامية، وبخاصة في الفترة الواقعة بين النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين. 

ثم بدأ هذا النظام يضعف، وتضمر مؤسساته ويفقد الكثير من وظائفه، وتنحسر فاعليته وتدهورت أركانه بشكل واضح منذ منتصف القرن العشرين تقريبًا، ولا يمكننا أن نعزو ما حدث إلى سبب واحد، بل هناك أسباب كثيرة، بعضها تاريخي من مواريث فترات الذبول الحضاري الذي أصاب المجتمعات الإسلامية، وبعضها الآخر سياسي - قانوني، جاء نتيجة لتغير نمط العلاقة بين المجتمع والدولة، وتعدد سلطان هذه الدولة بأجهزتها البيروقراطية المتشعبة إلى مختلف جنبات الحياة الاجتماعية، بما في ذلك جانب الوقف ومؤسساته، فضلًا عن تدخل سلطة الدولة الحديثة بتقنين «أحكام الوقف» وإعادة صياغة إطاره التشريعي عبر سلسلة من القوانين واللوائح التي أفضت في نهاية المطاف إلى إدماج «نظام الوقف» بمؤسساته وأنشطته في الجهاز البيروقراطي الحكومي.

وفي الوقت الذي تدهور فيه نظام الوقف على النحو المشار إليه، شهدت المجتمعات الصناعية الأوروبية والأمريكية نموًا مطردًا في الأعمال الخيرية والأنشطة التطوعية، أو ما يطلق عليه «مؤسسات المجتمع المدني» أو «القطاع غير الربحي» وبخاصة خلال هذا القرن العشرين الذي يعتبره البعض قرن الابتكارات الاجتماعية الكبيرة، وفي مقدمة تلك الابتكارات - وبالأدق الاكتشافات - اكتشاف «المجتمع الأهلي» بمنظماته ومؤسساته التي انتشرت في معظم أنحاء العالم وغطت معظم الخدمات والمرافق والمجالات الاجتماعية والثقافية والصحية والترفيهية والتعليمية وشؤون البيئة وحقوق الإنسان... إلخ. 

ومنذ ما يقرب من عقدين هناك «موجة طويلة» من الاهتمام بهذا القطاع «الأهلي» أو «المدني» على المستوى العلمي الأكاديمي، وعلى المستوى العملي التطبيقي، وهذه الموجة لاتزال في صعود واتساع على المستويات العالمية والإقليمية والمحلية، وهي مرشحة للاستمرار والبقاء في ظل التحولات الاقتصادية والسياسية وإعادة هيكلة العلاقة بين المجتمع والدولة، وتخلي الدولة عن القيام بتقديم أو دعم كثير من الخدمات العامة التي كانت تقوم بها في مراحل سابقة، وينطبق هذا التحليل - بدرجات متفاوتة - على المجتمعات المتقدمة في أوروبا وأمريكا واليابان كما ينطبق بنسب متفاوتة كذلك على المجتمعات الأخذة في التقدم ومنها مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

وفي ضوء ما تقدم تتضح أهمية «نظام الوقف» في النهوض بالعمل الأهلي، وبخاصة أنه يوفر له قاعدة مادية ومعنوية صلبة، مع الاعتراف بضرورة إدخال عديد من الإصلاحات والتجديدات على النظام التقليدي للوقف، حتى يمكنه الاستجابة لمستجدات العصر ومتطلباته، ويهمنا هنا أن نعرض لأهم الصيغ التنظيمية والمؤسسية المعاصرة للعمل الأهلي للتعرف عليها ولبيان صلتها بنظام الوقف الإسلامي، ومدى إمكان الإفادة منها في النهوض به وحدود هذه الإفادة. 

لقد تطورت الأعمال التطوعية والأنشطة الأهلية أو غير الهادفة للربح في المجتمعات الغربية على أساس عدد من الصيغ التنظيمية المؤسسية - كما قلنا - وأهمها الصيغ الثلاث التالية: 

أولًا: صيغة المؤسسة الخيرية Foundation، وهي في معنى الوقف الخيري تقريبًا، إذ تقوم على أساس حبس أموال معينة من العقارات الثابتة أو المنقولة، للإنفاق من ريعها على أغراض خيرية ومنافع عامة كإنشاء دور للعبادة، ومعاهد للتعليم، أو ملاجئ للأيتام والمشردين، أو دور للمسنين، ومستشفيات وعيادات طبية، وقد يكون الغرض من «المؤسسة الخيرية» هو الاتفاق على بعض ما يكون موجودًا من تلك الهيئات المذكورة وتقديم الدعم لها. 

وللمؤسسة الخيرية - بالمعنى السابق - شخصية معنوية مستقلة، ونظام إداري تحدده لوائح خاصة، ولها نظام محاسبي وتخضع في الوقت نفسه للرقابة سواء من مجلس إداراتها، أو من هيئات أخرى يحددها القانون.

والمؤسسة الخيرية المعاصرة تشبه في ذلك كله «المؤسسة الوقفية» الإسلامية في بعض جوانبها ولكنهما لا يتطابقان إذ تظل بينهما فوارق مهمة منها - ولعل أهمها - أن الشخصية المعنوية أو الاعتبارية للمؤسسة الوقفية تثبت لها بمجرد إرادة الواقف ولا تحتاج إلى إذن من السلطة الإدارية في الدولة، فقط للقضاء وحده - بحكم اختصاصه الولائي على الأوقاف بصفة عامة - سلطة التأكد من صحة الوقف وشرعية أهداف المؤسسة الخيرية على عكس الحال في معظم القوانين المدنية الحديثة التي تعلق الاعتراف بالشخصية الاعتبارية للمؤسسة الخيرية على صدور إذن من السلطة الحكومية المختصة، أو إخطارها.

وبالرغم من احتفاظ المؤسسة الخيرية المعاصرة في المجتمعات الأوروبية والأمريكية بالكثير من تقاليد المؤسسات الدينية الخيرية التي يرجع تاريخها إلى العصرين الروماني والبيزنطي، وكانت تعرف باسم Piae-Causae، إلا أن النظام الحديث لتلك المؤسسة الخيرية قد تأثر بفلسفة الوقف الخيري الإسلامي، فلم تعد مقتصرة فقط على المؤسسات الدينية الكنسية، وإنما اتسع نشاطها وتعددت وظائفها، وشملت مجالات متعددة تشبه - في كثير من الحالات - المجالات التي اهتم بها الوقف الخيري الإسلامي، أما على مستوى التطور الإداري والمحاسبي والوظيفي للمؤسسة الخيرية المعاصرة وكفاءتها في أداء مهماتها فنحن في حاجة ماسة إلى الاستفادة من هذا التطور للنهوض بمؤسسات الوقف الخيري، وتمكينها من تحقيق أهدافها بكفاءة وفاعلية. 

ثانيًا: صيغة الاستئمان The Trust وتعني هذه الصيغة أن يضع الشخص ماله - عقارًا أو منقولًا - أو جزءًا منه في حيازة شخص آخر يسمى «الأمين» وقد يضع المال في حيازة أكثر من شخص يتكون منهم «مجلس أمناء» يقوم بتوظيف هذا المال واستثماره لمصلحة - أشخاص آخرين يحددهم المستأمن من أولاده وذريته وبخاصة القصر وعديمو الأهلية والأرامل - ويمكن أن يكونوا من أقاربه وأصدقائه وليس فقط من أولاده ويسمى هذا بالاستئمان الأهلي، أما إذا أوصى بالصرف على مصلحة عامة فيسمى بـ «الاستئمان الخيري». 

وبغض النظر عن الخلفيات التاريخية لنظام الاستئمان في التراث القديم للحضارة الأوروبية - حيث كان يعرف إبان العصر البيزنطي باسم -Fidi - Commissum فإن هذا النظام قد تطور إداريًا واقتصاديًا، وأصبحت هناك مصارف وشركات متخصصة تقوم بدور «مجلس الأمناء» وتستثمر أموال «الترست» وتدير مشروعاتها لمصلحة الأشخاص المستحقين، أو الجهات التي يعينها المستأمن، وفي رأينا أنه يمكن الاستفادة من الصيغة المعاصرة للاستئمان «الأهلي والخيري» في تطور الوقف الأهلي - كما كان يسمى في مصر أو الذري كما يسمى في بلاد الشام، أو المعقب كما يسمى في بلاد المغرب العربي - وبخاصة أن الممارسات الاجتماعية التاريخية لهذا النوع من الوقف الأهلي قد أسفرت عن سلبيات كثيرة ومنازعات عائلية مستمرة حول النظارة على الوقف ومقادير الاستحقاق في الربع الناتج عنه، والحرمان من هذا الاستحقاق ومشاكل أخرى كثيرة حفلت بها سجلات محاكم القضاء الشرعي والمدني على السواء. 

ولعل أهم ما يمكن استفادته به من الصيغة المعاصرة للاستئمان هو نظام «مجلس الأمناء»، وطريقة استثمار أموال الوقف «الترست» من خلال مؤسسات مالية ومصرفية متخصصة، وذلك بدلًا من نظام «النظارة» أو الإدارة العائلية لتلك الأموال والتي غالبًا ما تسببت في خلق المنازعات وغرس الاحقاد في صفوف أبناء العائلة الواحدة، إلى الحد الذي دفع بعض السلطات للإقدام على إلغاء نظام الوقف الأهلي برمته على نحو ما حدث في مصر غداة قيام ثورة يوليو سنة ١٩٥٢م، وتبعها في ذلك معظم البلدان العربية.

ثالثًا: صيغة الجمعية Association وهي التي يقوم بتكوينها عدد من الأشخاص «بحد أدنى يحدده القانون، كما يحدد القانون المواصفات  والشروط الواجب توافرها في أولئك الأشخاص المؤسسين»، ويكون الدافع لتأسيس الجمعية حب الخير والسعي لتقديم بعض الخدمات لأهل منطقة معينة، أو لأبناء فئة اجتماعية، أو لأعضاء مهنة من المهن أو لمجرد تقديم النفع العام لكافة أبناء المجتمع، وتختلف صيغة الجمعية عن المؤسسة الخيرية، في أنها تعتمد في تمويل نشاطها على اشتراكات الأعضاء وعلى أموال الهبات والتبرعات والأوقاف التي يرصدها أهل الخير عليها، إضافة إلى المساعدات الحكومية التي تقدم لدعم نشاط الجمعيات الخيرية أو ذات النفع العام. 

وعلى العكس من صيغتي «المؤسسة الخيرية» و «الاستئمان» فإن صيغة «الجمعية» تعتبر حديثة فهي من المبتكرات الاجتماعية للقرن التاسع عشر في أوروبا الغربية والولايات المتحدة بصفة خاصة وعندما انتقلت هذه الصيغة إلى المجتمعات العربية والإسلامية خلال القرن الماضي فإنها لقيت قبولًا وترحيبًا، وظهرت محاولات جادة وتجارب ناجحة لربطها بنظام الوقف الخيري الإسلامي على نحو ما حدث في مصر - على سبيل المثال - في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، عندما نشأت كل من »الجمعية الخيرية الإسلامية»، و«جمعية المساعي المشكورة»، و«جمعية العروة الوثقى»، و«جمعية التوفيق القبطية»، وذلك في سنة ۱۸۹۲، وقد اعتمدت جميعها - بما فيها الجمعية القبطية - على الأوقاف وأموال التبرعات والهبات والوصايا، وتمثلت جوانب التجديد في تلك الجمعيات في أسلوب استثمار أموال الأوقاف وطريقة إدارتها اقتصاديًا، وفي توظيف عوائدها لخدمة أغراض متنوعة وربطها بقضايا حقيقية واجهت المجتمعات وبخاصة في مجالات التعليم الحديث والرعاية الصحية، ومؤسسات الثقافة العامة، بل إنها انطلقت أيضًا إلى مجالات وطنية سياسية واندمجت في تيار الحركة الوطنية للتحرر من الاستعمار والغزو الأجنبي. 

وبالرغم من جدية محاولة الاستفادة من صيغة الجمعية كإطار مؤسسي معاصر في مجال العمل الأهلي من خلال ربط هذه الصيغة بنظام الوقف وبالرغم من امتداد هذه التجربة الرائدة التي عرفها المجتمع المصري إلى مجتمعات عربية أخرى - ومنها المجتمع الكويتي الذي نشأت فيه الجمعية الخيرية العربية في سنة ١٩١٣م - بالرغم من ذلك كله، إلا أن هذه التجربة لم تستمر في التطور، وسرعان ما توقفت لأسباب كثيرة كان من أهمها نقل تبعية الجمعيات الخيرية إلى وزارة الشؤون الاجتماعية أو إلى وزارة الداخلية - في بعض الأحيان - فضلًا عن الإجراءات السلبية التي تعرض لها نظام الوقف بصفة عامة حول منتصف هذا القرن العشرين ليس في مصر وحدها وإنما في معظم البلدان العربية والإسلامية. 

وفي مجال المقارنة بين نظام الوقف من ناحية وبين الصيغ المعاصرة للعمل الأهلي من ناحية اخرى نجد أن هذه الصيغة تحظى جميعها بالشخصية الاعتبارية طبقًا للتشريعات المدنية الحديثة في معظم دول العالم، ومع وجود بعض الاختلافات في الإجراءات اللازمة للحصول على اعتراف رسمي بهذه الشخصية من قانون لآخر، إلا أن معظم القوانين تشترط ضرورة الحصول على إذن السلطة الإدارية المختصة أو على الأقل إخطارها بالأمر كما سبق أن ذكرنا، وقد كان الوقف الإسلامي - ومؤسساته المرتبطة به - يمتاز عن تلك الصيغ المعاصرة من حيث تمتعه بالشخصية الاعتبارية دون حاجة إلى إذن السلطة الإدارية ولا حتى إخطارها. 

وتمتاز الصيغ المعاصرة للعمل الأهلي بمزية أساسية وهي تمتعها بكثير من الإعفاءات الضريبية والجمركية، وذلك في إطار سياسة عامة لتشجيع المبادرات الأهلية والخاصة للمشاركة في دعم مؤسسات المجتمع المدني على اختلاف أنواعها، إذ تنص التشريعات - وبخاصة في أوروبا الغربية وفي الولايات المتحدة - على إعفاء قيمة التبرع من الضريبة وخصم تلك القيمة من الوعاء الضريبي للمتبرع  فضلًا عن منحه بعض التخفيضات الضريبية على بقية إيراداته، هذا في حين أن نظام الوقف الإسلامي لم يكن معفيًا من أداء الضرائب الأميرية بأنواعها المتعددة في أي وقت من الأوقات قديمًا وحديثًا وحتى الآن، اللهم إلا في حالات استثنائية قليلة، وسواء كان الوقف على جهة بر عامة أو جهة نفع خاصة، فإن ذلك لم يكن يعني التمتع بأي إعفاءات أو حتى تخفيضات ضريبية لا بالنسبة للواقف «فيما يكون قد بقي لديه من أموال تخضع للضرائب»، ولا بالنسبة للأعيان الموقوفة نفسها، أو المؤسسات الموقوف عليها، وكان ولايزال - من المفروض دفع الضرائب العقارية على أموال الأوقاف شأنها شأن الأموال الخاصة. 

إن لدينا - في البلاد العربية والإسلامية - رصيد هائل من الأموال والعقارات الموقوفة على أغراض خيرية ومنافع عامة، ولكن الحالة الراهنة لهذا الرصيد - في الأغلب - تتطلب القيام بحركة إصلاح جادة في الجوانب التشريعية القانونية لنظام الوقف، وفي نظمه الإدارية والمؤسسية، وكذلك في السياسة العامة لتوظيف عوائد تلك الأوقاف وبخاصة التي تديرها وزارات الأوقاف والتشجيع على المبادرة بإنشاء وقفيات جديدة وربطها بالصيغ المعاصرة للعمل الأهلي ومؤسسات المجتمع المدني، وفي هذا السياق فإن التجربة الكويتية للنهوض بنظام الوقف تستحق كل إعجاب وتقدير باعتبارها نموذجًا رائدًا على المستويين العربي والإسلامي.

 

الرابط المختصر :