العنوان الاقتصاد العربي بين ضغط الديون وتهريب الأموال
الكاتب عبدالكريم حمودى
تاريخ النشر الثلاثاء 26-يونيو-1990
مشاهدات 73
نشر في العدد 972
نشر في الصفحة 43
الثلاثاء 26-يونيو-1990
التكتلات الاقتصادية الجديدة سياسات احتكارية استعمارية تزيد من مشاكل الدول العربية المدينة
سيواجه الاقتصاد العربي المزيد من التحديات والأخطار خلال هذا العقد، ليس بالنسبة للدول العربية المدينة فحسب، بل بالنسبة للدول النفطية الغنية التي تمتلك رؤوس أموال كبيرة تستثمرها في أسواق المال العالمية، نتيجة بروز التكتلات الاقتصادية الدولية الكبيرة، مثل منطقة التجارة الحرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكندا، وكذلك احتمال تزعم اليابان كتلة اقتصادية كبيرة من دول جنوب شرق آسيا، واحتفاظ دول المعسكر الاشتراكي المنهار بمنظمة الكوميكون الاقتصادية، إلا أن التكتل الاقتصادي الكبير والذي سيتم تحقيقه بحلول نهاية عام 1992، حيث سيعلن عن أهم حدث اقتصادي في القرن العشرين، ألا وهو قيام السوق الأوروبية الموحدة.
السوق الأوروبية الموحدة
ففي صباح عيد رأس السنة (1993) ستزال كافة الحواجز والقيود، وتفتح جميع المعابر والطرق ونقاط الحدود، أمام حركة انتقال البضائع والخدمات ورؤوس الأموال والأشخاص، وسوف تختفي مراكز الجمارك ونقاط التفتيش أمام مواطني الدول الأوروبية الاثنتي عشرة لتتحول السوق الأوروبية المشتركة إلى سوق أوروبية موحدة، يبلغ عدد المستهلكين فيها حوالي 320 مليون مستهلك وتتحول بذلك إلى ثاني قوة اقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية، إذ يبلغ الناتج الإجمالي لها حوالي 4234 مليار دولار مقابل 4465 مليار دولار للولايات المتحدة الأمريكية وفقًا لإحصائيات عام 1987.
أثر تلك التكتلات على الاقتصاد العربي
ومن المتوقع أن تفرز هذه التكتلات والتجمعات الاقتصادية العالمية سياسات احتكارية استعمارية ستزيد من مشاكل الدول العربية المدينة بزيادة ديونها وفرض شروط إضافية على عمليات الإقراض، وسداد الدين مما سيكون له الأثر السلبي، ويزيد بالتالي من نسبة التضخم. إلا أن الخطر الكبير الذي يهدد الاقتصاد العربي هو التكتل الاقتصادي لدول السوق الأوروبية المشتركة، نتيجة وجود رؤوس الأموال الكبيرة لديها في مؤسسات وبنوك عربية استثمارية في دول المجموعة الأوروبية حيث تعتبر الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون الخليجي الغنية نظرًا لوجود مئات المليارات من الدولارات الموظفة في دول السوق على شكل استثمارات مالية ومشاريع تجارية وأوراق نقدية، لذلك فإن الخطر القادم هو تقليل فرص الاستثمار أمام رؤوس الأموال العربية، ومحاصرتها والتضييق على حركتها، حيث ستجد نفسها أمام وحدات مصرفية أكثر ضخامة، وأكبر موارد أو ذات قدرة تنافسية كبيرة، مما سيؤثر مباشرة على المصارف العاملة في دول المجموعة إذا لم تتجه نحو التعاون فيما بينها سعيًا إلى الاندماج.
كما أن الخطر الذي يتهددها هو احتمال توصل التكتلات الاقتصادية الدولية الكبرى إلى اتفاقيات فيما بينها ستكون في نهايتها على حساب الدول العربية الغنية والفقيرة في آن واحد.
وللتعرف على حجم الأخطار والتهديدات التي يتعرض لها الاقتصاد العربي في هذا العقد وبداية القرن القادم، سوف نستعرض حجم الديون العربية للمؤسسات المالية الغربية وخاصة صندوق النقد الدولي، كما سوف نتعرف على حجم الأموال العربية المستثمرة في الخارج، إضافة إلى رؤوس الأموال الخاصة -المهربة- إلى مختلف دول العالم، حيث من المتوقع أن يكون هذا العقد والقرن القادم ساحة للتنافس الاقتصادي والصراع الوطني بين التكتلات الاقتصادية الجديدة من أجل التوسع والاستحواذ على الأسواق الاقتصادية لتحقيق المزيد من السيطرة والربح.
الديون العربية:
من المعروف أن الوطن العربي غني بثرواته زاخر بخيراته، لا يفتقر إلى الموارد الرأسمالية، ولا إلى الموارد الطبيعية، من أجل دفع عجلة التقدم والنمو الاقتصادي إلى مستوى لائق، ولكن سوء الاستغلال، وعدم التنسيق والسياسات الخاطئة، وغياب الاستراتيجيات طويلة الأجل وتهريب الأموال، واضطراب الوضع السياسي الذي انعكس على الوضع الاقتصادي، أدى كل ذلك إلى وقوع عدد من الدول العربية تحت وطأة المديونية الكبيرة، وتشير التقارير الاقتصادية أن ديون العالم العربي قد تجاوزت ما قيمته (200) مليار دولار وإذا ما أضيفت إليها الديون العسكرية فإن الرقم سيرتفع ليبلغ (260) مليار دولار، موزعة على الدول العربية التالية: مصر 50 مليار دولار، الجزائر 25 مليار دولار، المغرب 21 مليار دولار، العراق 65 مليار دولار، سوريا 5 مليارات دولار -عدا الديون العسكرية-، السودان 10 مليارات دولار، تونس 8 مليارات دولار، الأردن 8 مليارات دولار.
ومن الملاحظ أن ارتفاع معدلات الديون العربية الخارجية ازداد بشكل مضطرد خلال العقد الماضي، فكانت حصيلة الديون في عام 1982 هي 68 مليار دولار، وفي عام 1987 ازدادت إلى 122 مليار دولار، وفي عام 1988 وصلت إلى 140 مليار دولار، وفي عام 1989 أصبحت بحدود 200 مليار دولار وهكذا.
ويرجع السبب في تزايد الديون إلى انخفاض العائدات النفطية، مما أدى إلى تخفيض قيمة المساعدات العربية للدول المدينة، وكذلك انخفضت تحويلات العاملين في الدول النفطية، ويضاف إلى ذلك أنه وفي الوقت الذي كانت الحكومات العربية تزيد من اعتمادها على القروض لتسديد الديون وخدماتها، كانت رؤوس الأموال الخاصة تشق طريقها إلى أسواق المال العالمية بوتيرة متسارعة، مما أدى ذلك إلى حرمان هذه الدول من مصادر التمويل البديلة «وتمثل هذه الديون حوالي 50% من الناتج المحلي العربي، و174% من مجمل صادرات السلع والخدمات للعالم العربي، كما أن خدمة هذه الديون تبلغ حوالي 20% من مجمل صادرات السلع والخدمات».
الأموال العربية في الخارج:
مع نهاية عقد السبعينات، وبداية عقد الثمانينات، أي في عهد الفورة النفطية، حققت الدول العربية النفطية مداخيل كبيرة من العملات الأجنبية، نتيجة الارتفاع الحاد في سعر النفط إذ وصل سعر البرميل الواحد منه حوالي 30 دولارًا، فعمدت الدول الغربية وشركات الأموال فيها إلى استدراج رؤوس الأموال العربية الهائلة تحت إغراءات الاستثمارات المربحة وأسعار الفائدة المرتفعة، مما دفع بقدر كبير من هذه الأموال إلى المراكز المالية العالمية، ولا سيما في لندن وباريس وبون ونيويورك، وغيرها من العواصم الغربية الغنية، التي استطاعت أن تستنزف هذه الأموال بفضل خبرتها الطويلة في هذا المجال، وشبكاتها الواسعة، مما حرم الدول العربية وخاصة الفقيرة منها من فرص الاستثمار فيها.
كما أدى هذا الوضع إلى إنشاء مؤسسات مالية عربية كبيرة بلغ عددها في دول السوق الأوروبية المشتركة نحو (190) مؤسسة مصرفية عربية، وتركز معظمها في لندن التي تضم نحو (80) مصرفًا، في حين بلغ عدد المصارف في باريس (35) مصرفًا، وفي نيويورك (25) مصرفًا، وتقدر قيمة الأموال التي يدينها العالم العربي للنظام المصرفي العالمي بـ (470) مليار دولار، حيث تتجاوز الموجودات العربية في الخارج (670) مليار دولار وتقسم الأموال العربية في الخارج إلى قسمين:
القسم الأول:
رؤوس أموال خاصة «مهربة»، وهذه الأموال لا تحقق عوائد استثمارية للدول التي هربت منها، وأغلب مصادرها هي الدول العربية المدينة، التي تفرض قيودًا على تحويلات العملات الأجنبية فيها، ويقدر مصرف «جي. بي. مورغان» الأمريكي حجم رؤوس الأموال الهاربة من الدول العربية المدينة بين عام 1977، وعام 1987 في حدود (40) مليار دولار وتشكل حوالي ثلث جملة الديون الخارجية للدول العربية المدينة خلال نفس الفترة.
وقد تم تهريب هذه الأموال عن طريق شراء العملات الأجنبية من أسواق الصرف غير الرسمية، وبأسعار مرتفعة عن السعر الرسمي، أو عبر أساليب أخرى تضمن تجنب القيود المفروضة في هذه الدول على العملات الأجنبية، مثل رفع القيمة في فواتير الواردات، وخفض القيمة في فواتير الصادرات، وبالتالي الاستفادة من الفرق بين قيمة الفاتورة وقيمة التحويل.
القسم الثاني:
رؤوس أموال مستثمرة في أسواق المال العالمية، والتي يعود جزء من أرباحها إلى دولها، والتي لا تفرض قيودًا على تحويلات العملات الأجنبية منها.
وطبقًا لإحصائيات بنك إنجلترا فإن صافي الموجودات لدول مجلس التعاون الخليجي بين عام 1973 - 1988، بلغ ما يقارب (341.6) مليار دولار، حيث تحتفظ دول مجلس التعاون الخليجي بحوالي 65% من هذه الموجودات في قنوات استثمارية سائلة مثل الودائع المصرفية والأرصدة الذهبية والأجنبية لدى صندوق النقد الدولي والأوراق التجارية الحكومية والاستثمارات قصيرة الأجل، أما الباقي فجرى توظيفه في استثمارات طويلة الأجل.
أما في الولايات المتحدة الأمريكية فتبلغ قيمة الاستثمارات العربية الخاصة حوالي (100) مليار دولار وتتوزع في المشاريع التجارية المختلفة إضافة إلى الاستثمارات الحكومية.
أسباب هروب رؤوس الأموال العربية إلى الخارج
من المعروف أن ضيق مجال الاستثمار في الدول العربية النفطية نتيجة تكدس رؤوس الأموال فيها بشكل كبير دفع بهذه الأموال إلى البحث عن أسواق بديلة للاستثمار، ولما كانت أسواق الدول العربية غير النفطية ليست مستقرة من الناحية الاقتصادية، وتعاني من أزمات حادة، فقد شقت رؤوس الأموال فيها طريقها إلى الدول الغربية بحثًا عن الاستقرار والربح الوفير مدفوعة بأسباب كثيرة منها:
- السياسات
الاقتصادية التي اتبعت في أكثر الدول العربية المدينة، مثل تأميم الشركات
الكبيرة ومصادرة رؤوس الأموال والعقارات دون دفع أي تعويضات، دفع بأصحابها
إلى البحث عن أسواق للاستثمار أكثر أمنًا واستقرارًا.
- تراجع النمو
الاقتصادي للدول العربية المدينة، مما أدى إلى التراجع المستمر في أسعار صرف
العملات المحلية فسبب لأصحاب رؤوس الأموال خسائر مستمرة.
- القيود الصعبة
المفروضة على القطاع المالي، وعلى تنقل رؤوس الأموال وتحويلات العملات الصعبة
إضافة إلى الضرائب الكبيرة المفروضة على هذه الأموال.
- العجز المالي
للدول العربية المدينة، والذي يتم تغطيته عن طريق زيادة الكتلة النقدية في
الميزانية مما يسبب التضخم ويؤدي بالتالي إلى تآكل القيمة للعملة المحلية،
بانخفاض قيمتها، الأمر الذي دفع بأصحاب رؤوس الأموال إلى شراء العملات
الأجنبية والاحتفاظ بها للتقليل من خسائرهم.
- جاذبية
الاستثمار في أسواق المال الخارجية وإغراءات أسعار الفائدة المرتفعة والخدمات
المقدمة والتسهيلات الممنوحة لأصحاب رؤوس الأموال.
- غياب الضمانات
القانونية التي تحمي الملكية الخاصة، واحتمال حدوث تغيرات مفاجئة تنعكس
سلبيًّا على أصحاب رؤوس الأموال نتيجة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي
تعيشه أغلب الدول العربية.
وأمام هذا الواقع وفي ظل بروز التكتلات الاقتصادية الدولية الكبرى وتفاديًا للإجراءات التي يمكن أن تتخذها دول السوق الأوروبية الموحدة وتهدد من خلالها رؤوس الأموال العربية المستثمرة والمهربة، فلا بد من التحرك واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية هذه الأموال وتوفير الظروف السياسية والاقتصادية لتسهيل عودة جزء كبير من هذه الأموال وخاصة الخليجية واستثمارها بما ينعكس إيجابيًّا على الاقتصاد العربي، كما يجب التأكيد على ضرورة التنسيق والتعاون بين المؤسسات والبنوك العربية لمنع ابتلاعها والسيطرة عليها من قبل المؤسسات المالية العملاقة التي سوف تتشكل بعد عام 1993.
ولكي تعود الثقة إلى أصحاب رؤوس الأموال من أجل إعادتها إلى السوق العربية، واستثمارها فيها، فلا بد من تبني سياسات عربية مالية واضحة تحقق الاستقرار الاقتصادي، وتبقي أسعار صرف العملات المحلية عند مستويات واقعية، عن طريق خفض العجز في الميزانيات العامة، وإصدار تشريعات سياسية واقتصادية تحقق حرية انتقال المواطنين وحرية مزاولتهم للأنشطة الاقتصادية، وحرية انتقال رؤوس الأموال والسلع وإرساء حقوق المستثمرين بشكل واضح بما يضمن لهم أموالهم.
- السياسات
الاقتصادية التي اتبعت في أكثر الدول العربية المدينة، مثل تأميم الشركات
الكبيرة ومصادرة رؤوس الأموال والعقارات دون دفع أي تعويضات، دفع بأصحابها
إلى البحث عن أسواق للاستثمار أكثر أمنًا واستقرارًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل