; المساجد تستعيد دورها الرائد في حياة المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان المساجد تستعيد دورها الرائد في حياة المسلمين

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1984

مشاهدات 76

نشر في العدد 652

نشر في الصفحة 4

الثلاثاء 03-يناير-1984

المساجد هي بيوت الله في الأرض، وروادها هم عباده الصالحون الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ (التوبة: 18). وقد كانت المساجد في حياة المسلمين هي الخلية الحية في المجتمع المسلم، سياسيًّا وجهاديًّا واجتماعيًّا. وكان مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة هو دار الخلافة، وقاعة القضاء، ومعسكر الجيش، ومحراب الصلاة، ومجلس الشورى... إلى أن دار الزمان دورته، وابتعد السلطان عن القرآن، وبالتالي فقد بدأ المسجد ينزوي عن الحياة العامة في بلاد المسلمين، إلى أن وصل الأمر في ظل الهجمة الاستعمارية «الغربية والشرقية» بالمساجد تصبح مجرد محراب للصلاة يؤمها العجائز في أوقات الصلاة، ليجري إقفالها بعد ذلك لأنها لا تجد ما تقوم به غير ذلك.

بعد عودة الوعي إلى المسلمين، وموجة الالتزام بطريق الإسلام التي عمت كل أقطارهم، بدأت المساجد تستعيد دورها الرائد في المجتمع المسلم. لقد بات رواد المساجد هم الشباب بدل الشيوخ، والمثقفون بدل الأميين، وتحولت المساجد إلى خلايا حية تنبض بالحركة والعطاء.. ليس في ميدان التوعية والتوجيه وأعمال الخير والبر والنشاط الاجتماعي وحسب، وإنما تعدت ذلك لتكون موئل الصمود والتصدي ضد أعداء الإسلام في كل مكان.

لقد عادت حركات مواجهة الطغيان والعدوان والغزو الخارجي لتنطلق من المسجد، وعاد المسجد ليحتوي الشباب المؤمن الذي أدرك دوره في الحياة جهادًا في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله، وبرز من بين خطباء المساجد في كل أقطار العالم الإسلامي أئمة رواد حازوا ثقة جماهير المصلين ووجهوا اهتمام الناس إلى قضايا الإسلام الكبرى، سواء منها السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية، ولفتوا أنظار الناس إلى ظلامات المسلمين في كل مكان يتعرض فيه الإسلام والمسلمون للتنكيل والاضطهاد.

وأبرز ما يكون دور المسجد في الأقطار التي تعاني من احتلال أو اضطهاد للمسلمين. ولعل أسوأ ألوان الاحتلال والاضطهاد هو ما يعانيه المسلمون في ظل الاحتلال اليهودي، في فلسطين ولبنان. ولعل البغي اليهودي المتسلط أدرك أهمية المسجد في حياة المسلمين، فوجه كل اهتمامه لمواجهة أثر المسجد ورسالته في الحياة الإسلامية، وسلط عملاءه وأذنابه كي يرصدوا المساجد وأئمتها وخطباءها وروادها؛ لأن كل حركات المقاومة انطلقت من خلال التيار المتدين، الذي صاغه المسجد وأذكى فيه روح الجهاد.

وقد سجلت أحداث الأسبوع الماضي سلسلة مفاخر للمساجد الصامدة في وجه العدوان؛ إذ ارتكبت عصابات اليهود في مدينة الخليل اعتداءين إجراميين على مسجدين رئيسيين في المدينة بتفجير قنابل يستخدمها الجيش الإسرائيلي من نوع «ميلز» في كلا الاعتداءين. وقد جرح إمام أحد المسجدين وخادم المسجد الآخر نتيجة الجريمة البشعة. وفي محاولة لذر الرماد في العيون أعلنت السلطات المحتلة أن منظمة الإرهاب ضد الإرهاب اليهودية «ت. ن. ت» هي التي قامت بالاعتداءين، وأن أحد الحاخامات اليهود قد أيد الانفجارين وتوعد بأعمال أخرى مشابهة ضد أماكن العبادة في فلسطين المحتلة.

وفي مدينة صيدا بجنوب لبنان، حيث نشطت حركة المقاومة الإسلامية لقوات الاحتلال بعد استشهاد ثلاثة من المجاهدين، قامت قوات الغزو بتطويق المساجد التي اعتصم فيها المصلون من أجل أداء صلاة الغائب على أرواح الشهداء الثلاثة، الذين دفنتهم السلطات الصهيونية دون السماح بالصلاة عليهم، وعندما ارتفعت اللافتات المنددة بالاحتلال ولعلعت الهتافات ضد اليهود من مآذن المساجد ومكبرات الصوت... عمدت القوات الغازية إلى اقتحام مسجد البطاح بكلابها البوليسية وأرغمت ثلاثمائة شاب على مغادرة المسجد، ثم أقفلته في وجه المصلين. أما في مسجد الزعتري فقد حاول الجنود استثارة المعتصمين بإدخال كلبين إلى ساحة المسجد، لكن أحدًا لم يغادر المسجد، بل تتابعت الهتافات عبر مكبرات الصوت: «خيبر خيبر يا يهود... جيش محمد سوف يعود».. «شارون شو بدك منا... خذ كلابك وارحل عنا». إضافة إلى التكبير ونداءات الصمود في مواجهة المعتدين.

لقد عادت المساجد لتأخذ دورها الطبيعي في احتضان حركات التحرير والصمود في وجه العدوان.. واستطاع مفتي صيداء، الشيخ الوقور الطاعن في السن، أن يواجه الجنود المعتدين الذين اقتحموا داره وانتزعوا مسدسه واعتقلوا أحد أولاده.

ليس ذلك في الجنوب وحسب؛ بل إن كل مساجد لبنان من النبطية إلى طرابلس تحولت إلى ساحات اعتصام بعد ظهر الجمعة الماضي، تتحدى الطغيان من كل نوع، وتعاهد الله على متابعة الطريق حتى تتحرر كل أقطار الإسلام على الأرض.

إن ذلك مؤشر يقظة ودليل عافية في الجسم الإسلامي الذي استيقظ. صحيح أن حرمات المساجد انتهكت في فلسطين وجنوب لبنان، وأن خطباءها قد اعتقلوا أو أصيبوا؛ ولكن المساجد ما كان لها أن تتعرض للاقتحام لولا أنها باتت عنصر إزعاج للمعتدين وبؤرة تفجير للأرض من تحت أقدامهم.

والأئمة والخطباء ما كان لإسرائيل أن تعتقلهم وتفجر أو تقتحم مساجدهم لولا أنهم أصبحوا شوكة في حلق الغزاة، ولذلك كان لا بد من وقوع المواجهة.

إن الذين يعتمدون سبيل المواجهة على طريق الإسلام يدركون جيدًا أين يضعون أقدامهم، وأن الرحلة طويلة ومحفوفة بالشوك والأشلاء والدماء، ولكنه قدرهم الذي لا يجدون معه خيارًا آخر.

لقد عملت إسرائيل على إخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وعلى كسر البندقة التي ترفعها في وجه العدوان لتستقر وتضمن أمن حدودها؛ ولكنها الآن تواجه مقاومة من نوع آخر، لن تترك البندقية أو تتخلى عن المواجهة، إلى أن يقضي الله لها بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.. وذلك طريق المؤمنين، وتلك هي صياغة المسجد في حياة المسلمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل