العنوان الاسراء
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-نوفمبر-1977
مشاهدات 17
نشر في العدد 376
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 29-نوفمبر-1977
اشتد الصراع بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش، حيث خافت
قريش على ما يوفره الكفر لها من امتيازات طبقية ودينية وامتيازات اقتصادية. وأخذ
الصراع بين الحق والباطل يتصاعد بين الدين الجديد وما يمثله من خير للإنسان وما
يعطيه للبشرية من حياة كريمة يعبد فيها الإنسان ربه الذي خلقه، ويسجد لبارئه الذي
أوجده فلا يسجد لبشر، ولا ينحني أمام حجر أو شجر، ولا يعبد فلكاً ولا مظهراً من
مظاهر الكون، وإنما يستمد العزة لنفسه من عبادة الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم
يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد.
اشتد الصراع بينه وبين الشرك وما يمثله من انحطاط في الفكر الإنساني
والسلوك البشري الذي يظهر في السجود لحاكم أو رجل دين أو حجر أو شجر، أو ذلك
الانحطاط الذي ينتج عنه أن الغرائز عند الإنسان تحكم في مسيرته لا مقياس عنده يقيس
به الأمور، ولا حلال ولا حرام، وإنما كل أمر مباح من قتل نفس أو ظلم إنسان أو أكل
مال حرام، أو استعباد نفس وإذلال الخلق، فلا عجب أن ظهرت الطبقية العرقية الممثلة
في السادة والعبيد والأشراف والسوقة والطبقية الاقتصادية الممثلة في تجارة الربا
وأكل أموال الناس بالباطل واستغلال حاجة الآخرين للإثراء غير المشروع، والطبقية
الدينية بحيث يصبح الدين وفهمه احتكاراً على طبقة معينة وناس مخصوصين يستغلون جهل
الناس ويطلبون منهم أن يعبدوهم ويطلبون منهم تقديم النذور والقرابين لهم ولما
يمثلون.
وأخذ الكفر يقاتل عن مواقعه بشراسة حتى اضطر المسلمون إلى الهجرة
مرتين فراراً بدينهم وحرصاً على عقيدتهم، وحتى يأذن الله بالفرج. وكان النبي صلى
الله عليه وسلم في مكة يقارع قومه الحجة، يبين باطل ما هم فيه وما عليه حياتهم،
ولكنهم أصابهم الكبر ولحق بهم العناد. وكان الله قد هيأ له زوجة صالحة تعين بأمره
وتدعمه بمالها، وتخفف غصته بقسوة عناد قومه، وجهل عشيرته، وهيأ له كذلك عمه أبا
طالب يحميه، ويمنعهم من قتله واغتياله، وإن لم يمنع عنه ما دون القتل والاغتيال من
الأذى. وهم مع هذا يحسبون له حساب عمه من حين إيذائه حتى إن بعضهم يطرح عليه رحم
الشاة وهو يصلي.
ثم إن خديجة رضي الله عنها وأبا طالب هلكا في عام واحد قبل هجرته
بثلاث سنين، فعظمت المصيبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بهلاكهما. وذلك أن
قريشاً وصلوا من أذاه بعد موت أبي طالب إلى ما لم يكونوا يصونونه في حياته حتى
نثروا التراب على رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم فدخل الرسول بيته والتراب على
رأسه فقامت إليه إحدى بناته تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله يقول لها:
"يا بنية، لا تبكِ فإن الله مانع أباك".
ولما استعصت قريش، وأغلقت قلوبها وعقولها، اتجه النبي صلى الله عليه
وسلم إلى الطائف، فلما وصلها عمد إلى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم
ثلاثة إخوة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير ومسعود بن عمرو بن عمير وحبيب بن عمرو بن
عمير، ففدوه رداً غير جميل فقال أحدهم وهو يمرط ثياب الكعبة: إن كان الله قد
أرسلك؟ وقال الآخر: أما وجد الله أحداً يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلمك
كلمة أبداً لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك
الكلام ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي أن أكلمك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يئس من خيرهم، وقد قال لهم
فيما ذكره شيخ المؤرخين المسلمين الطبري وأنا أروي عنه: "إذا فعلتم ما فعلتم
فاكتموا عني". وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه عنه فيذكرهم
ذلك عليه فلم يفعلوا ذلك، بل أغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه.
وألجأوه إلى بستان عتبة بن ربيعة ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس
وشيبة بن ربيعة، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه. فلما اطمأن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أخذ يناجي ربه مناجاة الصابر المحتسب يطلب منه المدد والعون؛ حيث
قوم لا يستجيبون للنور ولا يلتفتون إلى الخير، والطائف كانت أسوأ من مكة وأقسى من
قريش، فأخذ يقول: "اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على
الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد
يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟! إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي
أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من
أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
في هذا الجو القاتم الشرس كان الله ينبئه رؤوفاً رحيماً، وكانت حادثة
الإسراء من مكة إلى القدس، وكان المعراج من أرض المسجد الأقصى إلى السماوات العلا
إلى سدرة المنتهى عند عتبة الجنة الإلهية. وكان في الإسراء أكثر من معنى وأثره لا
يزال على مر الأيام وكر السنين يفعل. يكرم الله نبيه على صبره ويجازيه الجزاء
الأوفى على تحمله فيستدعيه إليه ويقربه منه، ويرفعه إلى درجة لم يصلها أحد من خلقه
حتى ولا الملائكة المقربون. ويقدم له أرض الشام، أرض فلسطين، أرض القدس، المسجد
الأقصى هدية إيمان وجائزة رضوان، فيفتح النبي أرض الشام ومنها أرض فلسطين فتحاً
مادياً بجسده الشريف. ويعلن الله للدنيا وفي كل حين أن المسجد الأقصى أصبح مسجداً
فيصلي فيه النبي الصلاة الإسلامية الأولى إماماً للأنبياء المرسلين حيث أحياهم
الله له، ويصلي الصلاة الثانية بعده عمر وأبو عبيدة، وكبار الصحابة والجنود المؤمنون
يوم أن دخل القدس واستلمها من بطريركها صفرونيوس وأعطاه العهدة العمرية التي تنص
فيما نصت عليه ألا يسكن إيليا - القدس - أحد من اللصوص واليهود، وذلك أن كبار
أصحاب رسول الله كانوا على علم أنه لا يعلمه بقية الناس، وهذا النص في الوثيقة يدل
على مبلغ فهم عمر لخطر اليهود على هذه الأرض.
ويذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم القرآن الكريم هذا الخبر
العظيم فيقول في سورة الإسراء: ﴿سُبْحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ لَيْلًا
مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَى ٱلْمَسْجِدِ ٱلْأَقْصَا ٱلَّذِي بَٰرَكْنَا
حَوْلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنْ ءَايَٰتِنَآ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾
[الإسراء: 1].
وسورة الإسراء تتحدث عن المسجد الأقصى وإسراء النبي إليه وتقرر أن هذا
المسجد الذي بني بعد البيت الحرام بأربعين سنة كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر
قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض قال المسجد
الحرام قلت ثم أي قال المسجد الأقصى قلت كم بينهما قال أربعين سنة، ثم الأرض لك
مسجد فحيثما أدركتك الصلاة فصل).
فإن الإسراء بقدسيته ومقامه حيث كان المسجد خراباً يباباً لا يصلى فيه
أحد إلى أن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقررت مسجديته في القرآن، واستلمه
عمر فكان ينظفه هو وأصحابه من الكناسة وطهروه وأصبح من يومها منارة علم ودار إيمان
ومحجة زوار ومحراب صلاة.
إذن سورة الإسراء تتحدث عن علاقة المسلمين بالمسجد، وأن المسجد الأقصى
للمسلمين حيث أسرى بنبيه إليه، وتقرر بركة أرض الشام أو أرض فلسطين، وتبدأ بعد ذلك
في الحديث عن الفساد والعلو لليهود والتدمير الذي سيلحق بهم، وأنهم سينازعون
المسلمين أرض الإسراء والمسجد. وهنا لا بد أن نقرر أن علماء التفسير اختلفوا
اختلافاً كثيراً في "العلوين" والإفسادين اللتين أشارتهما الآية، وهي
قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسْرَٰٓءِيلَ فِي ٱلْكِتَٰبِ
لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا *
فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ
أُو۟لِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا۟ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا
مَّفْعُولًا﴾ [الإسراء: 4-5].
فقال قوم: هم أهل بابل، وكان عليهم بختنصر، قاله ابن عباس رضي الله
عنهما. وقال قتادة: أرسل عليهم جالوت فقتلهم فهو وقومه أولو بأس شديد. ودخل مجاهد:
جاءهم جند من فارس يتجسسون أخبارهم ومعهم جرجس. وقال محمد بن إسحاق: إن المهزوم
سنحاريب ملك بابل وقيل إنهم العمالقة إلى غير ذلك من الأقوال المتضاربة. ونحن حين
ننظر إلى الآيات نظرة موضوعية نجد الأشياء الآتية:
أولاً: الآيات مكية وتحدثت عن علوين وإفسادين لليهود، فهل مضى هذان
العلوان قبل نزول الآية أم أنهما بعد أثنائها؟
مما لا شك فيه أن اليهود دمروا أكثر من مرة قبل الإسلام، وقبل نزول
الآيات فقد سباهم البابليون ودمرهم الرومان، وذلك أنه منذ أن غضب الله عليهم نتيجة
سوء تصرفهم وحقدهم على الله وأنبيائه، تغيرت تصرفاتهم وجعلهم يتصرفون في إحلالهم
وضربهم. يقول الله تعالى في سورة البقرة آية 61: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ
ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ
بِأَنَّهُمْ كَانُوا۟ يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ
ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ يَعْتَدُونَ﴾
[البقرة: 61]. ثم تقرر آية أخرى في سورة أخرى أن العذاب سيستمر في اليهود: ﴿وَإِذْ
تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَن
يَسُومُهُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ﴾ [الأعراف: 167].
إذن لا غرابة أن يكون إفساد اليهود وعلوهم ثم تدميرهم أكثر من مرة قبل
الإسلام، ولا غرابة أن يكون كذلك علو وفساد بعد الإسلام ثم تدميرهم. ولسنا هناك ما
يمنع أن يكون الفساد والعلو ثم التدمير لمرتين بعد نزول الآيات والواقع أن الممعن
في آيات الإسراء يجد المرتبتين في علو اليهود وإفسادهم ثم تدميرهم مما بعد نزول
آيات الإسراء.
وذلك أن الله يقول وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض
مرتين ولتعلن علواً كبيراً، فإذا جاء وعد أولاهما، وإذا ظرف لما يستقبل من الزمان
ولا علاقة لما بعدها بما قبلها فوجود كلمة "إذا" في الآية تدل على أن
الفساد والعلو ثم التدمير آت وأنه لم يمر كما أن استعمال "إذا" للمرة
الثانية يدل على أنها آتية لم تمر كذلك.
وقوله تعالى: ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآ أُو۟لِي بَأْسٍ
شَدِيدٍ فَجَاسُوا۟ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِ﴾ [الإسراء: 5]. إن الذين سينالون تدمير
اليهود هم المؤمنون، إذ إن الله سبحانه وتعالى حين يضيف كلمة العباد لذاته تكون في
موضع التشريف، ويخص بها المؤمنين. يقول الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَٰنِ
ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63]، ويقول: ﴿قُلْ
يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن
رَّحْمَةِ ٱللَّهِ﴾ [الزمر: 53]، و﴿سُبْحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِۦ﴾
[الإسراء: 1] وأعظم منزلة للنبي صلى الله عليه وسلم أنه عبد الله ورسوله، وفي
التحيات (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين).
وهذا التشريف والتكريم الإيماني لا ينطبق على البابليين ولا على
الرومان لأنهم جميعاً من الوثنيين. إذن ينطبق هذا الوصف على رسول الله وأصحابه
الذين جاؤوا المدينة، ولليهود فيها نفوذ سياسي واقتصادي. وكان من أول أعماله في
المدينة إبرام المعاهدة السياسية بينه وبين اليهود، وأن اليهود جبلت جماعة مستقلة،
وأن المسلمين جماعة مستقلة، فلما غدر اليهود ونقضوا العهد كعادتهم ودأبهم سلط الله
عليهم المسلمين فجاسوا خلال الديار وتغلغلوا فيها وأزالوهم عن المدينة وخيبر
وتيماء، وزال سلطانهم وتدمر علوهم فكان ذلك من خلال معارك بني قريظة وبني النضير،
ومعارك خيبر الشهيرة. وتأتي سورة الحشر لتؤكد هذا المعنى في قوله تعالى في وصف
معارك المسلمين مع اليهود في المدينة: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخْرَجَ ٱلَّذِينَ
كَفَرُوا۟ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمْ لِأَوَّلِ ٱلْحَشْرِ ۚ مَا
ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا۟ ۖ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم
مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا۟ ۖ وَقَذَفَ فِي
قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي
ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱعْتَبِرُوا۟ يَٰٓأُو۟لِي ٱلْأَبْصَٰرِ﴾ [الحشر: 2].
إذن هو أخرجهم لأول الحشر، فخرج قسم منهم إلى أذرعات من أرض الشام حتى
تبدأ المرة الثانية من علوهم وإفسادهم. ويقول الله: ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا﴾
[الإسراء: 5] يعني في عهد النبي والوحي ينزل، وأنه أصحابه من بعده. وتبدأ الآيات
بعد ذلك تتحدث عن المرة الثانية من العلو والإفساد.
فتخبر الآيات أن الله سيجعل لليهود الكرة عليهم على من أُجلي الذين
جاسوا الديار أول مرة، والكرة الدولة والسلطة. وحين أراد الله لليهود أن يكروا
استعمل كلمة "ثم" وهي كما هو معروف معناها العطف مع التراخي أو المهلة،
فهل كُر لليهود في التاريخ على البابليين وكانت لهم دولة وسلطة عليهم؟ لم يحدث ذلك
في التاريخ، ولن يحدث الآن ولا في المستقبل؛ حيث إن البابليين قد انصرفوا من
الدنيا كلها، وليس لهم مكان يعرفون فيه أو دولة يعيشون فيها، وحاشا لله ألا يصدق
القرآن أو يكون خبره غير محقق. إذن لا بد أن تكون الكرة على أبناء من جاسوا خلال
الديار، وهم المسلمون أو العرب المسلمون، فقد كر اليهود على ديار الشام وفلسطين
منها، وهذا هو الذي قد حدث ونعيشه الآن، ويعاني منه المسلمون كل المسلمين، وانظروا
معي إلى بقية الآيات، تمضي فتصف الواقع الذي نعيشه وتعيشه دولة اليهود؛ إذ بعد أن
جعل الله الكرة لليهود علينا، يقول الله لليهود: ﴿وَأَمْدَدْنَٰكُم بِأَمْوَٰلٍ
وَبَنِينَ وَجَعَلْنَٰكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ [الإسراء: 6]، وهنا نسأل مرة أخرى:
هل مد الله اليهود في التاريخ بأموال وبنين غير هذه المرة؟ لم نعرف أن ذلك قد حدث،
واليهود منذ أن غضب الله عليهم وهم في بلاء متصل وعذاب مستمر؛ فقبل الإسلام كان
عذاب البابليين لهم والرومان، وبعد الإسلام أخرجهم المسلمون من الجزيرة، ثم بدأت
أوروبا تعذيبهم في إسبانيا حتى جاء المسلمون فأنقذوهم من الإسبان، واستمر العذاب،
واليهودي في كل الأرض يعتبر إنساناً شريراً متأمراً يستحق التعذيب والقتل، وآخر من
عذبهم في حياتنا المعاصرة هو أدولف هتلر ومعه النازيون.
وحتى نرى مبلغ صدق الآية، ونرى إعجازها بأعيننا، نجد دولة اليهود
اليوم تعيش على البنين الذين يأتونها من أطراف الأرض ليمدوها بالجند، وفي هذه
الفترة من روسيا بالذات، وترى الأموال من دول الغرب تأتيها بمساعدات مذهلة حتى
تستمر في عدوانها وطغيانها وجبروتها، ثم يقول الله: ﴿وَجَعَلْنَٰكُمْ أَكْثَرَ
نَفِيرًا﴾ [الإسراء: 6]، فمن أكبر قوة في الأرض أو أكبر دول الأرض تساند دولة
اليهود في حال نصرتها وحربها.
إذن هذه هي المرة الثانية من العلو فيها بالفساد؛ وحتى يتحقق الفساد
فنرى اليهود في دولتهم يرتكبون أفظع الجرائم بحيث فاقوا كل أنواع العذاب التي
عانوا منها في زعمهم أو عاناه غيرهم، ولذلك يحذرهم الله فيقول لهم: ﴿إِنْ
أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:
7]، وهم قد أساءوا فقتلوا وأيتموا الأطفال وسجنوا النساء وهدموا البيوت واغتصبوا
الأرض وأقاموا المستعمرات، وحرقوا الأقصى في 21 - 8 - 1969م.
والأقصى عند الله عظيم، ودنسوا مسجد الخليل يوم أن عمدوا إلى كتاب
الله القرآن العظيم فمزقوه ودوسوه. وهنا تأتي عقوبة الله على ما اقترفوا من الإثم
والجرائم بنص من الآيات، أن دولتهم لن يطول فسادها ولا علوها، فيقول الله: ﴿ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ
وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا
وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ﴾ [الإسراء:
7]. وهنا حين أخبر عن زوال دولتهم استعمل كلمة الفاء للعطف، ولم يستعمل
"ثم"، والفاء للعطف مع التعقيب والتعقيب كل شيء بحسبه وبما يناسبه، وهو
يدل على السرعة المناسبة في حصول المقصود. ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلْأَخِرَةِ﴾
[الإسراء: 7] أي لذهاب علوهم الثاني، تصبح وجوه بني إسرائيل سيئة، وبشرنا ربنا
جلّت قدرته أننا سندخل المسجد الأقصى كما دخلناه أول مرة، وفي هذه الآية إشارة
لطيفة إلى دخولنا المسجد مرتين. والمرتان حدثتا بعد نزول الآية: المرة الأولى
الفتح العمري للمسجد حين دخله باسم الله والإسلام، والمرة الثانية هذه التي نحن
على أبوابها حيث سيدخل المسلمون المسجد فاتحين للمرة الثانية، ثم يقرر الله أننا
سنتبر أي ندمر ونهلك علو اليهود المادي والمعنوي. ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن
فلسطين لم تعرف العمارات ذات الطوابق التي تزيد عن أربعة أو خمسة طوابق إلا في ظل اغتصاب
اليهود لها. ولذلك فإن هذه العمارات الشاهقة التي يقيمونها على الأرض المباركة
سيلحقها التدمير والخراب. ثم تمضي الآيات فتحذر اليهود من محاولة العودة للفساد
والتعالي فيقول الله لهم: ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ ۚ وَإِنْ عُدْتُّمْ
عُدْنَا ۘ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَٰفِرِينَ حَصِيرًا﴾ [الإسراء: 8]. وتأتينا
البشرى من الله بعد أن يفهمنا ربنا أن القرآن يهدي إلى الطريق السوي والحياة
الصحيحة، تأتينا البشرى بالنصر فيقول: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانَ يَهْدِي
لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعْمَلُونَ
ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9]. وفي آخر السورة، سورة
الإسراء، آية أخرى تتعلق بهذا الأمر، وهي قوله تعالى في آخر السورة: ﴿وَقُلْنَا
مِن بَعْدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱسْكُنُوا۟ ٱلْأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ
ٱلْأَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾ [الإسراء: 104]. واللفيف جماعات ملتفة، وفي
بقية الآية إنذار لليهود وبشرى لنا، فيقول الله: ﴿وَبِٱلْحَقِّ أَنزَلْنَٰهُ
وَبِٱلْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾
[الإسراء: 105]. بشرى لنا وإنذار لهم، فإذا ربطنا هذه الآيات وتفسيرها بالحديث
الذي يدلنا على صدق النبوة، ومعجزة الرسول صلى الله عليه وسلم حين أخبرنا عن قتال
اليهود فيما رواه الشيخان البخاري ومسلم وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا
تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون حتى يقول الحجر أو
الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر
اليهود».
إيقاناً بعد ذلك لماذا لم تنجح المحاولات لتثبيت دولة اليهود، وذلك
أنه منذ سنة 1948م، وكل محاولة للصلح وتثبيت دولة اليهود يفشلها اليهود أنفسهم؛
وذلك لأن الله يلهمهم الخطأ فيرفضون كل الحلول؛ لأن اليهود لا يعالجون أي أمر إلا
بالحقد والتآمر والخديعة، ويقرر الله أن لا عقل عندهم فيقول: ﴿لَا
يُقَٰتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ
جُدُرٍۭ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ
شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: 14]. وذلك كله
يجري حتى يأتي اليوم الموعود، يوم تخلص المعركة أو ديار المسلمين من الأيديولوجيات
المنافية للإسلام؛ وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخبر في حديث قتال اليهود
أن الحجر والشجر سينطق ويقول: (يا مسلم يا عبد الله خلفي يهودي فتعال فاقتله)، إذن
لن يكون قتال النصر في فلسطين قتالاً يمينياً رجعياً ولا يسارياً تقدمياً، وإنما
يكون قتالاً إسلامياً في سبيل الله كما كان دائماً قتال النصر للمسلمين:
﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ ۖ قُلْ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: 51].
وبعد، فإن الآية الأولى في سورة الإسراء نصت على بركة الأرض التي تحيط
بالمسجد الأقصى، وكذلك آيات أخرى نصت على هذه البركة؛ مثل قوله تعالى في حق الخليل
إبراهيم: ﴿وَنَجَّيْنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِي بَٰرَكْنَا فِيهَا
لِلْعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ
ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَٰهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا
ٱلسَّيْرَ ۖ سِيرُوا۟ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ﴾ [سبأ: 18].
والبركة الزيادة في كل شيء، وليست بركة هذه الأرض مادية وإنما بركتها بالإضافة إلى
الأشياء المادية بركات معنوية تتمثل في أنها عش الأنبياء. ولذلك فكر أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم في دفنه في بيت المقدس عند وفاته باعتبارها عش الأنبياء
وكانت لم تفتح بعد، وهي مهبط الوحي، وهي مسرى النبي ومعراجه منها صلى الله عليه
وسلم، وهي القبلة الأولى فقد صلى المسلمون إلى مسجدها ستة عشر شهراً ومسجدها تشد
إليه الرحال؛ كما ورد في الحديث الذي يرويه البخاري ومسلم عن النبي صلى الله عليه
وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد
الأقصى».
ومن بركة هذه الأرض استقراء أنه حينما يبتعد المسلمون عن محور عزهم
ومركز قوتهم وهو الإسلام يضعفون ويمزقون وتكثر دولهم ودويلاتهم فيسهل على العدو أن
يتسرب من خلالهم فيأخذ الأرض المباركة ويأخذ المسجد الأقصى. وعندها يتحرك المسلمون
حركة حياة من جديد وينفضون غبار الهزيمة فيعملون لاستخلاص هذه الأرض، فمن طريق
استخلاصها يتم توحيد المسلمين من جديد. ألا ترون أنه بسبب حريق المسجد الأقصى كان
مؤتمر القمة الإسلامي الأول في المغرب الذي انبثق عنه مؤتمر وزراء خارجية المسلمين
الذين كونوا الأمانة العامة الإسلامية في جده؟ وهذا من بركة هذه الأرض التي باركها
الله. ولذلك لن يصل أحد من اليهود وأعوانهم إلى حل حتى يأتي أمر الله ويوحد
المسلمين، ويعود الإسلام محركاً للحياة في ديار الإسلام وفي العالم كله.
وقد ظهرت بركتها في الحروب الصليبية؛ إذ بعد أن أخذها الصليبيون وظنوا
أن الأمر قد استقر لهم كانت حربهم سبباً في توحيد المسلمين من جديد. فكان نور
الدين زنكي الذي وحد الأجزاء المبعثرة وأخذ الراية منه صلاح الدين، فكانت حطين
النصر المبين وكانت معركة القدس فيها بعد، ودخلها رحمه الله فأعاد الأمن والأمان
إليها وعاد مسجدها إلى قدسيته وطهره.
وقدر أهل الشام وفلسطين منها أنهم مرابطون إلى يوم القيامة؛ حيث
الكفار لا يتركون الأرض المباركة يستقر أهلها وهم يريدون مسجدها ليقيموا عليه
الهيكل.
روى الطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن أهل الشام وأزواجهم
وذراريهم وعبيدهم وإماءهم إلى منتهى الجزيرة مرابطون، فمن نزل مدينة وقرية من
المدائن فهو في رباط، أو ثغر من الثغور فهو في جهاد». وقدر أهل الشام كذلك أن
ينتقم الله بهم من أعدائه؛ فعن خريم بن فاتك: «أهل الشام سوط الله في أرضه ينتقم
بهم ممن يشاء من عباده، وحرام على منافقيهم أن يظهروا على مؤمنيهم، ولن يموتوا إلا
غماً وغيظاً وحزناً» رواه الطبراني مرفوعاً وموقوفاً ورجاله ثقات. وعن أبي الدرداء
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول: «الملحمة الكبرى بأرض يقال لها الغوطة
فيها مدينة يقال لها دمشق خير منازل المسلمين يومئذ» رواه الحاكم وقال صحيح
الإسناد. وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة عن ابن الزاهرية قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: «معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجال بيت المقدس،
ومعقلهم من يأجوج ومأجوج الطور».
وعلى هذا فهذه الأرض المباركة بالإضافة إلى الأشياء المادية التي
ذكرها المفسرون من الثمار والأشجار والأنهار والأرض المعطاء والسهل الخصيب والجبال
العالية والأرض المنخفضة التي تجعلك تنتقل في ساعة من زمن أو أقل من مستوى سطح
البحر إلى العلو الشاهق إلى الغور المنخفض؛ فهناك البركة المعنوية. والبركة
المادية تتصاغر أمام البركة المعنوية والتي باركها الله فجعلها القبلة الأولى يصلى
إليها المسلمون وأسرى بنبيه إليها وعرج به من مسجدها إلى السماوات العلا وجعل
مسجدها الأقصى تشد إليه الرحال وهي عش الأنبياء. وهذا مما جعل عمر بن الخطاب رضي
الله عنه يأتي بنفسه لتسلم القدس. ولذلك فحينما يتحدث اليهود وأعوانهم عن الوطن
البديل للفلسطينيين يظنون أن أي أرض يمكن أن تستبدل بها الأرض المباركة، ويظنون أن
الأمر أمر إسكان لاجئين أو استقرار مشردين، وما علموا أو هم يتجاهلون أن هذه الأرض
لا تدانيها أرض أخرى، ولا يمكن أن يقوم مقامها وطن بديل في أي بقعة من بقع الكرة
الأرضية ما عدا أرض الحرمين الشريفين، فشرفها معروف؛ إذ إن هذه الأرض مرتبطة
بعقيدة المسلمين، سجلت في كتاب الله بوصفها القبلة الأولى، وبوصفها مسرى النبي،
وبوصفها معراج الرسول، ووصفها الأرض المباركة. ولذلك فهي لا تخص الفلسطينيين
وحدهم، ولا تخص العرب وحدهم، بل تخص المسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا. وما دام
كتاب الله القرآن موجوداً على الأرض يبقى، وفي الأرض مؤمنون، فليس هناك استقرار
لدولة اليهود، وهي في طريقها لأن تصبح من مخلفات التاريخ، كما أصبحت دولة
الصليبيين من قبلها من مخلفات التاريخ؛ تؤلف الكتب عن أسباب زوالها، ويكتب
الباحثون أبحاثهم، ويعطي العلماء آراءهم في ذلك، وكلهم أو جلهم ينسى أو يتناسى
الحقيقة الأزلية، وهي استحالة أن يملك هذه الأرض غير المسلمين ملكاً مستقراً، وأن
تبقى في حوزة أعدائهم؛ لأن هذه إرادة الله أبانها ليلة الإسراء.
والواقع أن العالم كله لا يفقه القضية الفلسطينية أو القضية اليهودية،
وأن كل فئة تنظر إلى القضية من زاوية معينة تتفق مع مصلحتها، وهذه النظرة بالنسبة
لمصالحها صحيحة؛ فالغرب ينظر إلى القضية على أنها امتداد للحروب الصليبية، وأن
اليهود أداة في يديه لتمزيق الوطن الإسلامي والسيطرة على بلاد المسلمين وتهديدهم
حتى لا يفيقوا مرة أخرى فيتعرضوا لقيادة الدنيا وإنقاذها مما تعانيه. وروسيا تنظر
إلى القضية على أن بقاء دولة اليهود في بلاد المسلمين أمر ضروري لإيجاد التناقض
حسب الفكر المادي، ولذلك هي مع بقاء دولة اليهود، وتحارب الطبقة الحاكمة في
إسرائيل حرباً طبقية باعتبارها عميلة للغرب، ويهمها أن يبقى التناقض في المنطقة
وعدم الاستقرار؛ لأن ذلك حسب وجهة نظرها يغذي الحركة الشيوعية وينميها. والحكام في
المنطقة أو أكثرهم يرى في دولة إسرائيل ضماناً لبقائهم، فهم يريدون لها أن تبقى حتى
يبقوا، ولكن يريدون منها أن تتنازل عن بعض ما أخذته حتى يكون ذلك انتصاراً ظاهرياً
يخدعون به الشعب العربي والمسلمون من ورائهم. وأهل البلاد الذين أخرجوا من ديارهم
الفلسطينيون ينظرون إلى القضية من زاوية أنه شعب ظلم وشرد واضطهد، فهم يريدون حياة
الاستقرار في الأرض التي ولدوا فيها، أو نبت آباؤهم فيها، أو دفن أجدادهم في
ترابها، فهم يحنون بفطرتهم إليها ولا يرون في الدنيا أرضاً تكون بديلاً لها، وهذا
صحيح. ولكن هذه النظرات المختلفة للقضية من زواياها المختلفة ليست هي القضية،
وإنما القضية تتعلق باليهود أو بغضب الله على اليهود المستمر عبر التاريخ، بالعذاب
الواقع بهم نتيجة سوء تصرفهم وحقدهم على الإنسانية، فحلقة من حلقات الغضب والسخط
عليهم من الله. إن الله أخبر في القرآن في آيات الإسراء كما أسلفت في أول البحث
وفي حديث البخاري ومسلم أنه قبل قيام الساعة ستكون لليهود دولة ثم يتولى المسلمون
تصفيتها حتى يقول الحجر والشجر: "يا مسلم يا عبد الله خلفي يهودي فتعال
واقتله إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود".
ولقد حاول العالم منذ 1948م أو القوى الكبرى في العالم أو الغرب على
وجه التخصيص أن يثبت إسرائيل دولة، فوضع الحلول وحاك المؤتمرات وخلق قيادات وأوجد
رعايات للتعاون معه على تثبيت إسرائيل دولة، ولكن المؤتمرات تفشل والطبخات تحترق،
وذلك بفضل الله ثم بمعاونة اليهود أنفسهم حيث يرفضون كل ما يعرض عليهم حتى يأتي
يومهم الموعود وقدرهم المرصود، فتزول دولتهم بآثامها وشرورها. وإن الغرب اليوم
يحاول جاهداً لإنقاذ دولة اليهود من مصيرها المحتوم وقدرها المرسوم رغم أنفها،
ولكن اليهود يتمردون على من أوجدهم؛ ذلك بأنهم قوم لا يعقلون. وصدق الله إذ يقول
في حقهم: ﴿لَا يُقَٰتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن
وَرَآءِ جُدُرٍۭ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا
وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر:
14].
وأن من بركة الأرض المباركة أن المسلمين يتوحدون دائماً عن طريق
استخلاصها من أيدي أعدائهم؛ ذلك أن الأمة الإسلامية حينما تبتعد عن محور قوتها وهو
الإسلام يلحقها الذل والصغار وتنقسم إلى مقاطعات ودويلات حتى تصل في صغرها إلى
مستوى الأحياء والحارات، فيأتي العدو ليتسلل عبر هذا الضعف فيأخذ الأرض المباركة
وتسقط القدس، ويسقط الأقصى في يديه. عند ذلك تبدأ الأمة في التحرك حركة الحياة من
جديد حتى إذا وقفت على قدميها كرت على عدوها لتخلص الأرض المباركة منه فتوحد من
أجل ذلك. أو بسبب ذلك كان ذلك في الحروب الصليبية وكان ذلك في حروب التتار وهو
الآن. ولذلك بسبب حريق الأقصى في 21 / 8 / 1969م انعقد مؤتمر القمة الإسلامي الأول
وخرجت من ذلك المؤتمر منظمة الدول الإسلامية الممثلة في الأمانة العامة الإسلامية
في جدة، والذي يعقد مؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلامية مؤتمرهم السنوي في إحدى العواصم
الإسلامية، وسيستمر اللقاء والتقارب حتى يصل إلى حد التمازج والتلاحم فيشترك
المسلمون كل المسلمين في تحرير الأرض المباركة التي تكون سبب وحدتهم.
وبمناسبة انعقاد مؤتمر السيرة النبوية في إسطنبول، عاصمة المسلمين
لعدة قرون ومركز الخلافة الإسلامية لمئات السنين، لا بد من الإشارة إلى الدور الذي
لعبته الدولة العثمانية في حماية المقدسات الإسلامية وخصوصاً في فلسطين. ولا بد من
الإشارة هنا إلى الخليفة العثماني، السلطان عبد الحميد رحمه الله، حيث رفض أن يعطي
اليهود امتيازات في الأرض المباركة؛ مما جعلهم يحقدون عليه ويشوهون سمعته ويعملون
على عزله متعاونين مع قوى الشر المختلفة من صليبية وماسونية، ونعرات قومية، مما
هيأ الظروف من بعده إلى التآمر على دولة الخلافة، ومن ثم ذهابها وقيام دولة اليهود
في الأرض المباركة. ولكن هذه الدولة لا تدوم كما أسلفت وكل الدلائل تشير إلى سرعة
زوالها؛ وذلك حتى تتحقق الآيات. والله سبحانه وتعالى أعلم، وصلى الله وسلم على
عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل