; الاستغلال الأمريكي للأقليات(6) .. عدالة الإسلام في تشريع الميراث | مجلة المجتمع

العنوان الاستغلال الأمريكي للأقليات(6) .. عدالة الإسلام في تشريع الميراث

الكاتب د. محمد عمارة

تاريخ النشر السبت 26-مارس-2011

مشاهدات 48

نشر في العدد 1945

نشر في الصفحة 62

السبت 26-مارس-2011

  • التفاوت بين أنصبة الوارثين والوارثات تحكمه ثلاثة معايير: درجة القرابة وموقع الجيل الوارث من التتابع الزمني والعبء المالي الذي يوجبه الشرع على الوارث.
  • الحكمة في تفاوت أنصبة أولاد المتوفى الذكور عن الإناث أن الذكر مكلف بإعالة أنثى هي زوجته بينما الأنثى الوارثة أخت الذكر إعالتها مع أولادها فريضة على ذكر آخر.
حديث التقرير الأمريكي عن ظلم الإسلام للإناث في الميراث، يعبر عن جهل مركب وفاضح بفلسفة الإسلام في الميراث، ذلك أن الفقه الحقيقي لفلسفة الإسلام في الميراث، والوعي يحكم هذه الفلسفة، إنما يكشف عن أن التمايز في أنصبة الوارثين والوارثات لا يرجع إلى معيار الذكورة والأنوثة، وإنما لهذه الفلسفة الإسلامية في التوريث حكم إلهية ومقاصد ربانية قد خفيت عن الذين جعلوا التفاوت بين الذكور والإناث في بعض حالات الميراث شبهة على كمال أهلية المرأة في الإسلام، وعلى عدالة الإسلام بين الذكور والإناث.

إن التفاوت بين أنصبة الوارثين والوارثات في فلسفة الميراث الإسلامية إنما تحكمه ثلاثة معايير:

أولها: درجة القرابة بين الوارث، ذكرًا كان أو أنثى.. وبين المورّث-المتوفى-فكلما اقتربت الصلة؛ زاد النصيب في الميراث، وكلما ابتعدت الصلة؛ قل النصيب في الميراث دونما اعتبار لجنس الوارثين. 

وثانيها: موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال؛ فالأجيال التي تستقبل الحياة، وتستعد لتحمل أعبائها عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة وتتخفف من أعبائها، بل وتصبح أعباؤها-عادة-مفروضة على غيرها، وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات.. فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه- وكلتاهما أنثى-وترث البنت أكثر من الأب(جد البنت) حتى لو كانت رضيعة لم تدرك شكل أبيها، وحتى لو كان الأب هو مصدر الثروة والتي تنفرد البنت بنصفها، وكذلك يرث الابن أكثر من الأب(جد الابن)، وكلاهما من الذكور. 

وفي هذا المعيار من معايير فلسفة الميراث في الإسلام حكم إلهية بالغة، ومقاصد ربانية ساعية تخفى على الكثيرين، وهي معايير لا علاقة لها بالذكورة والأنوثة على الإطلاق. 

وثالثها: العبء المالي الذي يوجب الشرع الإسلامي على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين، وهذا هو المعيار الوحيد الذي يثمر تفاوتًا بين الذكر والأنثى. 

لكنه تفاوت لا يفضي إلى أي ظلم للأنثى أو انتقاص من إنصافها، بل ربما كان العكس هو الصحيح!

ففي حالة ما إذا اتفق وتساوى الوارثون في درجة القرابة، واتفقوا وتساووا في موقع الجيل الوارث من تتابع الأجيال-مثل أولاد المتوفى؛ ذكورًا وإناثًا- يكون تفاوت العبء المالي هو السبب في التفاوت في أنصبة الميراث؛ ولذلك، لم يعمم القرآن الكريم في هذا التفاوت بين الذكر والأنثى في عموم الوارثين، وإنما حصره في هذه الحالة بالذات، فقالت الآية القرآنية:﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ﴾(النساء : ۱۱)، ولم يقل: يوصيكم الله في عموم الوارثين.

والحكمة في هذا التفاوت، في هذه الحالة بالذات، هي أن الذكر هنا مكلف بإعالة أنثى-هي زوجته-مع أولادهما، بينما الأنثى الوارثة، أخت الذكر، إعالتها مع أولادها، فريضة على الذكر المقترن بها، فهي مع هذا النقص في ميراثها بالنسبة لأخيها، الذي ورث ضعف ميراثها، أكثر حظًا وامتيازًا منه في الميراث، فميراثها مع إعفائها من الإنفاق الواجب، هو ذمة مالية خالصة ومدخرة، لجبر الاستضعاف الأنثوي، ولتأمين حياتها ضد الأخطار والتقلبات، وتلك حكمة إلهية قد تخفى على الكثيرين. 

وإذا كانت هذه الفلسفة الإسلامية في تفاوت أنصبة الميراث بين الوارثين والوارثات، تخفى على الكثيرين-ومنهم كُتاب تقرير الخارجية الأمريكية، والعملاء الذين أمدوا الخارجية الأمريكية بهذه المعلومات التي تبنتها-فإن تطبيقات هذه الفلسفة الإسلامية في الميراث تكشف عن الآفاق السامية التي بلغها الإسلام في إنصاف الإناث؛ ضمن إنصافه العام المطلق الإنسان.

ذلك أن علم الفرائض(المواريث) إنما يكشف عن حقيقة قد تذهل الكثيرين؛ فالاستقراء لحالات ومسائل الميراث، يقول لنا:

 1-إن هناك أربع حالات فقط ترث فيها الأنثى نصف ميراث الذكر.

2-وهناك حالات أضعاف هذه الحالات الأربع ترث فيها الأنثى مثل الذكر تمامًا.

3-وهناك حالات عشر-أو يزيد-ترث فيها الأنثى أكثر من نظيرها من الذكور. 

4-وهناك حالات ترث فيها الأنثى ولا يرث نظيرها من الذكور.

أي أن هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها الأنثى مثل الذكر، أو أكثر منه، أو ترث هي ولا يرث نظراؤها من الذكور..في مقابل أربع حالات محددة ترث فيها الأنثى نصف الذكر.

ومعيار آخر-غير الذي تقدم-من معايير تقديم الإناث على الذكور في الميراث؛ هو معيار«الفرض، والتعصيب».. فالفروض هي الأنصبة المفروضة بنص القرآن، وهي التي يقدم أصحابها في الميراث، إذ يأخذون «فروضهم» أولًا، وما بقي من التركة يوزع على«العصبة»، الذين يرثون بالتعصيب.

وعند استقراء تطبيقات التوريث بهذا المعيار، نجد أن الإناث يرثن بالفروض-أي يأخذن أنصبتهن أولًا-في سبع عشرة حالة من هذه الحالات، بينما يرث الذكور بالفروض في ست حالات(1)!

لقد صدق الله العظيم:﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ﴾ (التوبة:71).

﴿وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(البقرة: 228).

وكذبت وزارة الخارجية الأمريكية-ومن وراءها-عندما افتروا على الإسلام فقالوا :إنه قد ظلم النساء في الميراث!

---------------------------------

الهامش

(1)د. صلاح الدين سلطان: «ميراث المرأة وقضية المساواة»، ص32-34 ،تقديم: د. محمد عمارة، طبعة نهضة مصر، القاهرة، عام ۱۹۹۹م، د. محمد عمارة«التحرير الإسلامي للمرأة»، طبعة القاهرة، عام ٢٠٠٢م.

---------------------------------

نظرات في علوم الحديث

د. عبد الرحمن رمضان

نتناول هنا الحديث عن الأهمية القصوى لقضية الإسناد، ولعل ما رواه مسلم في مقدمة الصحيح(۸۷/۱) عن عبد الله بن المبارك أنه قال: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، لعل ذلك يعطينا صورة كاملة عن أهمية الإسناد، ودوره في صيانة نصوص الشرع؛ وذلك لأن الإسناد يُطلع العارف على حال النَّقَلة، فإن كانوا عدولًا قبل حديثهم، وإلا ردّ عليهم وعرف أن ما قالوه ليس من الدين في شيء.

وهذا الأمر وهو معرفة الإسناد لم يكن عند أمة من أمم الأرض إلا عند أمة الإسلام، قال ابن حبان في كتاب «المجروحي» (ص ٢٥): ولو لم يكن الإسناد، وطلب هذه الطائفة له لظهر في هذه الأمة من تبديل الدين ما ظهر في الأمم، وذلك أنه لم تكن أمة نبي قط حفظت عليه الدين عن التبديل ما حفظت هذه الأمة، حتى لا يتهيأ أن يزاد في حديث من سنن رسول الله ألف ولا واو، كما لا يتهيأ زيادة مثله في القرآن، ولولا هذه الطائفة لقال من شاء بما شاء. أهـ.

وقال ابن حجر في لسان الميزان(189/۱): خص الله هذه الأمة المحمدية بضبط حديث نبيها بالإسناد المأمون.

وقال شيخ الإسلام مصطفى صبري في موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين(٨٧/٤): بل الطريقة المتبعة في الإسلام لتوثيق الأحاديث النبوية أفضل طريقة وأعلاها، ولا تدانيها في دقتها وسموها أي طريقة علمية غربية اتبعت في توثيق الروايات. 

قال: حسبك أن نقد الرجال أصبح علمًا مدونًا له كتب خاصة لا تستوعبها المجلدات كـ«تهذيب الكمال» للمزي و«الميزان للذهبي»، و«لسان الميزان» لابن حجر، كما أن من«صحيح» البخاري مثلًا ألفين وستمائة حديث سوى المكرر منها، انتقاها من مائة ألف حديث صحيح يحفظها، وقريبًا من ألفي راوٍ اختارهم من نيف وثلاثين ألفًا من الرواة الثقات الذين يعرفهم.. فهل سمعتم وسمعت الدنيا أن كتابًا في نحو أربعة مجلدات وبعد حذف أسانيده يبقى في مجلد يروي صاحبه فيه ما سمعه من ألفي رجل ثقة يعرفهم ويعرف كل شيء عنهم هو وغيره من أهل العلم، ثم يتصل ما نقلوه منهم إلى النبي لكل لفظة سمعوها منه، فيقام لكل سطر من الكتاب شهود من الرواة يتحملون مسؤولية روايته؟!أهـ بتصرف.

قلت: فلعل المسلمين ينتبهون إلى هذا الكنز الذي بين أيديهم، فيعتنون به كما تعتني الأمم بذخائرها، ويكف السفهاء عن ملاحقة السنة وتوجيه الطعون إليها وإثارة الشبهات حولها؛ بحجة أنها لا توافق عقولهم السقيمة، وهم لا يعلمون أنه لا يوجد في تاريخ البشرية كلها أنصع من سنة النبيﷺ، ولا أشرف وأصح من سيرته المطهرة.

كما أوجه ندائي إلى هؤلاء الذين أقحموا أنفسهم في معترك علمي ليس هو من شأنهم، فراحوا يستطيلون على العلماء الكبار، ويخطئونهم وهم لم ولن يبلغوا معشار ما آتاهم الله من علم ومعرفة بكتاب الله وسنة رسوله

المطهرة.

الرابط المختصر :