العنوان تحديات أمام العمل الإسلامي المعاصر
الكاتب علي لاغا
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-2000
مشاهدات 97
نشر في العدد 1396
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 18-أبريل-2000
■ مطلوب إصدار فتاوى شرعية لدعم بناء المراكز العلمية وجعلها واجبًا شرعيًا يجوز الإنفاق عليه من الزكاة والصدقات
الصفحة الأخيرة من مجلة المجتمع منبر تطرح من خلاله الهموم والتطلعات وتسدى النصائح وتقدم الخبرات، فكانت نقوش على جدار الدعوة للشيخ الدكتور جاسم الياسين، ثم تتالت الخاطرات بغاية الحساسية والأهمية، خاصة تلك التي تحاول استشراف المستقبل وتصحيح الرؤى المعاصرة استنادًا للخبرات التي مرت بها الجهود الإصلاحية، وذلك بمراقبة خط سيرها المحددة معالمه صوب تلك القمة التي يرتفع فوقها قول الله جل وعلا: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ﴾ (البقرة: ١٤٣).
وقوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ﴾ (آل عمران: ۱۱۰)
ويدور في رأس المتجهين نحو تلك الغاية مشهد ربعي بن عامر وهو يقف أمام رستم قائد الفرس الذي سأله عن السبب الذي أخرجهم من جزيرة العرب وكل همهم في السابق كان يقتصر على طلب الأكل واللباس وما هو أبسط من ذلك. فيجيب: «نحن قوم قد ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدالة الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة..».
وفي أكثر من مقال على الصفحة الأخيرة، أثار الدكتور خضير جعفر مسألة المشروع الإسلامي المعاصر وكذلك عملية استبدال الشعور بالشعار وهذه أمور على كل غيور أن يساهم في بلورة إجابة عنها، عله في مزيد من الجهد والتمحيص والأحلام الواعدة يتوصل الباحثون والحالمون إلى مبتغاهم في طرح مشروع الخلاص، وعندها يمكن تلبية رغبة «دنيا تنظر إليهم كثيرًا وتنتظر منهم كثيرًا ولا تنتظرهم كثيرًا».
واستجابة لنداء الواجب، كانت هذه المحاولة المتواضعة في وضع نقاط على جزء من السطر، أو كلمة في صفحة:
يوجد فرق كبير جدًا بين الناس الذين توجه إليهم الرسول ﷺ بالدعوة، وبين أناس اليوم.
وأفضل ما يلخص لنا حالة أولئك ما قاله جعفر بن أبي طالب- رضي الله عنه- للنجاشي الذي سأله: «ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني؟» فأجاب جعفر «أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف...».
هذا في جزيرة العرب، وأما الحال في بقية أرجاء المعمورة فلم يكن أحسن حالًا، فالإمبراطورية الرومانية، «بيزنطة» كانت تسيم الرعية أبشع صنوف الظلم والطغيان، وكذلك بلاد الفرس حيث كسرى واستبداده... وفي المقلب الآخر «قارة أوروبا» كان الحال أقرب إلى الوحشية منه إلى المدنية والناس في أزمة وضيق.
واليوم، وبالرغم من كل الإنجازات التي تتجه إلى عولمة العالم، وجعله قرية صغيرة، فالناس يتطلعون إلى من يخلصهم من شرور كثيرة منها:
الجريمة: حيث جاء في كتاب فخ العولمة، منشورات عالم المعرفة ص ٣٥: أنه في ولاية كاليفورنيا فاق الإنفاق على السجون الميزانية الكلية للتعليم، «وأن هناك ۲۸ مليون مواطن أمريكي «عشر السكان» قد حصنوا أنفسهم في أبنية وأحياء سكنية محروسة»، والإنفاق على الحراس يساوي ضعف ما تنفقه الدولة على الشرطة:.. «هذا عدا الأرقام المذهلة لمعدلات الجريمة في الدول الغربية».
ظاهرة الانتحار، والأمراض النفسية والبطالة، والشح في الثروات وشبح المستقبل الجاف.
استئثار ۲۰٪ من سكان العالم بـ ٨٤,٧٪ من الناتج الإجمالي من العالم، وامتلاك ٨٤,٢٪ من التجارة الدولية، و٥, ٨٥٪ من مجموع مدخرات العالم فخ العولمة ص: «۷»، وتمركز الثروة العالمية بيد ٣٥٨ مليارديرًا يمتلكون مجموع ما يمتلكه نصف سكان العالم م س ص : ٦٠».
إن النظم الوضعية تفتش عن الأمثل أني وجدته، ولو من الشريعة الإسلامية، بقالب مناسب والعلوم التجريبية سيدة الموقف، كل ذلك يؤمن لها دفق الحياة عبر التجميل والتنقيح والنسخ.
وفي المقابل، فإن الإصلاحيين المسلمين ما زالوا أسرى مخزون من الكم الهائل المتراكم عبر ثروة فكرية لها وعليها أضحت وسيلة استهلاك الذات واجترار الماضي بالتماهي به بالشكل وليس بالمضمون، إن تلك الشروحات قد غطتها هالة القداسة دونما تمييز بين النص الأصلي وبين ما كان محاولة لإسقاطه على الواقع. لذلك يجب التوقف مليًا عند هذه المستجدات المعاصرة، والتركيز على بعض معالمها ومن ذلك:
أن الناس تبع لمن يؤمن لهم مصالحهم ومن امتلك ذلك فهو سيد الموقف ولدى المسلمين الكثير مما يحتاجه البشر، لذا يجب اعتبار المقاصد أساس الفهم وهدف الاستنباط فالأصل الإباحة، والمحرمات استثناءات موصوفة.
وجوب التعامل مع المادة بالقوانين التي تحكمها وتنحية مشاعر القداسة التي اختزنها المسلمون مما عشقوه في كتب بعض متصوفة المسلمين.
لزوم الإقلاع عن محاكاة الحركات الثورية في طرح المشروع الإسلامي، والتوقف عن متابعة الحكام ومخاصمتهم وتسقط هفواتهم دونما نظرة إلى الذات، حتى يتم تجنب ما حذر منه رسول الله ﷺ: «يرى أحدكم القذاة في عين أخيه ولا يرى الجذع في عينه»، إن مسؤولية السلطة تقع على رب البيت ومدير المؤسسة، وعلى صاحب الكلمة كما تقع على رأس هرم السلطة: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» «متفق عليه»، والتوجه إلى البناء الفعلي وإنارة كل زاوية من زوايا الحياة الخاصة والعامة.
اعتبار كل ما يحققه الباحثون المسلمون من إنجازات علمية جهادًا في سبيل الله، لا بل قمة الجهاد في هذا العصر، وإصدار فتوى شرعية تصنف بناء وتأسيس مراكز الأبحاث العلمية ضمن الواجبات الشرعية التي تلي بناء المساجد مباشرة، وإجازة الإنفاق عليها من أموال الزكاة والصدقات.
وأخيرًا: إن سرعة التطور تستوجب فكرًا إسلاميًا أخاذًا يتقدم ركب العولمة، ويحمل البشرى معطيًا للحياة معنى أجمل، وطعمًا أحلى، فالمنافسة واجبة والمسلمون لديهم المادة اللازمة، وسيسأل كل ذي لب عما قصر به.. والحياة دول.