العنوان الاستعمار الجديد.. الجذور وفرض الهيمنة على العالم
الكاتب سيد الفضلي
تاريخ النشر السبت 28-سبتمبر-2002
مشاهدات 65
نشر في العدد 1520
نشر في الصفحة 42
السبت 28-سبتمبر-2002
جيمس بيكر وزير خارجية أمريكا الأسبق ألقى خطابًا في جامعة هيوستن الأمريكية في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق تكلم فيه عن أسباب هذا الانهيار والدور الأمريكي فيه، استمر الخطاب أربع ساعات كان أهم ما فيه أن بيكر كشف عن لجنة أو هيئة أمريكية تم تشكيلها مع نهاية الحرب العالمية الثانية كانت مهمتها وضع ورسم الخطط الكفيلة باحتواء والعمل على انهيار الاتحاد السوفييتي.
وجه بيكر التحية والعرفان بالدور لمن رحل من أعضاء اللجنة أو الهيئة، قبل أن يشاهد بعينه ثمرة ما ساهم في إنجازه.. كما وجه الشكر والتقدير لمن عاش حتى شاهد سقوط وانهيار الاتحاد السوفييتي وتمزقه إلى دول.
صحيح أن هناك أسبابًا جوهرية لها دورها الكبير والأساسي في هذا الانهيار أو السقوط الذي لحق بالاتحاد السوفييتي الذي ظل يشكل إحدى القوتين العالميتين لسنوات طوال وأهم هذه الأسباب:
مجافاة الأسس والنظم والأفكار التي قام عليها الاتحاد السوفييتي للفطرة الإنسانية التي خلقت على الحرص على الحرية والعيش في أمن مع حب التملك والشعور بالعدل والمساواة.
سيطرة فئة بعينها على مقدرات الأمور وتمتعها بثمرة جهد الآخرين وعرقهم... مع سيطرة الحاجة والاحتياج على عامة الناس، الأمر الذي أدى إلى عدم الاكتراث بالإنتاج ووسائل الإنتاج.
أسلوب القهر والاستبداد الذي ساد الاتحاد السوفييتي السابق وراح ضحيته ملايين من البشر في زمن ستالين ودفع الناس إلى النفور والتطلع إلى يوم الخلاص.
سياسة التنافس والتسابق مع أمريكا التي انتهجها حكام الاتحاد السوفييتي السابق خاصة في مجال السلاح النووي والتي أدت بدورها إلى بيع الكثير من الموارد لتمويل التسلح الذري والسعي للتفوق، وأدت في الوقت نفسه إلى حرمان قطاعات شعبية كثيرة من الأساسيات والضروريات، وقبل كل هذا افتقاد العقيدة التي تحرك وتسير وتدخل الطمأنينة والسكينة على النفوس.
وقد تنبأ كثيرون بانهيار الاتحاد السوفييتي... وكان الشهيد سيد قطب واحدًا من أوائل الذين كتبوا في هذا المجال إلا أنه يجدر أن نشير إلى أمرين.. أن أغلب التنبؤات بانهيار الاتحاد السوفييتي رجحت أن يحدث ذلك بعد مائتي عام إن لم يزد على ذلك الأمر الآخر أن أمريكا ساهمت بالفعل في هذا الانهيار الذي حدث بعد سبعين عامًا من عمر الاتحاد السوفييتي، وهو أمر يؤكد في حد ذاته أن الاتحاد السوفييتي قام في الأصل على أسس ومعالم وأفكار تحمل في طياتها أسباب هدمه وعوامل انهياره.
المساهمات الأمريكية في مجال انهيار الاتحاد السوفييتي أشار إليها أحد أساتذة العلوم السياسية الأمريكية في كتاب صغير له تحت عنوان «السياسة الخارجية الأمريكية»، حين قال: إن أمريكا اتبعت سياسة معينة إزاء الاتحاد السوفييتي اعتمدت على الإيحاء لموسكو بأنها أحرزت تقدمًا بل تفوقًا على واشنطن في مجال الأسلحة الذرية والأقمار الصناعية، الأمر الذي يستدعي الحفاظ على هذا التفوق بل والسعي لتوسيع المسافة بين موسكو وواشنطن مما يستدعي بالتالي رصد ميزانيات ضخمة لتمويل التسلح النووي.. على حساب الحاجات الأساسية لعامة الناس.. وأيضًا على حساب الصناعات الأخرى الضرورية.
أيضًا اعتمدت السياسة الأمريكية بعد الحرب الثانية إزاء الاتحاد السوفييتي على أسلوب دفع الدول النامية للاقتراض من الاتحاد السوفييتي والسعي للحصول على مساعدات منه، مع إغلاق أبواب التمويل الأمريكي بل والغربي في وجهها.. وهو أمر رحب به الاتحاد السوفييتي واعتبره من بين أسباب ووسائل تأكيد الوزن والوضع على الساحة الدولية كقوة كبرى قادرة على المنافسة.. وساعية إلى إثبات الوجود وتأكيد الدور.. وفي هذا المجال والإطار يمكن أن ينظر إلى تمويل السد العالي في مصر من الاتحاد السوفييتي والضجة التي أثيرت حوله.
ومن المعروف أن دول شرق أوروبا أعلنت تذمرها حين كانت تقتطع من ميزانياتها ومن قوت شعوبها لتدعم الاتحاد السوفييتي ليبدو في المستوى الملائم والمناسب كإحدى القوتين الدوليتين وكزعيم للمعسكر الشيوعي، ثم وجدت موسكو تلجأ إلى منح القروض والمساعدات لدول العالم الثالث، في حين كان الأولى بها إعفاء دول شرق أوربا من تحمل أعباء دعم الاتحاد السوفييتي أو توجيه القروض والمساعدات لشعوبها المحتاجة والمحرومة.
خطاب جيمس بيكر في جامعة هيوستن ألقى الأضواء على مدى التركيز الأمريكي لوضع أسس ومعالم وأبعاد ترتكز عليها السياسة الأمريكية إزاء الآخرين من أبرزها:
اعتماد العمل المؤسسي لضمان الوصول لنتائج.
رسم سبل وأساليب وأهداف وغايات للعمل على أسس علمية موضوعية من خلال دراسات تنهض بها أو تشارك في رسمها مراكز أبحاث وجامعات ومعاهد تنتهي إلى وضع خطط واضحة الأهداف واضحة السبل تصل بصاحب القرار للنتائج والغايات والأهداف المرسومة.
توفير المتطلبات والإمكانات والأجواء التي تعين وتساعد على إعمال الذهن والفكر وانطلاق البحث، وفي هذا الإطار جرى الإغداق والإنفاق مع إفساح أجواء الحرية وتوفير ضمانات الأمن وهما مع المال والإنفاق عناصر أساسية لينهض أهل العلم والتخصص بدورهم المطلوب ومساهماتهم المنتظرة.. ومن جهة أخرى يفسحان المجال واسعًا أمام الإبداع والابتكار والاختراع.
وكما سعت أمريكا مع نهاية الحرب الثانية من أجل انهيار الاتحاد السوفييتي ووضعت الخطط ورسمت السياسات لإزاحة قوة دولية من ساحة المنافسة وصولًا لإحكام هيمنتها على العالم، فقد سعت أيضًا- ولكن قبل أن تنتهي الحرب- لإحكام القبضة على عالمنا العربي والإسلامي، ووضعت الخطط ورسمت السياسات للوصول إلى ذلك الهدف، فالعالم العربي والإسلامي فيه تلتقي وتتفرع أهم شبكة للمواصلات في العالم وفي جوف أرضه منابع البترول القوة المحركة التي تحرك صناعات العالم، سواء في أقصى الشرق أو في الغرب وتسير وسائل مواصلات وأسلحة وأدوات الحرب، وبإحكام السيطرة عليه يصبح إحكام الهيمنة على العالم كله أمرًا في متناول السياسة الأمريكية، ومن ثم جندت أمريكا وما زالت تجند جامعاتها ومعاهدها ومراكز أبحاثها لوضع وتجديد وتعديل السياسات لتثبيت جذور الاستعمار الجديد.. وتحقيق أهداف السيطرة والهيمنة على عالمنا وصولًا لتأكيد الهيمنة على العالم بأسره.
أهم ما طرحته واعتمدته السياسة الأمريكية إزاء عالمنا هو الدكتاتوريات خاصة الدكتاتوريات العسكرية التي أفرزتها الانقلابات العسكرية. والدكتاتوريات خاصة العسكرية قدمت وما زالت تقدم لأمريكا الكثير، وعلى سبيل المثال: ضمان وتأكيد المصالح الأمريكية.. توثيق الروابط بالاقتصاد والدولار الأمريكي وإفساح المجال أمام الشركات الأمريكية والمتعددة الجنسية والسعي لإنهاء حالة الحرب مع الكيان الصهيوني واعتماد شعار السلام خيارًا استراتيجيًا لا رجعة عنه.
وبهذه المناسبة نشرت إحدى المجلات الأمريكية المعروفة لمراسلها في قطر عربي دراسة قال فيها إن النظام الحاكم في هذا القطر لا يود في حقيقة أمره ولا يسعى بجدية لإنهاء أو إزاحة الاحتلال الصهيوني الجاثم فوق قطعة من أرضه ليبقى شعار.. بقاء الحال والأوضاع في داخل القطر على ما هو عليه طالما بقي الاحتلال الصهيوني.. ولا مجال لإثارة قضايا الحريات أو إلغاء القوانين الاستثنائية طالما اليهود موجودون فوق الجزء المحتل لأن المعركة المزعومة لها الأولوية والسبق، ودونها فلتتوار ولتتراجع كافة حقوق الإنسان العربي والمسلم في هذا البلد المبتلى.
الدكتاتوريات- خاصة العسكرية- في ظل الحصار الأمريكي الذي يحول دون العالم العربي والإسلامي والتكنولوجيا الحديثة والعلم الحديث أسهمت في تأكيد التخلف العربي على ساحات كثيرة؛ إذ إن حرمان الإنسان العربي والمسلم من حريته مع سلب أمنه أدى إلى الشعور بالقهر... والإحساس بالغربة.. ودفع هذا بالإنسان في اتجاه العزلة كما قتل روح الابتكار والإبداع في أعماقه.. وفي حالات أخرى أدى إلى هروب أهل العلم والتخصص.. والاستجابة للإغراء الأمريكي غير المحدود.
والحصار الأمريكي الذي يحول دون العرب والمسلمين وامتلاك السلاح النووي.. مع التهديدات الأمريكية المتواصلة بتسيير الجيوش للبطش بالدول الشريرة التي تزعم أمريكا أنها تجرأت على الخوض في مجال تصنيع وإنتاج أسلحة الدمار الشامل.. كل ذلك وغيره يمثل مدى السعي الأمريكي المصحوب بالتهديد بالضربات العسكرية لمنع العرب والمسلمين من إحراز تقدم علمي وتكنولوجي أو التفكير في امتلاك سلاح نووي يردع العدوان.. ويدفع الخطر ويوفر ولو جزءًا من الأمن ويواجه خطر الكيان الصهيوني الغاصب الذي صار يمتلك ترسانات من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل التي كان للمساعدة الأمريكية والعون الأوروبي النصيب الأوفر في تصنيع وامتلاك العدو لها، ورفضه التوقيع على الاتفاقيات الدولية الخاصة بمنع انتشار الأسلحة النووية أو قبول تفتيش على ترساناته ومفاعلاته. وأمريكا في إطار سياستها المرسومة ومن أجل تحقيق أهدافها تقف ضد أي خطوة تهدف أو تسعى لتحقيق وحدة الصف العربي والإسلامي. لقد صار الخطر محدقًا بالشعوب وبالأقطار وبالحكام.. ومنطق المصلحة والمواجهة الصحيحة يقول بوحدة الصف العربي والإسلامي وإعادة ترتيب البيت على مستوييه أيضًا العربي والإسلامي.. ولكن الخلافات بين الحكام كما هي.. والهوة والفجوة بين الحكام والشعوب تزداد اتساعًا.. وليس ثمة محاولة لتضييق الفجوة أو إزالة الجفوة.. فلا تفكير في قمة عربية فاعلة تتخذ قرارًا فاعلًا أو مؤتمرًا إسلاميًا يكون على مستوى الأخطار والكوارث المرتقبة.. ولكن يبقى شعار ضرورة الإعداد الجيد للقمة.. لضمان الوصول إلى قرار على المستوى المطلوب مرفوعًا في محاولة للهروب من الواقع خلفه رغم أنه يفضح ولا يجمل.
وتمضي السياسة الأمريكية الحريصة على ضرب أو منع الوحدة والاتحاد نحو هدفها.. في حرص على التجزيء والتفتيت.. وفي الآونة الأخيرة كشفت الكثير عن سعيها من أجل تفتيت وتجزيء أقطار العرب والمسلمين إلى دويلات: في العراق.. دويلات في الشمال والوسط والجنوب... مع تقسيم السودان تحت شعار تقرير المصير وفصل شرق تيمور.
وأمريكا مع فساد وإفساد كثير من الحكومات بعد أن انتشرت واستفحلت عمليات السرقة والنهب والرشوة والعمولات... وابتلعت ميزانيات الأجهزة الأمنية- التي تم تسخيرها لخدمة الدكتاتوريات وأمنها- جزءًا كبيرًا من موارد البلاد والعباد.. بل إن المعونة الأمريكية في حد ذاتها وسيلة من وسائل الإفساد.. وفي ظل الدكتاتوريات بوجه خاص عشش ويعشش ويفرخ الفساد.. والسقطات كثيرة ومرصودة أمريكيًا.
وسقطات الدكتاتوريات والحكومات العربية والإسلامية المرتبطة أو الدائرة في الفلك الأمريكي الكثيرة لها أكثر من وجه يمكن أن يحرج ويجرح الحكام خاصة وهي مرصودة أمريكيًا.. فالدكتاتوريات تحرص على الالتحاف بالدعم الأمريكي والتدثر برضا واشنطن، مع صرف النظر عن دعم وتأييد الشعوب وقد شمل الغضب الشعبي العربي والإسلامي وطال الهيمنة الأمريكية وبالطبع شمل وطال الحكومات المرتبطة بواشنطن.. ولو فكر حاكم مرتبط بواشنطن في كسب ود شعبه.. فلا بد أن يغير في السياسات والتوجهات.. وأهم تغيير في السياسات هو أن يعترف بحق الشعب في اختيار ممثليه ومسؤوليه.
وليس هناك ما يضمن لحاكم دكتاتور ومرتبط بأمريكا أن ينال ثقة وأصوات أبناء شعبه في انتخابات حرة ونزيهة، فهي لا بد سترجح معارضيه خاصة إذا لمس الناس فيهم النزاهة والأمان.. أي أن حكومة جديدة ستتولى زمام الأمر.. ومن ثم فاحتمال تقليب الملفات والكشف عن المستور والفساد والمفاسد.. وإجراء المحاسبات احتمال وارد.. الأمر الذي يدفع الدكتاتوريات إلى مزيد من التشبث بالسلطة وبذل المزيد كي تحوز الرضا والدعم الأمريكيين واللجوء إلى الأجهزة القمعية لإخماد صوت الداخل، ومن ثم يؤدي الأمر إلى اتساع في الهوة بين الحاكم والمحكومين.
وموقف كثير من الحكومات العربية والإسلامية من القضية الفلسطينية بالنسبة للعمليات الاستشهادية.. وبالنسبة للاجتياح اليهودي الوحشي للضفة والتصفيات اليهودية الجسدية للقيادات الفلسطينية.. وبالنسبة للسعي اليهودي الفاضح لتصفية القضية... وإغلاق الملف.. يجسد الأثر والتأثير الأمريكي وليس وحده الشعب الفلسطيني الذي يدفع الثمن أكثر من فادح.. بل تدفع الثمن أيضًا كل الشعوب العربية والإسلامية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل