; الاتحاد الروسي على طريق الاتحاد السوفييتي | مجلة المجتمع

العنوان الاتحاد الروسي على طريق الاتحاد السوفييتي

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

مشاهدات 59

نشر في العدد 1229

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

باستثناء التسمية وبعض التفاصيل.. لا تكاد تختلف أوضاع الاتحاد الروسي في الوقت الحاضر اختلافاً يُذكر عن أوضاع الاتحاد السوفييتي قبيل انهياره، سواء في ذلك الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية والعلاقات الإقليمية والدولية، ولا يستبعد أن يكون بعض المعاهد ومؤسسات الدراسات المستقبلية في الدول الغربية قد بدأ يشتغل فعلًا بالسؤال عما يمكن أن يترتب على تفكك الاتحاد الروسي في المستقبل المنظور، وهذا علاوة على ما ينشر بين الحين والآخر في وسائل الإعلام بصيغة التحذير من العواقب في غالب الأحيان.

ألا ينبغي أن نتساءل ما إذا كان هذا الاحتمال ذلك «وأمثاله من ساحة التطورات الدولية المحتملة» موضع البحث بصورة مماثلة أو مشابهة في بلادنا العربية والإسلامية.. هذا مع ملاحظة أنها هي الأحوج إلى التفكير بما يمكن أن يلحق بها من تلك التطورات الدولية المحتملة، وبما ينبغي عليها صنعه کیلا تضطر إلى الاكتفاء في المستقبل بردود الأفعال، كما كان مع معظم التطورات الدولية الكبرى الماضية.

الانقلاب العسكري المستبعد:

الوضع الداخلي في الاتحاد الروسي منهار، على أوسع نطاق، ولو أردنا بيان ذلك عبر الأمثلة الواقعية لوجدناها لا تنقطع منذ فترة طويلة نسبيًا، منها قبيل كتابة هذه السطور، إعلان جورج ويبر-الأمين العام للاتحاد الدولي لهيئات الصليب الأحمر والهلال الأحمر - أثناء زيارة لموسكو يوم 23/١٠/1996م، أن عدد من يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية أصبح يتراوح بين ٣٠ و40 مليونًا من أصل ١٥٠ مليون نسمة في الاتحاد الروسي، وكانت الحكومة الروسية قد تلقت رسالة نشرتها الصحف الروسية، وتردد أنها من كبار قادة الجيش يحذرون فيها من «عواقب» عدم صرف الرواتب المتأخرة منذ أغسطس «آب» الماضي، محددين يوم ٢٣ / ١٠ / ١٩٩٦م كموعد نهائي فيما يشبه صيغة الإنذار.. وورد في تلك الرسالة: «إننا لم نستطع شراء حتى الكتب المدرسية الأساسية لأولادنا مع بدء السنة الدراسية».

ووصف وزير الدفاع الروسي إيجور روضيونوف الوضع بأنه «ينذر بالخطر»، وقال يوم 25/١٠/1996م «يجب أن تعلم القيادة الروسية ويعلم المجتمع الروسي أن النقص المالي أوصل القوات المسلحة إلى حافة وقوع تطورات لا يمكن ضبطها»، وذكر رئيس النيابة العسكرية فالنتين بانيشييف أن دخل الجندي الروسي هبط إلى ما يعادل ۱۸۰ دولارًا تقريبا، ولكن الوزير الروسي استبعد حدوث تمرد أو انقلاب عسكري، ولا يعود ذلك إلى عدم الرغبة في التمرد، بل يعود - على حد تعبير الصحفي الروسي باول فيلجنهاور - إلى افتقاد «الهياكل التنظيمية المناسبة للقيام بانقلاب على غرار ما تعرفه أمريكا الجنوبية، فالجيش الروسي الضخم لا يعرف نظام الفرق العسكرية القادرة على التنسيق فيما بينها»، وعلى الرغم من الأوضاع المالية المتردية لا يرى مشروع ميزانية عام ١٩٩٧م- كما يقول وزير الدفاع - تخصيص ما يصل إلى ثلث الحد الأدنى الضروري للحفاظ على القوات المسلحة الروسية.

ويبدو أن محاولة الانقلاب التي أقدم عليها القادة العسكريون الشيوعيون في أواخر العهد - السوفييتي ضد جورباتشوف واخفقت في - اغسطس «آب» ۱۹۹۱م، تفعل فعلها حتى الآن في إحجام القادة العسكريين عن التفكير باتجاه مماثل في الوقت الحاضر، هذا علاوة على الاقتناع عمومًا بأن نجاح استلام العسكريين للسلطة لا يعني حل المشكلات القائمة على كل صعيد، بما فيها القطاع العسكري، ولكن يفتح الأبواب أمام سلسلة نزاعات دموية يستحيل التنبؤ بنتائجها وبمن سيقع ضحية لها أو ينجو بنفسه.

 ويبقى الحديث المتكرر عن احتمالات التمرد العسكري ورقة يوظفها كل طرف لتحقيق أغراضه داخل الاتحاد السوفييتي وخارجه، وهذا ما صنعه رئيس مجلس الأمن القومي الروسي الكسندر ليبيد عندما أقيل من منصبه، كما وظفها خصومه عبر اتهامه بالإعداد للوصول إلى السلطة بالقوة، ومن المرجح أن كثرة الحديث عن وضع القوات المسلحة على السنة كبار المسؤولين في موسكو في الوقت الحاضر يستهدف التأثير على موقف العامة من السكان، سواء من حيث إن «الجميع في الهم سواء»، لتخفيف السخط القائم تجاه الطبقة الثرية ثراء فاحشا، أو من حيث التخويف من أن ازدياد الضغوط على السياسيين يمكن أن تدفع العسكريين إلى التحرك بما يعود بالضرر الأكبر على عامة السكان.

على أن الدول الغربية أيضًا توظف هذه الورقة بصورة غير مباشرة ومقترنة بالتلويح بمخازن الأسلحة النووية والكيماوية والجرثومية في الاتحاد الروسي، وهو نوع من «التخويف» لإقناع المواطن الغربي بضرورة تقديم الدعم المالي لموسكو، وقد تجاوز في هذه الأثناء ۱۲۰ مليار دولار خلال 5 سنوات، أي ما يعادل زهاء ١٠٪ من كافة القروض الخارجية المتراكمة على أكثر من ١٣٠ دولة نامة على امتداد أكثر من ٥٠ سنة.

خلفية المخاوف الغربية:

وفي هذا إشارة إلى ضخامة الثمن الذي تدفعه الدول الغربية للاستقرار في موسكو، والذي يعبر مباشرة عن مخاوفها من انهيار الأوضاع في الاتحاد الروسي نهائيا، وصحيح أن التعليل الرسمي لذلك يلبس على الدوام أردية الدفاع عن الديمقراطية و«الإصلاحات الاقتصادية»، وما شابه ذلك، ولكن مخاوف الغرب من أن ينهار الاتحاد الروسي، سواء بسبب انقلاب عسكري أو أي سبب آخر، تعود إلى حقيقة أن استمرار وجوده يحقق عدة أهداف غربية في الوقت الحاضر، وهي بإيجاز:

·       الهيمنة الروسية في المنطقة الإسلامية وسط آسيا، والحيلولة دون أن تصبح امتدادًا أو سندًا لبقية الأرض الإسلامية جنوبا، وكذلك للمنطقة الإسلامية التي ما تزال تخضع للسيطرة الروسية المباشرة وتتطلع إلى التحرر أيضا.

·       موازنة القوة الصينية المتصاعدة في شرق أسيا، لا سيما وأن الصين أصبحت آخر معاقل الشيوعية «المتطورة» اقتصاديا وسياسيا.

·       الاحتمالات المستقبلية التي تصور الاتحاد الروسي سوقا ضخمة للاستثمارات والصادرات الغربية على نطاق واسع، إلى جانب استغلال الثروات الأرضية المنتشرة فيه، لا سيما في المناطق الإسلامية، وكذلك ما يهيمن عليه من ثروات الدول «المستقلة»، وسط آسيا.

·       تحول موسكو في عصر «الوفاق الدولي» إلى القيام بدور شبيه بما كانت تلعبه «تركيا أتاتورك»، في حقبة الحرب الباردة، إذ كانت حاجزًا في وجه انتشار الشيوعية، العدو القديم، وموسكو الآن حاجزًا في وجه انتشار المد الإسلامي، العدو الجديد، وهو ما لا يقتصر على حرب ما يوصف بالأصولية في إطار العداء الأشمل للإسلام، بل ويمثل أيضًا مواجهة احتمال تلاقي البلدان الإسلامية ما بين تركيا وإندونيسيا على قاسم مشترك من «المصالح الإسلامية التقليدية»، بغض النظر عن وصول الإسلام إلى السلطة أو عدم وصوله

ويضاف إلى ما سبق من المنظور الأمريكي وحده:

·       استمرار وجود الخطر الروسي في الشرق - مع المخاوف من احتمالات وقوع نكسة فيما يسمى الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، هو كما أثبتت ساحة البلقان- في مقدمة ما باتت السياسة الأمريكية توظفه للضغط على التوجهات الأوروبية نحو استقلالية سياسية وأمنية أكبر عن واشنطن نتيجة الإحساس بزوال الحاجة إلى مظلتها النووية الواقية، وازدياد بروز تناقض المصالح بين جانبي - الأطلسي.

ويبدو أن الدول الغربية التي قطعت شوطًا -بعيدًا في دعم الاتحاد الروسي لهذه الأغراض وأمثالها، بدأت تدرك أن احتمالات انهياره لم تعد - مستبعدة، وربما كان هذا هو السبب في إعلان - الرئيس الأمريكي كلينتون بعد تردد طويل عن موعد البدء في توسيع حلف شمال الأطلسي شرقًا على الرغم من الاعتراضات الروسية، فقد أصبحت الأولوية لتأمين الجناح الشرقي للحلف تحسبًا لأي تطور غير منتظر في موسكو نفسها، والمراقبون الغربيون الذين لا يستبعدون حدوث «نزاع عسكري» على الأقل يشيرون على سبيل المثال إلى عودة روتسكوي - النائب السابق للرئيس يلتسين وعدوه اللدود - إلى الساحة السياسية بفوزه بمنصب الحاكم العام في مدينة كورسك، وإلى إعلان ليبيد عزمه على ترشيح نفسه لمنصب الحاكم العام في تولا، حيث بدأ حياته العسكرية، وحيث يوجد عدد كبير من فرق الإنزال الجوي الروسية، وكان قد. تحالف قبيل إقالته من منصبه مع كورشاكوف- القائد السابق للحرس الشخصي للرئيس الروسي- والذي أقيل من منصبه بعد خلافه مع يلتسين، ويؤكد الخبراء بأوضاع الجيش الروسي، أن هذا الثلاثي من الجنرالات سابقًا، يتمتع بتأييد قطاعات كبيرة من القوات المسلحة، ويمكن بذلك أن يشكل خطرًا حقيقيا على السلطة في موسكو، إذا ما - جمعته المصالح المشتركة على طريق واحد.

 ومما يشير إلى حجم القلق السائد داخل العاصمة الروسية، تلك الرسالة العلنية من جانب بوريس يلتسين يوم ٢٥ / ١٠ / ١٩٩٦م لأقطاب السلطة، متوعدًا بإقالة كل من يمضي - مثل ليبيد- في معركة الصراع على السلطة شوطًا بعيدًا، وينتقل بمواقفه وتحركاته إلى العلنية، مهملًا الواجب الرئيسي الملقى على عاتق سائر أطراف السلطة، والذي يجب عليهم التعاون على أدائه- على حد تعبير يلتسين - ولم تكن قد مضت أيام معدودة على ما يشبه المحاولة اليائسة لكسر حدة الصراع على السلطة، من خلال تشكيل جهاز تنسيق يجمع بين أقطابها الرئيسيين وفق رغبة الرئيس الروسي.

والواقع أن يلتسين نفسه يحمل المسؤولية الأكبر عن صراع مراكز القوى حوله، فهو الذي مارس منذ ظهوره على المسرح السياسي في أواخر العهد السوفييتي أسلوب ضرب خصومه بعضهم بعضا، والتحالف مع منافسيه ليتخلص منهم واحدًا بعد الآخر، بدءًا بالتعاون مع روتسكوي وحسبولاتوف ضد جورباتشوف مرورا بالتعاون مع تشيرنومردين وتشوباس، مع التضحية بجايدر وأقرانه من أعلام الإصلاح الاقتصادي بمعنى الأخذ بالمنهج الرأسمالي، وانتهاء بإدخال ليبيد إلى الكرملين والتخلص من جملة من أصحاب النفوذ دفعة واحدة بمن فيهم وزير الدفاع السابق جراتشوف.

وفي المرحلة الأخيرة بالذات اعتمد يلتسين على الموازنة بين ثلاثة أجنحة، وضع هو على رأس أولها ليبيد، وعلى رأس الجناح الثاني تشوباس - رئيس مكتب الرئاسة داخل الكرملين، وعلى رأس ثالثها تشيرنومردين - رئيس الوزراء، ولم يعتمد في هذه الموازنة على التنسيق بين هذه الأجنحة الثلاثة، بل تعمد الفصل بينها، وتركها منذ انتخابات الرئاسة تتصارع على الصلاحيات ومواقع النفوذ، ليكون هو صاحب كلمة الفصل في نهاية المطاف.

الحالة الأخطر على روسيا:

والأخطر على الاتحاد الروسي من الصراع على السلطة بحد ذاته أنه يقوم على أرضية من الفساد والرشوة والجريمة المنظمة، مما تغلغل إلى ذروة السلطة.. وليس مجهولًا على سبيل المثال أن تشيرنومردین بات يوصف برجل النفط والغاز لاعتماد الأثرياء الجدد من هذا القطاع الاقتصادي الروسي عليه اعتمادًا رئيسيًا، والواقع أن طبقة الأثرياء تكونت فور سقوط الاتحاد السوفييتي من مديري المنشآت الصناعية وعبر نقلها إلى القطاع الخاص، لم يعد يسهل الحد من نفوذها على القرار السياسي في موسكو، وعندما كشفت الهيئة العليا للرقابة المالية، قبل بضعة أسابيع عن صفقات بالمليارات غير قانونية، وقد جعلت من حرب الشيشان مصدرًا للثراء الفاحش لحساب كبار أصحاب النفوذ في الجيش وفي الحكومة وفي القطاع الاقتصادي، لم يؤد ذلك الإعلان إلى أي نتيجة عملية سيان هل بسبب أن كلا منهم يعتمد على مركز من مراكز القوى في السلطة، أو أنهم جميعًا يسكتون عن بعضهم بعضا، وكثيرًا ما تخلص يلتسين من أحد من المسؤولين بإقالته واقترن ذلك بكشف تورطه في الفساد والرشوة، ثم عاد إلى الساحة السياسية بعد فترة من الزمن.

وليس مجهولًا أن أصوات التأييد التي حصل ليبيد عليها في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية الأخيرة كانت في الدرجة الأولى لرفعه شعار إعطاء الأولوية لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة، وهذا ما يشير إلى مدى انتشار السخط على مستوى السكان، وهو ما يؤكد من جهة أخرى أن التطورات الداخلية في الاتحاد الروسي يمكن أن تؤدي به إلى الانهيار، وإن أمكن تجنب وقوع تمرد عسكري أو نزاعات داخلية مسلحة.

ويمكن أن نضيف إلى ذلك عاملًا آخر وهو سياسة الهيمنة الإقليمية، والتي قد تعجل بالانهيار الداخلي، وإن كانت لا توحي بذلك للوهلة الأولى، فالواقع أن السياسة وما يقترن بها من عمليات عسكرية باتت في مقدمة أوجه الشبه بين الاتحاد الروسي حاليا والاتحاد السوفييتي قبيل انهياره فطاجيكستان اليوم أشبه بما كانت عليه أفغانستان آنذاك، وتعامل يلتسين مع الشيشان شبيه بتعامل جورباتشوف من قبل مع أذربيجان، ولا يوجد فارق كبير من حيث الجوهر بين ما يدور من خلاف مع الغرب بشأن توسع حلف شمال الأطلسي شرقًا، وبين ما كان يدور من خلال سوفييتي. غربي بصدد مصير دول البلطيق قبيل سقوط الشيوعية.

ولاشك أن الدول الغربية ستسعى على الرغم من تفاوت دوافعها وأهدافها، لدعم استمرار وجود الدولة الروسية بحدودها الحالية، ودعم البحث عن بديل للقيصر الروسي المريض، كذلك لا يستبعد أن يسعى القادة الروس لتجاوز صراعاتهم والالتقاء على أرضية مشتركة لتوزيع تركة يلتسين فيما بينهم، ولكن هذه المساعي والحلول الوسطية الاصطناعية لا تكفي للتعويض عن اهتراء الأسس والدعائم الداخلية التي تقوم عليها دولة بحجم الإمبراطورية جغرافيًا، ويبقى الاحتمال الوحيد للنجاة، هو أن يظهر فريق آخر من السياسيين بزعامة قوية ونظيفة، ينجح في تنفيذ عملية تطهير شامل استنادًا إلى تأييد الغالبية من السكان بما یوازن مفعول مراكز القوى الحالية، ولا يبدو ذلك قابلًا للتحقيق في الوقت الحاضر، ولئن تحقق فمن العسير أن يقع تطور تاريخي من هذا القبيل دون أن تتقلص مساحة الاتحاد الروسي، كما شهد الاتحاد السوفييتي عقب ظهور حركة جورباتشوف الإصلاحية.

 وبهذا الصدد تعتبر الشيشان بالذات بمثابة الإشارة إلى اتجاه الريح في المستقبل، وهذا ما يحتاج المسلمون إلى استيعابه للتعامل مع الأحداث في الوقت المناسب، بدلًا من انتظار التطورات وما ستسفر عنه، ومن يغلب عليه القنوط من تحرر الشيشان وأخواتها الآن - كما غلب القنوط زمنًا طويلًا من تحرر أذربيجان وأخواتها من قبل - فلن يتمكن من إقامة الجسور الضرورية مع دول الغد المستقلة، تمامًا كما حصل عند ظهور الدول الإسلامية المستقلة وسط آسيا على الساحة السياسية قبل بضع سنوات فحال حتى الآن دون تحقيق المصالح الإسلامية المشتركة كما ينبغي.

الرابط المختصر :