العنوان الابتكار طعم آخر للحياة - كليلة ودمنة
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 13-يناير-2007
مشاهدات 76
نشر في العدد 1734
نشر في الصفحة 61
السبت 13-يناير-2007
في الحلقة الماضية ذكرنا المجال الأول من مجالات الابتكار وهو التأليف. وفي هذه الحلقة تتناول:
مجال الأدب
وهو مجال متشعب يشمل اللغة والشعر والقصة والأمثلة واللغات والطرائف والملح وعادات الشعوب والرحلات وغيرها، فقد ابتكر العلماء الكثير من المؤلفات في هذا المجال. فخصص بعضهم كتبًا في الأمثال العربية، وقصة كل مثل (1)، وكتبا جمعت الحكم (۲). وكتبا عن الألغاز والأحاجي، وكتبا عن القصص الواقعية والقصص الطويلة (۳). وكتب الملح والفكاهات مثل كتاب الحمقى والمغفلين وكتاب الاذكياء لابن الجوزي، وكتب النوادر التي تشمل فنونا كثيرة کالخطب والأجوبة المسكنة وأيام العرب وأشهر أبيات شعر العرب، وأخبار الحمقى، ودقائق الفقه والإعراب ومن أشهر الكتب التي تخصصت في ذلك. كتاب (العقد الفريد) لابن عبدربه ومن أشهر كتب الأدب في العصر القديم ويعتبران إبتكارًا صارخًا في ذلك الزمان كتاب (كليلة ودمنة) وكتاب (مقامات الحريري)
كليلة ودمنة
هذا الكتاب هندي الأصل ألفه الفيلسوف الهندي (بيدبا) لملك الهند (دبشليم) وسبب تأليفه، أن (دبشليم) كان ملكا ظالما، وطاغية تجاوز طغيانه الأخضر واليابس، وأهلك الحرث والنسل، وكان (بيدبا) أحد أشهر فلاسفة ذلك الزمان، فأخذ على نفسه عهداً أن ينصح الملك للكف عن ظلمه وتقدم إليه، ونصحه نصيحة بليغة، ولكن الملك غضب من نصيحته وأودعه السجن مكبلاً بالقيود والسلاسل مدة طويلة من الزمن، وفي لحظة صفاء للملك تفكر في كلام (بيدبا)، وحاسب نفسه، وندم على ما فعل بالفيلسوف وأحس بخطئه، فأمر به بالمثول أمامه وطلب منه إعادة النصيحة إليه، وبدأ يتفكر في كل حرف فيها ويتندم أشد الندم على ما جرى منه بحق الرعية فأكرم (بيدبا) أعظم الإكرام وأمره بأن يسيّر أمر الرعية، ويصلحها، فقام بذلك حق القيام، ثم طلب منه أن يؤلف باسمه كتابا يذكر فيه الحكم والنصح ليكون عبرة للملوك ولكل من قرأه، فألف كتابا على ألسنة البهائم سماه«كليلة ودمنة» في أواخر القرن الرابع الميلادي.
وهنا يكمن الإبداع، فهو كتاب أدب وسياسة وحكمة على ألسنة البهائم، وفي كل عبارة حكمة. وفي كل قصة قصد، وقد ترجم الكتاب إلى عدة لغات، ويقال إن ملك الفرس كسرى أنوشروان (٥٣١ هـ - ٥٧٩م) لما بلغه أمره أراد الاطلاع عليه للاستعانة به في تدبير شؤون رعيته، فأمر بترجمته إلى اللغة الفارسية القديمة، واختار لهذه المهمة طبيبه (برزويه). وأضاف إليه حكايات هندية أخرى، وفي منتصف القرن الثامن الميلادي، نقل الكتاب إلى العراق من الفارسية إلى العربية، وأدرج فيها بابًا جديدًا تحت عنوان (الفحص عن أمر دمنة) وألحقت به أربعة فصول لم ترد في النص الفارسي، وكان ذلك على يد الأديب المبدع عبد الله بن المقفع والذي جعل هذا الكتاب يشتهر هذه الشهرة العالمية هو الإبداع بتناول قضايا سياسية، وإسقاطات للمشاكل الإنسانية حتى زماننا هذا بأسلوب سهل.
أمثلة من الكتاب
نقتبس من الكتاب هذا المثال:
السمكات الثلاث: قال دمنة زعموا أن غديرا كان فيه ثلاث سمكات عظام، وكان ذلك الغدير بفحوى من الأرض، فلما كان ذات يوم اجتاز من هناك صيادان فأبصرا الغدير، فتواعدا أن يرجعا بشبكتهما فيصيدا تلك السمكات الثلاث، فسمعن قولهما فقامت أعقلهن بعد أن أخذت بالحزم، فخرجت من مدخل الماء الذي كان يخرج من الغدير إلى النهر، فتحولت إلى مكان غيره، وأما الثانية التي كانت دونها بالعقل فتأخرت في معالجة الحزم حتى جاء الصيادان فقالت: قد فرطت فكيف الحيلة على هذا الحال للخلاص؟ وقل ما تنجي حيلة العجلة والإرهاق ولكن لا تقنط على حال، ولا ندع ألوان الطلب، ثم إنها للحيلة تماوتت فطفت على الماء منقلبة على ظهرها فأخذها الصيادان يحسبانها ميتة، فوضعاها على شفير النهر الذي يصب في الغدير فوثبت في النهر فنجت من الصيادين وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت.
وأنا أرى أيها الملك معالجة الحزم في الحيلة كأنك تراه رأي العينين، فتحسم الداء قبل أن تبتلى به، وتدفع الأمر قبل نزوله (4).
وهكذا بقية القصص كل قصة فيها عبرة وغاية يراد بها إصلاح الراعي والرعية.
الهوامش
(۱) مثل كتاب (مجمع الأمثال) للميداني.
(۲) مثل كتاب (معجم حكمة العرب) الأمل شلق.
(۳) من أجملها روايات الكيلاني.
(4) كليلة ودمنة ص ٨٦ / ط - دار المشرف.