العنوان تعقيب على مقال غياب الهدف من حياتنا العلمية والعملية
الكاتب أم صهيب
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1997
مشاهدات 72
نشر في العدد 1264
نشر في الصفحة 59
الثلاثاء 26-أغسطس-1997
إلى الأخت الكاتبة محبة الدين سماء
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
لقد قرأت موضوعك المعنون بـ «غياب الهدف من حياتنا العلمية والعملية» في مجلة المجتمع عددي 1249 و1250، وحاولت وأنا أعيد قراءة الموضوع المرة تلو المرة أن أحدد الهدف الذي تريدينه وتنشدينه في موضوعك، فلم أتوصل إلى شيء من خلال سطورك الكثيرة جدًّا والتي تدور في ذلك البحث العلمي، وكان بإمكانك أن تصبغي موضوعك بلغة أكثر بساطة؛ ليتسنى للجميع فهمه وإدراك هدفه.
نعم لابد لكل إنسان من هدف، لكن ألا ترى أختنا الكاتبة أننا كمجتمعات إسلامية تحيط بنا أخطاء من أنفسنا ومن غيرنا تحول دون بلوغ الكثير من ذوي الطموحات والتوابع أهدافهم، إن هم استطاعوا تذليل العقبات التي من أنفسهم، فإنهم لا يستطيعون درء القهر والعقبات التي تسلط عليهم، فيسقطون في وسط الطريق، وتضيع أحلامهم، ومن كان ذو حظ وتيسرت أموره - وهم قلة في أمتنا المنهكة - فروا بكل طاقاتهم وعقولهم – لمن؟ لمن يحتضنهم ويقدر ويشجع بحوثهم التي توصلوا إليها بالجهد والكفاح؛ لأن أمتهم أبخستهم حقهم إذا كنت يا أختنا «محبة الدين» قد فتح الله عليك ببلوغ هدفك وليتني أعرف درجتك العلمية - والتي تتمنين على أهل أمة الإسلام وبالأخص نسائها أن تبلغها، فإن الكثير حاول ويحاول لكن قوى ظالمة تحرمه؛ لأن العلم يهدي إلى الإيمان - كما ذكرت - والإيمان هو قوة وتحرك لتصحيح الأخطاء وإعادة الأمور إلى نصابها، والقوة والتحرك هما الطامة الكبرى لدى بعض من يرى ويريد لهذه الأمة أن تبقى منصرفة عن مجالات البحث العلمي وإبداعاته.
هذا هو حال الرجال.. فما بالك بالنساء وأنت تخصيهن بالذكر وتوجهين نداءك لهن بالتحديد، ألا ترين أن المرأة المسلمة في مجتمعنا مكبلة بقيود الواجبات والمسؤوليات واللاءات؟؟
من يا ترى من النساء اللاتي ترين أنه من الضرورة أن تخرج لعمل البحث العلمي: هل من ذوات الأطفال المتعلمات والجامعيات والموظفات وما البحث العلمي الذي تريدين للنساء عمله؟ تسوقين الأدلة على رجال دخلوا التاريخ ببحوثهم المفيدة، وترين أنه من الواجب على النساء التفكير بعمق هذه الاختراعات لعل أحدًا من تقدم شيئًا لأمتها فهل السماء في نظرك إما مخترعات وإما هائمات بدون أهداف ويعانين من ضعف وخمول في النشاط العقلي.. وذلك كما تقولين نتيجة ضمور الهدف العلمي.
أنا قد أكون إحدى هؤلاء اللاتي ذكرت في القسم الثاني من موضوعك، وهي أم تضع بأعينها أولادها وتحرص على تعلم ما هو مفيد لجيل غد مسلم، ومع ذلك ما الجانب الذي لم تضأ مصابيحه بعد؟ التنشيط العقلي والسعي العلمي.. والطاقات الحركية والطاقات الكامنة.. بالله عليك ألا تكونين أكثر واقعية وتشرحين لنا ما المقصود من تلك العيارات بضرب أمثلة لما يمكن أن تقوم به مثل هذه المرأة.
المرأة يا أختنا الفاضلة عندما تقرأ موضوعك المطول جدًّا، وتتوصل لضرورة البحث العلمي ستشعر بالحيرة والغيظ، وأنها لا تساوي شيئًا في هذه الدنيا، وليس لها أي دور جدير بالأهمية سوى أنها خادمة لجموع من الأطفال والكبار، وستكون بين فكي رحى من ينادي بضرورة خروج المرأة للبحث العلمي، ومن يقول لها: الزمي بيتك وربي أولادك وأطيعي زوجك وتعلمي من العلم ما ينفعك، ولا مجال لك في خضم الرجال وعلومهم؛ لأن فطرتك هكذا...
لقد جئت بالصواب في داخل مقالك حين قلت: إن فيها طاقات يمكن أن تستغل وتوظفها بما يخدم نفسها وأمتها، ولكن المجتمع يطالبها بأن تنصرف لاهتمامات ضيفة. أي مجتمع هذا الذي تلومينه؟ إنه المجتمع المسلم الذي فرض على المرأة ألا تتجاوز حدودها في كل شيء، وحصنها من كل ما هو عيب أو منكر، والأهم من ذلك أن الأنثى منا مهما بلغ بها النبوغ والتطلع والطموح؛ فإنه بكل هذه الطاقات اللا محدودة تتحطم أمام صخرة يلقيها ولي أمرها بقوله: «لا» إذا طلبت الخروج لممارسة دور فعال يفيد مجتمعها، وتقدم من خلاله طاقاتها التي تعبت لادخارها، أعرف صديقة لي طبيبة بعد تخرجها فرض عليها مجتمعها أن تتزوج، ففعلت طاعة لربها، ولكن زوجها حرمها من ممارسة الطب.. لماذا؟ وهي غير مسموح لها بالاعتراض؛ لأن طاعة الزوج من طاعة الرب... فضاعت جهودها سدى، وكثيرات لديهن الكثير من الأفكار والآراء التي قد تخدم ويرغبن بالمشاركة بالكتابة في مجال الأدب والنصيحة، فيأتي الزوج المقدس، ليقول: لا.. لا للعطاء لا للمشاركة، اخدمي بيتك، وانفعي أولادك.
وتريدين نساء في مجال الأدب، أعرف واحدة مؤمنة لديها طاقات عجيبة في مجال الشعر، تكتب دواوين في أرقى مستوى اللغة، ولديها حضور عجيب؛ إذ تنطلق منها الكلمات في ساعتها، وكأنها دواوين مكبوتة ومأسورة، لا يسمع لها صدى ولا رنين، يرفض الزوج نشر ذلك الأدب الرائع، فهذا هو القهر بعينه.
أرجو من الأخت محبة الدين - وكلنا محبات للدين - أن تتحفنا بمقال آخر يوضح المصطلحات الصعبة التي في المقال، وبلغة مبسطة جدًّا، ففي مجلتنا المجتمع ما هو أهم وأصعب في موضوعه، ولكنه يأتي سلسًا مبسطًا مفهومًا لدى القارئ والقارئة، وأذكر بالقول موضوع الأخت الدكتورة تسنيم إبراهيم حول ماذا فعلت العلمانية للمرأة؟ وهو أروع المواضيع وأشدها إفادة لنساء الأمة، ومع ذلك فهو واضح الدلالات بمعانٍ بسيطة وراقية. هدانا الله وإياك إلى ما ينفع ويخدم أمتنا ويزيدنا غيرة على دينه، ويسخر علمنا لكل منفعة لجيل الغد المسلم الواعد، وأن نقوم بتبسيط العلوم والمفاهيم، وأن نبتعد عن التعقيد، وأن تكون موضوعيين وواقعيين - فإن أردت أن تطاع فمر بما يستطاع.
عالية أم صهيب
المجتمع: يبدو أن مقالة الأخت «محبة الدين سماء» قد حركت شجون الأخت أم صهيب، فجاءت كلماتها تعبر عن حرقة بالغة وإحساس بالحق المهضوم، ولكنا نود أن نشير إلى أن نقد الأوضاع الاجتماعية لا ينبغي أن يقودنا إلى شبهة الاعتراض على المبادئ التي وضعها الإسلام؛ لتحكم العلاقة بين الزوجين، ومن ذلك قول الأخت أم صهيب: «وهي غير مسموح لها بالاعتراض؛ لأن طاعة الزوج من طاعة الرب» أو قولها: «الزوج – المقدس»، والمعروف أنه ليست في الإسلام قدسية لبشر.
وإذا كان للزوج على زوجه حق الطاعة بأن عليه أن يفتح أمامها أبواب العمل العام بما يخدم المجتمع في إطار الشرع؛ إذ ليس من المعقول أن تجمد نشاط النساء والفتيات وهن نصف المجتمع عددًا، وعلى الزوجة أيضًا أن توازن بين عملها وإبداعها ومشاركاتها، وبين واجباتها تجاه بيتها وزوجها بما يشجع الزوج على أن يساعدها على ولوج هذه الأبواب، لا أن يرفع في وجهها «الكارت الأحمر».
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل