; الإنسان غير أمين على التحكم في مفتاح التاريخ | مجلة المجتمع

العنوان الإنسان غير أمين على التحكم في مفتاح التاريخ

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-1972

مشاهدات 117

نشر في العدد 121

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 10-أكتوبر-1972

-      محاولات تجريد التاريخي القرآني من صدقه - محاولات ساذجة تفتقد المنهج العلمي.

-       إبراز ملامح التفسير الإسلامي للتاريخ أكبر من طاقة فرد واحد.

 

 عتب عليّ غير واحد من القراء ومن المهتمين بقضايا الفكر أني لم أعط التفسير الإسلامي للتاريخ حقه.. حين عرضت لمكانته بين مناهج التفسير المختلفة في العدد «۱۱۹» من المجتمع.

 والحق أن ما عاتب عليه «الأفاضل من القراء والمهتمين بقضايا الفكر» حق شعرت به، وتلجلج به صدري حين وجدتني على مشارف السطور الأخيرة من المقال.. بل لا أكتم القارئ أن هذا الشعور كان يعتمل في نفسي، وأنا أتناول هذه القضية على وجه العموم.. من قبل. ومرجع ذلك إلى عديد من الصعوبات التي من أهمها:

أولاً: من السهل جدا سرد المناهج البشرية المختلفة لتفسير التاريخ، فهذه المناهج لا تعدو أن تكون اجتهادات عقول مثل عقولنا قابلة للاستيعاب الكلي.. بل للتقويم وإظهار الخطأ فيها والصواب.

أما التفسير الإسلامي للتاريخ.. فهو جهد شاق وعمل فوق طاقة فرد.. ذلك لأنه يتصل بالحقيقة المطلقة الكبرى المهيمنة على الكون، ومع إيماني بأن الله - سبحانه - قد أمرنا بالقراءة باسمه من المهد إلى اللحد، وبالتفكير الدائب في خلق السماوات والأرض لغاية عليا.. مع إيماني بهذه الحقيقة، إلا أنني ابتداء أؤمن بأن الله -سبحانه- لن يمنح الإنسان في يوم ما - سر حركة التاريخ... أو سر الخلق، على نحو واضح ومباشر، فالإنسان في واقعة - أقل من أن يتحمل أمانة هذا السر.. إنه كثيرا ما يصاب بالجنون والحيرة عن قوانين الله، فكيف يؤتمن هذا الإنسان على سر الخلق.. وسر حركة التاريخ؟

لقد راج في دنيا العلم المادي الطبيعي أن «المادة لا تفنى»، وهذا الرواج يشبه أن يكون حقيقة مطلقة في ذهن المفكرين الماديين، ولو افترضنا جدلا أن الله سبحانه أعطى هؤلاء الماديين في المعسكر الشرقي أو في المعسكر الغربي مفتاح فناء المادة «التي لا شك أنها تفنى» فهل يؤتمن هؤلاء أو أولئك على حراسة الكون وحماية الكوكب الأرضي؟!!

هذا مثل واحد من أمثلة الصعوبة في المنهج الإسلامي في تفسير التاريخ!!

ثانيا: ومع كل الرتوش الفرعية المنبثقة عن الأصول الكبرى في تفسير حركة التاريخ لدى المناهج البشرية، إلا أنه يمكن القول بأن هذه المناهج ترتد إلى عنصرين جوهريين:

أولهما: رأيها في «مشكلة الخلق».. فالدينيون عموما ينطلقون من مسلمة فطرية تجيش بها قلوبهم ومشاعرهم أكثر مما تجيش بها عقولهم.. وهي التسليم بخالق خارج هذا الكون ذي صفات محددة، لا يمكن أن يصل العقل إلى تحديد كنهه لأن العقل أقل من هذا الإدراك. أما المذاهب المادية.. الوضعية «أوست كونت» أو الماركسية أو الجغرافية.. إلخ.. هذه المذاهب تختلف فيما بينها حول أصل الخلق، على أنها ترى عموما أن «المادة» تتمتع بمؤهلات الخلق وتقوم - في رأي أصحابها - مقام الخالق!!

وهناك مذاهب أخرى لا نراها تختلف كثيرًا عن المادية الجدلية حتى ولو ادعت لنفسها نوعًا من التدين، ومن أمثالها.. الوجودية التي تجعل الإنسان مبتدئ الكون ومنتهاه.. وتعيش في دائرة الاستعباد للذات.. وأصحاب الدين الإنساني الذين يتزعمهم «ألكسيس كاريل» الذين يؤمنون بدين إلهه الإنسان على نحو واضح ومتميز عن الوجودية المنهكة في عالم الحس الواقعي.

ومهما يكن فمشكلة الخلق أبرز مشكلات المناهج التي تحاول تفسير التاريخ.. وهي مشكلة قديمة مرت بكل أدوار الفلسفة عبر فلاسفة اليونان وأفلاطون.. وانتهت باخر بدعة عقلية عالمية «الماركسية».

ويرتبط بالعنصر الأول من العناصر التي تدور حولها مناهج التفسير الأصل الثاني الذي تدور حوله هذه التفسيرات، وهو المحرك لعملية التطور التاريخي بعد أن تنتهي قضية الخلق.. لقد كان للفلسفة اليونانية رأيها وهو على العموم رأي يسلب الله - سبحانه - خصائص التحكم في مسيرة العالم، وكأنما خلق الله العالم.. وتركه يتدحرج ككرة منزلقة، وعلى الرغم من سذاجة هذا الرأي فالمناهج المادية كلها تعود إليه بصرف النظر عن ادعائها التقدمية!!

وهذه المناهج تختلف فيما بينها حول مستوى العوامل المحركة لحركة التاريخ فالعامل الاقتصادي يحتل المرتبة الأولى، بل تكاد تكون الوحيدة في بعض هذه المناهج.. والظروف البيئية الطبيعية تحتل نفس الدرجة عند بعضها الآخر.. وهلم جرا.

أما الإسلام - والأديان السماوية - بعامة فتنطلق من إیمان بإيجابية صفات الله ومن إيمان بأنه مهما قيل عن أسباب ظاهرة للتحول التاريخي فإن يد الله هي الفاعل الحقيقي في العملية التاريخية.

***

هذان العنصران، فيما يتعلق بالتفسير الإسلامي، يكادان يكونان واضحي البداية والغاية، عند الذين يتناولون حقائق الإسلام، منطلقين من نقطة الإيمان الثابت المرتد إلى منابع اليقين التي لا يشكل العقل أكثر من منبع واحد من منابعها.. وهي عند غير هؤلاء من الإسلاميين، ترجع إلى أسباب ظاهرية.. يشكل العقل دورًا أوليًا فيها.. بينما تمتد النظرة فيها لتشمل عدة جوانب ضرورية للوصول الى أقرب نقطة من الحقيقة..

• فمن الضروري -للوصول إلى أقرب نقطة للحقيقة- من استيعاب العلوم الإسلامية كلها.

• ومن الضروري استيعاب النصوص القرآنية التي تكلمت عن الأولين وقصصهم واستخلاص قوانين التحول والتحرك التاريخيين من خلالها.

• ومن الضروري الانطلاق من نقطة الثقة المطلقة في هذه النصوص بعيدًا عن الزيف التاريخي البشري الحدسي.. ومع شجب كامل للمحاولات الساذجة الصبيانية التي حاولت تجريد النصوص التاريخية القرآنية من صدقها الواقعي من موكب التاريخ، بحجة أنها لمجرد غرس العبرة في النفس البشرية، فهؤلاء السذج - من أمثال محمد خلف الله وطه حسين ومارجليوث - بينما يطلبون في المؤرخ ضرورة الانطلاق من «الواقعة» وصولا إلى العبرة التاريخية الحقيقية، يفترضون أن الله -جل وعلا- سيفرض الخلاصات والعبر التاريخية على البشر، من غير الواقعة التي تمثلتها فطرتهم وهي تعبر مراحل التاريخ... إن هؤلاء السذج.. يفترضون الصدق في «الجيولوجيا» و «الآثار» أكثر من افتراضهم الصدق في الله - سبحانه - وهم يتجاهلون أن «العبرة» المستقاة من «واقعة» مزيفة مختلفة.. هي كذلك عبرة «مزيقة مختلفة».. إلى غير ذلك مما يمكن به إفحام أصحاب محاولات الشك في النص القرآني.

***

وسيرى القارئ أن هذه الشروط الأولية تحتاج إلى تضافر جهود كي تخرج إلى الوجود غير متجنّية على التفسير الإسلامي الحقيقي للتاريخ.

***

إن التفسير الإسلامي يجسد في الحقيقة مبادئ الإسلام كلها، ولئن كان الدين للواقع، والدين للحياة، والدين للناس وليس الدين لله، كما تروج الدعوات المادية كي تنفرد بقيادة البشر بعيداً عن منهج الله رافعة هذا الشعار الإرهابي لتجرد به الإسلام من وظيفته الأساسية».

إذا كان الإسلام للواقع والحياة والناس، كما تنضح بذلك كل آيات القرآن الكريم فإن تفسير التاريخ، ووضع قوانين النشوء والارتقاء والتطور والانهيار ووضع الحياة القصيرة في موضعها الصحيح من حركة التاريخ الممتدة الأبعاد ووضع الإنسان في مكانه الصحيح من الكون العجيب.. إن كل ذلك يشكل مهمة الإسلام الكبرى

***

وهذا الذي ذكرناه يمثل أبرز الصعوبات التي تواجه الباحث عن سمات التفسير الإسلامي للتاريخ.. هو الذي يجعلني أكتب بطريقة عامة - عن هذا الموضوع، دون أن أزعم أنى أضع كلمة معبرة ـ كل التعبير، وصادقة - كل الصدق - عن تفسير الإسلام للتاريخ.

***

ومهما يكن من أمر، فإن المقدمة الضرورية لوضع أسس التفسير الإسلامي للتاريخ.. تحتم تناول مجموعة من القضايا، نضعها هنا، ونحاول في صورة عاجلة - وضع بعض ملامح عنها.. علنا نفتح بذلك الباب لنظرية متكاملة تعكس وجهة النظر الإسلامية في تفسير التاريخ.

 والقضايا الضرورية في عملية التفسير هي:

• قضية الخلق

• العوامل المحركة للتاريخ «ارتقاء الأمم وانهيارها».

• صورة ة الخط التاريخي في المسيرة البشرية.

• الرأي في «الحتمية التاريخية».

• الإنسان.

• التاريخ الإسلامي في ضوء محاولات التفسير المختلفة.

• التاريخ الإسلامي في ضوء التفسير الإسلامي.

• الملامح الرئيسية في التفسير الإسلامي للتاريخ.

 وليس ثمة من شك في أن عديدا من المجالات والقضايا.. لا بد أن يتعرض لها التفسير الإسلامي للتاريخ.. لكننا سنحاول في مقالات تالية بإذن الله... تناول هذه القضايا بشيء من الإيجاز، إثارة لموضوع التفسير الإسلامي للتاريخ لعله يجد من الأقلام الإسلامية المخلصة.. من يتقدم ليسهم في وضع لبنات أخرى.. فنسد بذلك بابا على الذين فتنتهم المادية التاريخية.. وظنوا أنهم على شيء، وما هم من حقيقة العلم في قليل ولا كثير.

الرابط المختصر :