العنوان الإسلام والفطرة الإنسانية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 04-سبتمبر-1973
مشاهدات 88
نشر في العدد 166
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 04-سبتمبر-1973
الإسلام والفطرة الإنسانية
بقلم الأستاذ/ أحمد عبدالرحيم السايح
الفطرة لغة الخلقة، والخلقة الطبيعة؛ فالدين الفطري الدين الطبيعي، وبعبارة أخرى يمكن أن يقال: إنَّ الإنسان بمحض ما وُهِبَ من القوى العقلية يشعر بالحاجة إلى الدين دون إرشاد، ودون تعليم
والإنسان- على حالة البساطة الأولية- شعر بلزوم الخضوع لخالق، وأحس بضرورة الاعتصام بمهيمن، لم يحرمه الله سبحانه وتعالى من إسعافه بعباد له، اصطفاهم لحمل الرسالة الإلهية، وتبليغ الأمانة
فكان هؤلاء الذين اصطفاهم الله عز وجل يجيئون إلى الإنسانية بدين الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ولكن الناس في تلك الأحيان كانوا من سِنِّ الحياة الاجتماعية في دور الطفولة تؤثر عليهم الخيالات، والأساطير أكثر مما تفعله الحقائق الملموسة، فكانوا لا ينقادون للحق إلا لفترة قيام الرسول فيهم برسالته، حتى إذا انتقل إلى العالم الأسمى، ارتكسوا إلى الوثنية، وعادوا إلى سيرتهم الأولى .
هكذا كان حال الإنسانية في نشأتها حتى جاء القرن السادس الميلادي، وحدث من الأحداث ما كان داعيًا إلى أية كبرى ترد الناس عن الغواية، وتقشع عنهم غياهب الجهل والوثنية، وتبين لهم وجه الحق والأصالة، وقد كان ذلك، فأرسل الله سبحانه وتعالى إلى الإنسانية كافة، خاتم أنبيائه ورسله بدين الفطرة كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰن مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا ، فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا﴾ (سورة النساء : 174 و175)
واسترشد الناس في ظل رسالة الإسلام بدين الحق ودخلوا فيه أفواجًا لأنهم سئموا الخيالات المضلة والأساطير المخرفة، وعبادة الأصنام، والأوثان، والكواكب، والنجوم تلك التي فرقتهم شيعًا وأحزابًا ومزقتهم شر ممزق، وبعثرت شملهم وشتت جمعهم.
ولما كان الإسلام دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها فهو لا يكلف الإنسان إلا بما يطيق،
ولتطهير القلوب من آثار الوراثات والتقاليد، وما تراكم عليها من غلف التعصب والجمود
يقول أحد الباحثين : كان الناس من جهة الدين في غيابة من الوهم، وظلمات من الجهل يقدسون أساطير جمعت من مدركات الماضيين ووساوس المتقدمين،
- مما لو أرادت البصيرة الإنسانية أن تتنسم منها روح اليقين لارتدت على عقبها ترسف في أصفاد الجهل، وأغلال الضلال، ولكانت بين أمرين:
إمَّا أن تقتنع من الحياة بمجرد البقاء، ولو كانت الحيرة صفتها، وإمَّا أن تحاول أن ترى النور فتُعَرِّض نفسها لخطر أيسره أن تضاعف عليها تلك الكسف، فلا تعود بعدها تذكر النور
- كانت النفوس حيرى في معنى الدين، فقرر لها الإسلام: أنَّ الدين اسم لجميع ما يعبد به الله وأنَّه الطاعة، والانقياد، وأنَّه ضالة الأرواح، وأنشودة العواطف، وبلسم جراح الحياة، ونسيم الراحة والطمأنينة، ومهب نفحات الحق، وهو واحد لا تعدد فيه، قال تعالى: ﴿كانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (سورة البقرة : 213) وقال تعالى ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ﴾ (سورة الشورى : 13)
أما ذلك الدين الذي شرعه الله وارتضاه فهو دين الإسلام؛ الإسلام لله والاستسلام إلى أحكامه، وذلك بالقيام على صراط الفطرة المجردة عن الأوهام والأفكار البشرية التي هي داعية الخلاف، ومثيرة للتنابذ بين الناس ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ﴾ (سورة الأنعام: 153)
وأمَّا الفطرة فإنها واحدة في عموم الناس، فلا يعقل نزاع بالاستقامة عليها، ولا يتصور شقاق بالانقياد لمقتضايتها قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بَِٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ، فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ (سورة آل عمران: 19 و20)
إلتفت الإسلام إلى أولئك الذين باعوا أنفسهم للأهواء، و خضعوا لسلطان الأوهام، وحصروا عقولهم في مضايق الخرافات، فنعى عليهم سذاجتهم قائلا: ﴿إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ﴾
(سورة النجم: 23) وسجل عليهم أنهم أسرى الوهم، وعبدة الظن، فقال تعالى: ﴿وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡٔٗا﴾ (سورة النجم: 28)
وعاب على أسرى التقليد إعراضهم عن الحق الذي جاءت به أنبياء الله ورسله، وجمودهم على اتباع ما وجدوا عليه الآباء فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ﴾ (سورة المائدة: 104)
﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ (سورة الأعراف: 28)
وبين لهم عاقبة التبعية العمياء، ومدى جنايتها عليهم، ثم بين لهم الفرق بين المعتقد بالدليل والبرهان، وبين المستسلم لزخارف الخيال الأسير لكواذب الأوهام فقال تعالى: ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم﴾ (سورة محمد: 14)
وقال تعالى ﴿وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ﴾ (سورة المؤمنون: 117)
ثم توجَّه الإسلام إلى الذين قبلوا النور الفطري الباهر، وخلعوا عن أعناقهم ربقة الذل والأسر، ونفضوا عن رؤوسهم غبار الصغار والعبودية، فقال تعالى: ﴿وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٢٢ وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحۡزُنكَ كُفۡرُهُۥٓۚ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ﴾ (سورة لقمان: 22 و23)
وقال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا﴾ (سورة النساء : 125) وقال تعالى ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ، فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ، صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ﴾ (سورة البقرة : من 136 لغاية 138)
وفوق هذا وذاك، استنهض الإسلام العقول، ووجه الأفهام وأيقظ الحواس، ونبه المشاعر وبشر الذين يستمعون القول فينظرون فيه نظر الناقد البصير، ونبه الغافلين، ونعى عليهم غفلتهم وإعراضهم عن دلائل الآيات، وعاب على أسرى التقليد إعراضهم عن الحق الذي جاءت به الأنبياء والرسل، وبين لهم عاقبة التبعية العمياء، ومدى جنايتها على النفوس.
ومن هنا كان الإسلام في دعوته: دعوة إلى الفطرة بما فيها من معاني السمو والكمال؛ فالإسلام من جهة التدين لا يدعو إلا لما يشعر به الإنسان في ذاته شعورًا ضروريًّا طبيعيًّا،
والإسلام من جهة الأخلاق والسلوك: لا يطلب من الإنسان غير الاعتدال والوسط قال تعالى:
﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ﴾ (سورة الأنعام: 153) وقال تعالى: ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ، ثُمَّ رَدَدۡنَٰهُ أَسۡفَلَ سَٰفِلِينَ ، إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ﴾ (سورة التين: من 4: 6)
عن الزميلة (الميثاق) المغربية
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل