; النقد المنطقي لـ «النقد المنطقي لمفهوم القابلية للاستعمار»الأمراض العقلية والنفسية شكلت السبب المباشر لغلبة الغرب | مجلة المجتمع

العنوان النقد المنطقي لـ «النقد المنطقي لمفهوم القابلية للاستعمار»الأمراض العقلية والنفسية شكلت السبب المباشر لغلبة الغرب

الكاتب شيروان الشميراني

تاريخ النشر الأربعاء 08-مايو-2002

مشاهدات 86

نشر في العدد 1504

نشر في الصفحة 42

الأربعاء 08-مايو-2002

في مقاله في النقد المنطقي لمفهوم القابلية للاستعمار المنشور في مجلة المجتمع عدد رقم (١٤٧٠) بتاريخ (٢٢- ٩- ۲۰۰۱) حاول الأستاذ محمد شاويش الدفع ببعض المفاهيم لهذا المفصل الفكري الأبرز في مشروع مفكرنا الكبير مالك بن نبي بفهم له آخر، إنه يستبعد في قراءته النقدية الفهم الدارج للمصطلح، مع إشارة مالك بن نبي نفسه له على ما يقول بأن ليس ما رمز إليه ابن نبي هو أن الشعوب فيها قابلية ذاتية نابعة من الداخل ترشحها لأن تستعمر، بل إن القابلية تتكون بعد مرور فترة من الزمن يحاول فيها المستعمر بكل ما أوتي من قوة زرع صفات معينة في عقول وقلوب أفراد الشعب المستعمر لترويضه ومن ثم قبوله؛ بل واستدعائه لجسم غريب عنه، لأنه ليس كل كيان غالب أفضل من المغلوب.

ثم يقر أو لا ينكر أن المفهوم يدل على أن الشعوب يمكن أن تكون فيها القابلية، لكنه فهم في هامش الإطار غريبة حقًا محاولة الأستاذ شاويش أن يذهب بهذا الشعار في الصراع الفكري هذا المذهب بغية قطع الطريق أمام بعض من لا يرون في الاستعمار سببًا رئيسًا لما- يحدث للشعوب. مع أنه كان باستطاعته مقارعتهم بالحجج الفكرية والأدلة المنطقية من طريق أخر غير لي عنق القابلية للاستعمار، لكن يبدو أن أنينه تحت ضغط المطبعين دفعه إلى ذلك.

ولقد فات الأستاذ شاويش أن الجسم إذا لم يكن مريضًا فاقدًا قدرة الدفاع، بله الغلبة، كيف يتمدد على فراش العلاج مع إقرارنا بأن الفيروس ليس أفضل من الخلايا التي يدمرها، لكن الواقع أنه دمرها واخترق قوتها الدفاعية وجدارها الصحي. وقد فات الأستاذ محمد أيضًا أن القوة لا تنحصر في الجانب العسكري فقط وإنما بمفهومها العام الشامل، بأبعادها العقدية والفكرية الثقافية ومن القوة أيضًا ما يتعلق بالبعد الاجتماعي والأخلاقي وأي جانب من جوانبها إذا أصابه شيء من الوهن أو الضعف كان ثغرة يدخل منها الاستعمار.

ولا أتصور وجود منكر للتوقف العقلي والذبول الحضاري للامة المسلمة منذ ما يزيد على ثلاثة قرون. الأمر الذي استدعى وأطمع الغرب فيها، وكانت العوامل داخلية قبل أن تكون خارجية مع إقرارنا بها، لقد كانت توجد العقل الإسلامي أفكار ميتة جلبت أفكارًا مميتة أو قاتلة، ولهذه الأفكار القاتلة أو المعينة بعد آخر من القابلية للاستعمار لكن في شكل آخر، وهو الاستعمار الحضاري في زمن ما بعد الاستقلال من الاستعمار العسكري، بمعنى أن الدول والقوى التي كانت تستعمر شعوبنا استعمارًا مباشرًا، تستعمرها اليوم بشكل غير مباشر عبر الأنساق الفكرية والأطر الثقافية، ومادام الأمر هكذا فإن الاستعمار المباشر قادر على الرجوع متى شاء، وهو يستخدم الجيل المسيطر أو عبيد الفكر الغربي وكلاء وموظفين المعامل الاستعمارية؛ لأن الحنكة والتجربة على تمنعانه من الظهور بالوجه السافر.

هكذا يمكن فهم هذا المفصل الفكري وبهذه الصياغة نقدر على توظيفه في صراعنا الراهن الحداثة الغربية أو قل ما بعد الحداثة الغربية ثم إن الأستاذ شاويش اقتصر في عرض هذا المفهوم على كتاب واحد كما ذكر وهو شروط النهضة، مع أن الأستاذ مالك تحدث عن ذلك المفهوم في كتب له كثيرة من مثل حديث في البناء الجديد، والصراع الفكري في البلاد المستعمرة ووجهة العالم الإسلامي» و«مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي» فعلى هذا الأساس وفي هذا الإطار يمكنني أن أعقب بنقد منطقي آخر أقرب إلى روح المعركة الفكرية والصراع الحضاري الذي نعيشه وأصبحنا جزءًا لا يتجزأ منه، وذلك في نقطتين اثنتين:

الأولى: القابلية للاستعمار، وهو مفهوم قال به مالك بن نبي واستعمله في جل كتبه،ويشكل مفصلًا ثقافيًّا في تشخيصاته لأسباب في العالم الإسلامي ووعاء، يجمع الكثير من المعاني، ثم أصبح مصطلحًا فكريًّا متداولًا عند عدد ليس بقليل من الكتاب والمثقفين المسلمين، وإذا أردنا فهمه بصورة واضحة وعميقة ودقيقة، علينا قبل كل شيء أن نستحضر مقصد علماء الطب عندما يطلقون كلمة فقدان المناعة، إلام يرمزون؟ فبين هذه وتلك من العلاقات ما لا يذكر، رغم البون الشاسع بين دائرة علمي الفكر والطب ومحل عمل كل من المفهومين.

المناعة يقصد بها الأطباء أن في الجسم خلايا منظمة مشحونة بالقوة والديناميكية، مستعدة لتلبية الأوامر لخوض معركة ضد كل فيروس يغزو الجسم الإنساني، بغية المحافظة على صحة الإنسان وسلامته وإعطائه أقصى حد من التحمل في مواجهة الأمراض، فهو جسم محصن، أما في حالة خاصة وهي الهجمة التي يقوم بها فيروس الإيدز علىالجسم، فإن هذا الفيروس يكون أقوى من الخلايا الدفاعية التي تحافظ على الجسم فيقضي عليها، ولا يبقى للإنسان ما يتقوى به قتل ضد الغزاة، لذا يفقد الجسم المناعة، بعد الخلايا المدافعة، ويكون من ثم فريسة سهلة المثال لكل فيروس يهاجم بغض النظر عن حجمه، وأنت إذا أردت فهم القابلية للاستعمارما عليك إلا قياس هذا التوضيح في علم الطب على علم الفكر؛ لتكون الصورة عندك صافية فالأمراض النفسية والعقلية أفقدت الإنسان المسلم ذاتيته وأهلته لأن يحتل ويستعمر التواكل والشعور بالانهزامية المجاور للهجوم الفكري والتوقف العقلي وغيرها من الأمراض كثيرة، حتى أصبح الإنسان المسلم أرضية خصبة ومهيأة لاستقبال الاستعمار، فكرًا في الأدمغة، وسلوكًا في الممارسة.

يقول الأستاذ سيد قطب: عندما كنا ندرس في القرية صغارًا وكان سيدنا حسينيصحح الألواح كان يلحس الكلمات المغلوطة بلسانه ويمسحها بطرف كفه، وكان هذا مظهرًا يثير الاشمئزاز، ويقول أيضًا: كان الأزهر يبعث المشايخ إلى القرى لوعظ الناس، وكان يأتينا واحد من هؤلاء أخذًا بيده صفحات من تفسير الزمخشري، ويبدأ بالقراءة في الجامع من غير اكتراث بالحاضرين وبمستوى فهمهم، وبعد مدة يصفق بيده ويقول: مفهوم، فيقول البعض مفهوم!

وحدث ذات مرة أن استوقفته على مقالة نحوية حول حذف الياء، فقال لي: حذف الياء اعتباطًا للتحسين يا سيدي هذا في الممارسة وفي الدماغ أنه لما استحدثت العملة الورقية النقدية للتعامل بين الناس أفتى بعض علماء المسلمين بتحريمها؛ لأنهم لم يستوعبوا بعقولهم التعامل إلا بالذهب والفضة، ولم يكونوا قادرين على التنظير الفقهي للحضارة فكيف ببنائها؟ وحق للأستاذ أبي الأعلى المودودي أن يقول في وصفهم: إنهم أصبحوا صخرة من الجمود.

أما في الغرب وحول خروج الإسلام من الأندلس يقول المفكر الفرنسي روجيه جارودي في كتابيه: «الإسلام في الغرب» و«الإسلام الحي»: إن الازدهار أصيب بالعقم وأزيل بسبب ملاحقات الفقهاء المدعومين غالبًا من السلطة، حتى إنهم كفوا عن الرجوع إلى القرآن والسنة، واكتفوا بتحليل الموطأ للإمام مالك، ولم يترددوا في وصف كل ما يخالف عقائدهم الضيقة بالبدع، وسموا علمًا ما هو معاكس للعلم تمامًا، هذا التزمت والتعصب أعطى ملوك الكاثوليك أفضل الفرص لإماتة الإسلام في الغرب، وجعل من الإسلام في الشرق فريسة سهلة للمعتدين الغربيين الاستعماريين.

ثانيًا: الاستعمار الفكري والحضاري قلنا: إن الداخل الإسلامي المتمثل بالأمراض العقلية والنفسية، شكل السبب المباشر لغلبة الغرب علينا في الميدان الحضاري، مما تولد من جرائه الغلبة العسكرية، فلم يفق المسلمون إلا وبلادهم يتحكم فيها أناس من غير أصولهم غرباء عنهم في الدين، الفكر واللغة والقومية والمبدأ، ينهبون ثرواتهم رغم أنفهم، وكان ذلك في القرن قبل الماضي؛ حيث بدأت

الحملات العسكرية والمسلمون يعيشون في شقاء وبؤس شديدين، بعد ذلك انبرى رجال من المستعمرين مناهضين للاحتلال مطالبين بالاستقلال، لكنهم تبنوا الفلسفة الغربية مرجعية فكرية في الصراع، ويعود ذلك لسببين رئيسين هما:

  1. طبيعة إعجاب وانبهار المغلوب بفكر الغالب.

  2. لم يكن الإطار الإسلامي مشجعًا على التبني، بسبب أمور أشرنا إلى بعضها سابقًا.

هذان السببان جعلا بعض المناهضين يحصر الاحتلال بالعسكري فقط وفهمهم للاستقلال على أنه عسكري وإداري فحسب، وقصروا جهودهم عليه مع مسائل التأميم في بعض جوانب الاقتصاد، فأدى بهمالاجتهاد الخاطئ إلى حالة أكثر تبعية واستلابًا للإنسان وذاته وإلى تأييد الاحتلال وتكريسه وتسكين الغرب في العقول والنفوس، وذلك عن هذا طريق تقليده في الفلسفة والقيم الحداثية المبتورة من الواقع المنشئ لها قصرًا..

وقد نبه إلى خطورة هذه المسألة جمال الدين الأفغاني، محذرًا من شر التقليد للمستعمر، وداعيًا إلى الانطلاق من الخصوصية للذات المسلمة، ويقول: لقد علمتنا التجارب أن المقلدين من كل أمة المنتحلين أطوار غيرهم، يكونون فيها منافذ للتطرق إليها- أي الأعداء- وطلائع الجيوش الغالبين وأرباب الغارات، يمهدون لهم السبيل، ويفتحون لهم الأبواب، فيثبتون أقدامهم.

ولهذا رأينا أن الاستعمار خرج من البلدان الإسلامية عسكريًّا ولم يخرج فكريًّا واجتماعيًّا وقيميًّا؛ بل إن الاستعمار السابق هو نفسه يحكم هذه الدول عن طريق أناس على صورة المستعمر نفسه، قلبًا وقالبًا، فعقول قادة الفكر والسياسة تشكلت بناءً على ما كان يريده المستعمر آخر عقولهم صورة مصغرة مستنسخة، وبتعبير حرفيًّا عن عقول المستعمر، وهذا نوع من القابلية لاستعمار جديد فتحوا النوافذ ليتسلل الأعداء إليها، كنافذة الفكر، ونافذة القيم الاجتماعية ونافذة الموازين في الممارسات السياسية، ونافذة التقليد للنموذج الثقافي الغربي إلخ، والآن جاء دور البرهنة على حديثنا أحد الصحفيين الفرنسيين وصف الوضع في إندونيسيا غداة الاستقلال قائلًا ومع كل ذلك فإن الهولنديين الذين خسروا كل شيء في ظاهر الأمر، يستطيعون أن يستعيدوا كل شيء ما دامت الأرض صالحة لإعادة الكرة. 

وهكذا يجري حديثنا عن الجزائر فرغم الثمن الذي دفعته حتى خرجت فرنسا، فإن البعض لم يقدر على إخراج المستعمر من عقله وقلبه، ففي بداية التسعينيات ولما فاز الإسلاميون في الانتخابات الحرة لم يطق المتفرنسون الأمر ولم يتحملوا الانقطاع الثقافي والنفسي عن فرنسا المستعمرة، فقضوا بكل ما أوتوا من قوة على «الأصالة الجزائرية» وبمساعدة معنوية ومخابراتية من فرنسا، وفي هذا الحال لم يكن رئيس فرنسا السابق فرانسوا ميتران بحاجة لتنفيذ تهديده لدخول الجزائر مرة ثانية عسكريًّا؛ لأن أبناء المتفرنسين فعلوا ما كان يرغب فيه هو، كيف لا وعقولهم تحت قبضته ثم من الذي يحكم الآن في هذه الدول؟ هل هي الشعوب التي كافحت وناضلت، وهل يقدر أولئك الحكام الذين يبدون جرأة في وجوه شعوبهم على إظهار تلك الجرأة في وجه الغرب المستعمر، ألا يتدخل صندوق النقد الدولي حتى في أجر العامل في بعض دولنا، فأين الاستقلال الحق.

لكل هذا، وبإدراك ووعي كاملين عميقين قام المفكرون المسلمون ونادوا بضرورة استئصال جذور الاستعمار من العقول والقلوب في ميدان الفكر والحضارة مثلما اجتث عسكريًّا من الأرض، فليس خروج الجنود بأهم من خروج الأمراض.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 341

99

الثلاثاء 15-مارس-1977

ما قل ودل..