; الأضرار الاقتصادية للاحتكار | مجلة المجتمع

العنوان الأضرار الاقتصادية للاحتكار

الكاتب د. زهراء محمد سعيد

تاريخ النشر الثلاثاء 28-يوليو-1998

مشاهدات 71

نشر في العدد 1310

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 28-يوليو-1998

يُعد الاحتكار من الأمور المحظورة في الإسلام، يستوي في ذلك احتكار قوت الآدمي أو قوت الدواب، ما هو ضروري للناس أو كمالي، ذلك أن النصوص التي وردت في ذم الاحتكار كانت ظاهرة في تحريمه دون تفصيل، ومطلقة من غير قيد، وعامة من غير تخصيص، لذلك كان لزامًا البقاء مع هذه النصوص بكل ما حملت من صفات للإطلاق والعموم[1] (۱)

ذهب جمهور الفقهاء إلى أن كل ما أضر بالناس وأوقعهم فريسة لسيطرة أو سطوة أحد المحتكرين والمستغلين فهو حرام[2] (۲) فقد أخرج الإمام أحمد والطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقًا على الله أن يقعده بعظم من الناس يوم القيامة[3]» (۳)، وجاء في سنن ابن ماجه عن النبي  صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون[4]» (٤) واللعنة تعني الطرد من رحمة الله والبعد  عن رعايته وحفظه، وقد  ورد في الآثار الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن المحتكر يكون معرضًا لغضب الله وسخطه وأنه ينال العقوبة الملموسة في الدنيا فضلًا عن عقوبة اليوم الآخر، وذلك جزاء لما يقوم به من أعمال منافية لروح الشريعة الإسلامية التي تدعو إلى التعاون والتكافل بين أبناء الأمة على أساس الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم  : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه[5]» (٥) ومن هذه الآثار التي تشير إلى عقوبة المحتكر ماروي عن سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إنه بلغ ذات يوم عن شخصين قد احتكرا طعامًا، فأرسل إليهما، فقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين، قالا: يا أمير المؤمنين نشتري بأموالنا ونبيع، فقال عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من احتكر من المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والإفلاس» فقال أحدهما: يا أمير المؤمنين إني أعاهد الله وأعاهدك ألا أعود إلى الاحتكار بعد، أما الآخر فلم يلتزم بذلك وقال نشتري بأموالنا ونبيع، وكأنه أصر على عمله المرذول، فرؤي مجذومًا مخدوشًا[6] (٦)

أما إذا جئنا لننظر للأضرار الاجتماعية التي تنجم عن الاحتكار، نجد أن مثل هذا العمل سيؤدي إلى إلحاق الضرر البليغ بالمجتمع حيث يكون سببًا لفقدان عدالة التوزيع بين  أبناء الأمة، كما أنه يرفع من ضوابط العدالة الاجتماعية ومبدأ تكافؤ الفرص، ويؤدي إلى اختلال سياسة التوازن التجاري والمالي والاقتصادي، ذلك أن الدينار المتداول إنما هو جندي عامل في الميدان، والدينار المكنوز إنما هو جندي أسير في السجن[7] (۷)، لذلك نهى الإسلام أتباعه عن الاحتكار والكنز باعتباره سيعمل على تعطيل هذه القوة الفعالة في حيازة الأمم والشعوب والقيام بواجبها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن المحتكر الجشع إنما يضر بمصالح الأمة العليا. حيث يعمل باحتكاره على إشاعة السوق السوداء في المجتمع، وبالتالي سيؤدي إلى الاستغلال لحاجات الناس وعدم الاهتمام بشؤون المسلمين وأمرهم، ولقد لوحظ أن مثل هذا العمل يؤدي إلى ظهور الأنانية والحقد والحسد بين أبناء الأمة الواحدة، لذلك ظهر الاحتكار كأداة سيئة تدعو إلى قطع أواصر المحبة والألفة والتعاون لتشيع مكانها الكراهية والتنافر وغيرها من الصفات الخبيثة التي لا تريد شريعتنا السمحة شيوعها في ظل مجتمع يسعى فيه نور الحق ليكون متراصًا متوحدًا. 

وتأسيسًا على ما تقدم ونظرًا للأضرار الكبيرة التي تحدثها هذه الظاهرة الشاذة من سوء في التعامل بين الناس وقسوة بعضهم علي البعض الآخر؛ وقف الإسلام موقفًا حاسمًا تجاهها واعتبرها من الأمور المحظورة والممنوعة شرعًا، وهناك كثير من النصوص تفيد منع الاحتكار والتحذير منه باعتباره إثمًا ومعصية وخطأ يجب تجنبه والامتناع عنه، ومن تلك النصوص ما جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿وَمَن یُرِد فِیهِ بِإِلحَادِ بِظُلم نُّذِقهُ مِن عَذَابٍ أَلِیم﴾ (الحج: ٢٥)

قال بعض المفسرين: إن المقصود هنا في هذه الآية هو الاحتكار فقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: «احتكار الطعام بمكة إلحاد[8]» (۸) ولاشك في أن العبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فاحتكار الطعام بمكة أو بغيرها إنما يؤدي إلى استغلال الناس وإلحاق الضرر بهم، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يمنع الاحتكار ويساويه بالإلحاد في مكة بسبب اجتماع الناس في موسم الحج فإن المنع عنه وقت حاجة الناس واشتداد الضائقة عليهم أولى وأكد[9] (۹)

ولقد أوضح فقهاء الأمة الإجراءات القانونية التي يجب أن تتخذ ضد المحتكر بغية منعه من الاحتكار وتخليص الأمة من أضراره ومفاسده [10](۱۰). يقول عبد الله بن محمد الموصلي أحد فقهاء الأحناف: «إذا رفع إلى القاضي حال المحتكر يأمره ببيع ما يفضل من قوته وقوت عياله، فإذا امتنع باع عليه؛ لأنه في مقدار قوته وقوت عياله غير محتكر، ويترك قوتهم على اعتبار السعة، وقيل إذا رفع إليه أول مرة نهاه عن الاحتكار فإن رفع ثانية حبسه وعزره بما يرى زاجرًا له ودفعًا للضرر عن الناس.. ويقال له بع كما يبيع الناس وبزيادة يتغابن في مثلها ولا تتركه يبيع بأكثر[11]»(۱۱)

والذي يظهر من خلال ما قرره العلماء في مجال الإجراءات المتخذة ضد المحتكرين أن هذه الإجراءات هي أقرب السبل إلى تحقيق العدالة في توزيع الثروة بين أبناء الأمة، إذ إنها  تقدم الموازنة العادلة في أسلوب معالج لهذه الحالة الشاذة، وهي الأحكم والأوفق والأدعى لأن يتقبلها الناس على اختلاف أوضاعهم في السوق سواء كانوا بائعين أو مشترين، وهي بدون شك أصح عمليًّا من إجراءات المصادرة للسلعة، لأن هذا سيكون فيه حيف على البائع، الأمر الذي يجعله مضطرًا لسلوك السبل المشبوهة كالرشوة والتحايل على القانون حفاظاً على سلعته وأمواله

من المصادرة[12] (۱۲).

إن الإجراءات التي قدمتها الشريعة الإسلامية ضمنت حق المستهلك من حيث حصوله على السلعة بالسعر المعقول «سعر المثل»، وكذلك ضمنت حق البائع من حيث بيع بضاعته بالسعر المعقول .

المراجع

1- السياسة السعرية في المذهب الاقتصادي الإسلامي عبد الستار إبراهيم ص ۱۹۲ 

2-المجتمع الإسلامي وفلسفته المالية والاقتصادية، محمد الصادق عفيفي، ص ۸۳ 

3-الترغيب والترهيب للمنذري ج ٢ ص ٥٨٤ ([3](

4- سنن ابن ماجة ج ۲ ص ۷۲۸ ([4](

5-المصدر نفسه ج ۱ ص ٢٦ ([5] (

(6) -صحيح الإمام مسلم بشرح النووي ج ۱۱ ص ٤٣، والمجذوم هو المصاب بعرض الجذام، والمخدوش مكسر الأضلاع     

 (7)الإسلام وأمانة إحياء النفس البشرية وتحريرها من الطاغوت المادي - الدكتور سالم عبد الرحمن، بحث غير منشور، ص ۳

8- الترغيب والترهيب للمنذري ج ٢ ص ٥٨٥ ([8] )

9-  ثروات الدين، الدكتور سالم آل عبد الرحمن ، ج5، ص ٦٧٨ 

10-ثروات الدين، الدكتور سالم آل عبد الرحمن، ج5، ص 6۸۳ 

 11-  الاختيار لتعليل المختار ج ۳، ص ۱۱5 

 (12)عن مخطوطة: أثر السنة النبوية المطهرة في إصلاح المجتمع الإنساني - الدكتور سالم آل عبد الرحمن، ج۲. ص ١٠٥ 

الرابط المختصر :