العنوان الأضحية والتضحية .. أحاديث عن الحج.. ضعيفة أو موضوعة (۲)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 08-فبراير-2003
مشاهدات 165
نشر في العدد 1538
نشر في الصفحة 56
السبت 08-فبراير-2003
الأُضحية والضحية: اسم لما يذبح من النَّعْم «الإبل والبقر والغنم» يَوْمَ النَّحْرِ وَأَيَّامَ التْشريق تقربًا إلى الله تعالى. والأصل في مشروعيتها قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ﴾ (الكوثر:1-3) وقوله أيضًا: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ﴾ (الحج: ٣٦) والنَّحْرُ هنا هو ذَبْحُ الأَضْحية.
وقد ثبت في السُنة النبوية الصحيحة ما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك أن النبي كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، يطأ على صفاحهما، ويذبح بيده، يقول: «بسم الله والله أكبر» (۱).
وأجمع المسلمون على شرعيتها.
- وذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى أنها سنة مؤكدة
- وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أنها واجبة على أهل اليسار ممن يملكون نصابًا من المقيمين غير
المسافرين: لقوله «من وجد سعة فلم يصح فلا يقربن مصلانا» (۲)
حكمتها:
وقد شرعها الله عـز وجل إحياء لذكرى خليله إبراهيم، وولده إسماعيل عليهما السلام كما ورد في القرآن الكريم على لسان خليله إبراهيم: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (الصافات:102-111).
فهذا هو الأصل في حكمتها، وزاد بعض العلماء قوله: «وليوسع الإنسان على أهله، وعلى أحبائه وجيرانه، وعلى فقراء المسلمين» كما بين الفقهاء فقالوا: يُسن للمضحي أن يأكل من أضحيته، ويهدي الأقارب، ويتصدق منها على الفقراء» لما ورد في الحديث الشريف: «كلوا وأطعموا وادخروا».
وقال العلماء: الأفضل أن يأكل الثلث، ويتصدق بالثلث، ويدخر الثلث، ويجوز نقلها ولو إلى بلد آخر (۳).
وذهب جماعة من العلماء إلى أن وقت الأضحية يوم النحر ويومان بعده وبه قال الإمام
مالك وأحمد وتجزى الشاة «من الضأن أو المعز» عن الواحد أي عن الرجل وأهل بيته.
وأما الإبل والبقر فتكفي الواحدة عن سبعة.
واشترط الفقهاء لها شروطًا وهي السلامة من العيوب كما ورد في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه. يقول رسول الله: «أربعة لا تجرى في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها والعرجاء البين طلعها، والعجفاء (٤) التي لا تنقي (٥)».
وزاد بعض الفقهاء العضباء التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها.
ويلحق بهذه الهتماء (٦)، والعصماء (۷)، والعمياء، والتولاء (۸) والجرباء.
ولا بأس بالعجماء والبتراء والحامل وما خلق بغير أذن أو نصف أذنه أو أليته (۹).
هذا عن الأضحية باختصار ومن أراد المزيد عنها فليراجع كتب الفقه.
أما عن معنى التضحية:
فهي تقديم النفس وما تملك الله عز وجل لصدق انتمائها إلى هذا الدين الذي قال عنه عمر ابن الخطاب: «كنا قومًا أذلة فأعزنا الله بالإسلام».
نعم لابد من التضحيات حتى يمكن لهذا الدين في الأرض، ولنا في الخليل إبراهيم عليه السلام القدوة الحسنة في التضحية إذ قال لولده إسماعيل:
﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ﴾ (الصافات:۱۰۲). فماذا كان الرد؟
﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات:102).
ويعلق أحد الصالحين رحمه الله قائلًا: «يا لله! ويا لروعة الإيمان والطاعة والتسليم.
هذا خليل الرحمن إبراهيم. المقطوع من الأهل والقربة، والمهاجر من الأرض والوطن.
ها هو ذا يرزق في كبرته وهرمه بغلام، طالما تطلع إليه بقوله ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (الصافات:100) فرزقه الله غلامًا ممتازًا يشهد له ربه بأنه حليم ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ (الصافات:101).
- وها هو ذا يكاد يأنس به وصباه يتفتح ويبلغ معه السعي، ويرافقه في الحياة.
- وها هو ذا ما يكاد يأنس ويستروح بهذا الغلام الوحيد حتى يرى في منامه أنه يذبحه، ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية فماذا؟
- إنه لا يتردد، ولا يخالجه إلا شعور الطاعة. ولا يخطر له إلا خاطر التسليم.
نعم إنها مجرد إشارة، وليست وحيًا صريحًا، ولا أمرًا مباشرًا، ولكنها إشارة من ربه، وهذا يكفي ليلبي ويستجيب دون أن يعترض، ودون أن يسأل ربه لماذا يا رب أذبح ابني الوحيد؟
ولكنه لا يلبي في انزعاج، ولا يستسلم في جزع ولا يطيع في اضطراب.
كلا إنما هو القبول والرضى، والطمأنينة والهدوء.
يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب.
﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ﴾ (الصافات:۱۰۲)
فيرد عليه ولده قائلًا:
﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات:102).
إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب، ولكن في رضي كذلك وفي يقين.
إنه الأدب مع الله، ومعرفة حدود قدرته وطاقته في الاحتمال، والاستعانة بربه على ضعفه، ونسبة الفضل إليه في إعانته على التضحية ومساعدته على الطاعة ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات:102).
لم يأخذها بطولة، ولم يأخذها شجاعة، ولم يأخذها اندفاعًا إلى الخطر دون مبالاة، ولم يظهر لشخصه ظلًا ولا حجمًا ولا وزنًا، إنما أرجع الفضل كله لله إن هو أعانه على ما يطلب إليه، وأصبره على ما يراد به.
يا للأدب مع الله ويا لروعة الإيمان، ويا لنبل الطاعة، ويا لعظمة التسليم.
فقل لي بربك أي تضحية كهذه حدثت في الوجود، ومن قدم نفسه لله عز وجل دون تردد؟
ثم تتابعت بعدهما سير الصالحين بقيادة سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم في السير على طريقهما في التضحية بكل غال ونفيس، من أمثال أبي بكر الصديق وأسرته، ويأسر وسمية وعمار، وبلال، وخباب، وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن حذافة السهمي، وسعيد بن جبير وأحمد بن حنبل، وغيرهم من سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين وشعارهم:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا
على أي شق كان في الله مصرعي
وعليهم قامت ركائز الدعوة الإسلامية، فوصلت إلى غيرهم بيضاء نقية وسجلوا أروع البطولات من منطلق قوله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:23).
الهوامش
(۱) انظر شرح للبغوي ٤/224 برقم ١١١١٩.
(۲) رواه الإمام أحمد وابن ماجة وصححه الحاكم في المستدرك على الصحيحين ورجح الأئمة وقفه.
(۳) انظر: فقه السنة: للشيخ سيد سابق - رحمه الله- ٣/324 بتصرف.
(٤) هي التي ذهب منها من شدة الهزال.
(5) رواه الترمذي وقال عقيه هذا حديث حسن صحيح.
(٦) هي التي ذهبت ثناياها من أصلها.
(۷) هي التي انكسر غلاف قرنها.
(۸) هي التي تدور في المرعى ولا ترعى.
(۹) انظر: فقه السنة ٣/322 بتصرف.
أحاديث عن الحج.. ضعيفة أو موضوعة (۲)
ذكرنا في العدد الماضي بعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة عن الحج التي تتردد كثيرًا على السنة بعض الناس.. ولعل هذا مدعاة للاحتراز وعدم التسرع والاحتجاج بمثل هذه الأحاديث التي يعتقد الناس صحتها، ليس عن الحج فحسب، بل عن كثير من العبادات في الإسلام، ونستكمل في هذا العدد ما بدأناه في حلقة العدد الماضي من ذكر بعض الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة عن الحج.
۱ - «من حج من مكة ماشيًا حتى يرجع إلى مكة، كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة كل حسنة مثل حسنات الحرم، قيل، وما حسنات الحرم؟ قال لكل حسنة مائة ألف حسنة».
حديث ضعيف جدًا.
قال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة 1/709 رقم ٤٩٥: وهو ضعيف جدًا.
۲ - «ينزل الله كل يوم عشرين ومنة رحمة، ستون منها للطائفين، وأربعون للعاكفين حول البيت وعشرون منها للناظرين إلى البيت».
حديث موضوع، قاله الشيخ الألباني.
3- يأتي على الناس زمان يحج أغنياء أمتي للنزهة، وأوساطهم للتجارة، وقراؤهم للرياء والسمعة، وفقراؤهم للمسألة».
قال الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة والموضوعة «3/213 رقم ۱۰۹۳»: ضعيف.
٤ - «من أم هذا البيت من الكسب الحرام، شخص في غير طاعة الله، فإذا أهل ووضع رجله في الغرز أو الركاب، وانبعثت به راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، كسبك حرام، وزادك حرام، وراحلتك حرام، فارجع مازورًا غير مأجور وأبشر بما يسووك.
وإذا خرج الرجل حاجًا بمال حلال، ووضع رجله في الركاب وانبعثت به راحلته قال: لبيك اللهم لبيك ناداه مناد من السماء، لبيك وسعديك، قد أجبتك، راحلتك حلال، وثيابك حلال، وزادك حلال فارجع مأجورًا غير مأزور وأبشر بما يسرك».
قال الشيخ الألباني 3/212 رقم ۱۰۹۲: ضعيف جدًا.
5 - «إن الله عز وجل يدخل بالحجة الواحدة ثلاثة نفر الجنة: «الميت، والحاج عنه والمنفذ ذلك».
قال الشيخ الألباني في السلسلة ٤/433 رقم ١٩٦٤: ضعيف.
٦- «إذا لقيت الحاج، فسلم عليه وصافحه ومره أن يستغفر لك قبل أن يدخل بيته فإنه مغفور له موضوع.. قاله الشيخ الألباني في السلسلة 5/431 رقم ٢٤١١.
7- «إن المؤذنين والملبين يخرجون من قبورهم يؤذن المؤذن، ويلبي
الملبي» ضعيف جدًا قال عنه الشيخ الألباني في السلسلة 5/303 رقم ٢٢٧٦: وهو واه جدًا.
8- «بين الركن والمقام ملتزم، ما يدعو به صاحب عامة إلا برئ».
قال عنه الشيخ الألباني: إسناده ضعيف جدًا.
٩ - «من مات في هذا الوجه من حاج أو معتمر، لم يعرض ولم يحاسب وقيل له: ادخل الجنة».
قال عنه الشيخ الألباني في السلسلة 5/209 رقم ۲۱۸۷: إسناده ضعيف جدًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل