; الأسلوب الملتوي.. إلى أين؟! (۱– ۲) | مجلة المجتمع

العنوان الأسلوب الملتوي.. إلى أين؟! (۱– ۲)

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2012

مشاهدات 78

نشر في العدد 1999

نشر في الصفحة 66

السبت 21-أبريل-2012

يتساءل المرء، للمرة العشرين: إلى أين ستمضي بكتابنا وأدبائنا ونقادنا موجة الأسلوب الملتوي واللغة الثالثة -إذا صح التعبير- تلك التي لا أرضًا قطعت ولا ظهرًا أبقت؟!

إنهم لا يملكون اللغة» القديرة على «التوصيل»، على أن ينقلوا أفكارهم وتجربتهم وخبراتهم ومرئياتهم وإبداعهم للمتلقي، بحجمها تمامًا، بمفرداتها تمامًا، بخلجاتها تماما.. فيلجؤون إلى الإغماض والتعتيم معتقدين أنهم بذلك -وليس بعجزهم عن الأداء السليم- قد قدموا شيئا ذا قيمة.

وبمرور الوقت يزداد التباعد بين المطالب البيانية للغة الخطاب الفكري أو الأدبي أو النقدي، وبين قدرته على التوصيل، فإذا بالمتلقي « يصدم» بعدم قدرته على إدراك هذا الذي يقوله هؤلاء المفكرون والأدباء والنقاد ، ويجد نفسه أمام حزمة من الأسلاك الشائكة تفصل بينه وبين النصّ المكتوب، فما يكون منه، ومن جيل القراء عمومًا، إلا أن يكفوا عن قراءة الشفرات والمعميات والألغاز التي لا تكاد تقدم لهم شيئًا واضحًا»، بل أن يكفوا عن «القراءة» على إطلاقها. 

وبما أن القراءة هي عصب تكوين المثقفين في العالم، فلنا أن نتصوّر كيف ستكون حال أمة لا تقرأ. 

ولو أدرك هؤلاء الكتاب والأدباء هذه الحقيقة، فلربما أعادوا النظر في الجهد الكبير الذي بذلوه والذي لم يأت بطائل ما دام أنه بعيد عن القراءة الجادة معه، عصيّ على قارئيه، ولعادوا لكي يبدؤوا رحلتهم مع الكتابة من جديد، وأمامهم هدف أساسي واحد هو مبرر «الكتابة» للآخرين أن يكتبوا ما يصل إلى هؤلاء فيمنحهم الكثير!

ومن عجب أن الأسلوب الملتوي هذا، أو اللغة الثالثة، تجاوز -للأسف- دائرة الأدب والنقد، إلى أنماط الفكر البشري في سياقاته كافة، وإذا بنا نقرأ، أو نستمع، للكثير من المفكرين والباحثين والكتاب، وأولئك الذين يلقون بحوثهم في الندوات والمؤتمرات، فلا نكاد نعثر على ما يريدون أن يوصلوه لنا إلا بشق الأنفس، وقد لا نعثر في أحيان كثيرة على شيء!

إن أولئك وهؤلاء يدفعون القراء دفعاً إلى زاوية القرف والاشمئزاز مما يقرؤونه، ويضعون السدود بين المفكر والمبدع وبين المتلقي، بدلا من إعانته على المقاربة والالتحام.

رحم الله «أيام زمان»، يوم أن كان النقد عذباً سائغاً شرابه، مهما قيل عن « ذاتيته».. ولو استيقظ العقاد أو طه حسين أو سيد قطب، فماذا سيقولون إزاء هذا الركام الذي يتزايد يوما بعد يوم بصيغة متواليات هندسية، ويسوقه التقليد الأعمى، والعجز، إلى التكاثر السرطاني الذي لا يدري المرء إلى أين سينتهي به المطاف؟!

إننا أمام منظومة من الطلاسم ضاع مفتاحها على النقاد والباحثين والقراء معا، وهي -في نهاية الأمر- لا تعكس عمقا في الرؤية، بل هو السقم في التعبير عن الأفكار، والعجز في إيصالها للآخرين بلغة قوية رصينة قديرة على نقل أدق الخلجات وأعمق الأفكار.

ونقرأ -حتى- رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه التي تناقش في باحات كليات الآداب والتربية وغيرهما، في مختلف جامعاتنا العربية، فنجد أنفسنا إزاء هذا «الوباء» الذي انتقل إلى أيدي الطلبة، لا تدري كيف، فأصبحوا يكتبون دون أن يكترثوا بالتعبير السليم القدير على إيصال معطياتهم -بالشفافية المطلوبة- إلى الآخرين.

جيل جديد من الكائنات، يتحدث بلغة غريبة لا تكاد تصل إلى الطرف المتلقي.

 [1] مفكر إسلامي – أكاديمي عراقي

الرابط المختصر :