; الأخيرة- الأسلوب الملتوي.. إلى أين؟ (۲-۲) | مجلة المجتمع

العنوان الأخيرة- الأسلوب الملتوي.. إلى أين؟ (۲-۲)

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر الجمعة 04-مايو-2012

مشاهدات 76

نشر في العدد 2000

نشر في الصفحة 66

الجمعة 04-مايو-2012

بقلم: أ. د. عماد الدين خليل (*)

منذ ستينيات القرن الماضي كنت قد حذّرت من ظاهرة الأسلوب الملتوي في الكتابة التي بدأت يومذاك تطل برأسها المشؤوم، فكتبت مقالًا عن «أزمة التعبير في العراق» «نشر ضمن كتاب «في النقد الإسلامي المعاصر»، الذي صدر بطبعته الخامسة الجديدة عن دار ابن كثير في دمشق وبيروت عام ۲۰۰۷م»، قلت في آخره: «البيان!! كان هدف الأولين ويجب أن يكون هدف الآخرين.. أن توضح تجربتك الشعورية، أن تبعث للنور أحداث عالمك الداخلي، أن تقوم بتنسيق دقائق انعطافاتك الوجدانية، واهتزازاتك النفسية ولمحاتك الفكرية، لا يقتضي - أبدًا - أن تكون غامضًا وأن تلح في الغموض، أو أن تلقي ظلالًا سوداء قاتمة على معطياتك لكي يقال: إنك غامض وإنك عميق.. معظم الأدباء الكبار في الماضي البعيد والقريب، ومن هو معاصر منهم، لم يصلوا القمة بالغموض، على العكس من ذلك، كان البيان ركيزة أعمالهم الكبرى البيان العميق في الوقت نفسه. 

وكثير من الشباب الذين لا تشكل أحداثهم الداخلية، وحوارهم الوجداني، سوى رصيد ضئيل، تمكنوا بالخروج على قواعد اللغة والبيان، وبالرصف الغريب للعبارات، من أن يرتفعوا - أو هكذا يخيل إليهم على الأقل - إلى مستوى الأدباء الحقيقيين، وكثير من الشباب الذين لم يستكملوا - بعد - الأدوات الأساسية للعمل الأدبي والفني، برزوا فجأة في أجواء العراق الثقافية ليفرضوا أنفسهم فرضًا في مجالات الأدب فيه..».

وأشرت في المقال المذكور إلى أهم الملابسات والنتائج التي رافقت وقادت إلى هذه المأساة:

1- إن التعقيد اللغوي والذهني يفقد العمل الأدبي مؤثراته الوجدانية.

 ٢- يضع العوائق والقيود في طريق الأعمال الأدبية والفنية، لأنه يصرف الكثيرين عن الرغبة في قراءة وتتبع تلك الأعمال حتى النهاية.

3 - يؤدي إلى اضطراب في «التكنيك» الفني للعمل الأدبي.

4- يضيّع وحدة المعنى وهدفية العطاء.

5- يؤدي إلى تشابه آلي في الأساليب وعدم تميزها وتفردها.

وينتج هذا التعقيد والاضطراب عن:

١- فوضى في الأداء اللغوي والتعبيري.

2- عدم التمرس على البيان.

3- التأثر السلبي بترجمات الأعمال الغربية، وبخاصة تلك التي نقلت إلى العربية على أيدي مترجمين لم يتمكنوا - بعد - من فن الترجمة.

4- الرغبة في ملاحقة الاتجاهات الجديدة في الغرب وبخاصة «اللامعقول» دون تفهمها.

5- حشر الرموز الأسطورية والتاريخية، وخلق مصطلحات فنية مستعجلة لم يصطلح عليها اللغويون.

٦- إثارة الاختلال والصخب في الموسيقى الداخلية والخارجية للشعر.

 بعدها، بما يزيد عن الأربعين عامًا، عدت لمعالجة الظاهرة نفسها في مقال يحمل عنوان «أبجديات حول أدب الغموض»، نشر في مجلة «حراء»، وكأن لم يتغير من الأمر شيء!

وبالتأكيد، فإن صيغ الترجمة إلى العربية من اللغات الأخرى، على أيدي مترجمين غير أكفاء، لها دور كبير في هذه الظاهرة.. فكلما ازدادت حركة الترجمة وأصبحت الكتب والمقالات والبحوث المنقولة إلى العربية بأسلوب حرفي متيبس، أو انحراف - بدرجة أو أخرى - عن نبض الكتاب أو البحث المترجم تملأ المكتبات والأسواق ازداد تأثير أسلوبها الملتوي هذا على عقول ووجدان القراء والباحثين، فراحوا يطلعون علينا بما لا يكاد يصل إلينا بسبب من عتمته والتواءاته!

أكثر من هذا، فإن الكثيرين من طلبتنا في مجال الدراسات الأدبية والنقدية أخذوا يمارسون ما يمكن تسميته بنقل القوالب الغربية الجاهزة وتنزيلها على الأعمال الإبداعية، روائية أو مسرحية أو شعرية أو قصصية، دونما أي قدر من الإضافة أو المقارنة أو التمحيص أو الرفض.. فيما يذكرني برسالة ماجستير طلب مني يوما أن أشارك في مناقشتها، وقبل أن أعطي رأيي في الموافقة أو الرفض، رحت أقلب صفحاتها التي تتناول دراسة عن الروائي المصري المعروف «عبد الحميد جودة السحار»، وكنت قد قرأت له الكثير، فإذا بي لا أكاد أعثر على أثر لهذا الروائي، وإنما وجدتني أمام تنزيل آلي رتيب للقوالب النقدية «الغربية» على معطيات هذا الرجل، كادت أن تمسخه، فاعتذرت عن مناقشة رسالة يغيب فيها الباحث ويتحول إلى مجرد إنسان آلي يستنسخ ما يقوله الآخر. 

إننا اليوم، حيث يزداد سرطان الغموض التعبيري، وتأثيرات الأعمال المترجمة والنسخ الآلي انتشارًا، علينا التحقق بوقفة جريئة لمجابهة الحالة التي تؤذن بفيضان رهيب قد يأتي على مفاهيم التعامل مع لغتنا العربية من القواعد، فيحيلها ركامًا، وما لم نتداعَ جميعًا لوقفة كهذه، فقد يأتي اليوم الذي ندخل فيه جميعًا دائرة الاغتراب اللغوي الذي يجعلنا نعيش في جزر متباعدة ومنعزلة، والذي إذا ما قدر له أن يضاف إلى حلقة اغترابنا الحضاري، فإنه سيؤكد هذه الحلقة، ويزيدها تجذرًا في ديارنا.. وحينذاك نكون قد خسرنا كل شيء.

(*) مفكر إسلامي- أكاديمي عراقي 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل