; الأسرى في الإسلام | مجلة المجتمع

العنوان الأسرى في الإسلام

الكاتب المستشار فيصل مولوي

تاريخ النشر الجمعة 10-سبتمبر-2004

مشاهدات 64

نشر في العدد 1617

نشر في الصفحة 44

الجمعة 10-سبتمبر-2004

الرفق بالأسرى والإحسان إليهم وإكرامهم ... أمر نبوي كريم: «استوصوا بالأسارى خيرًا»

إطعام الأسير المشرك فيه قربة إلى الله تعالى كما يقول القرطبي في تفسيره

  • على الإمام قبول عقد الذمة إذا طلبه الأسير.

  • الموسوعة الفقهية الكويتية: تعذيب الأسرى من التعذيب غير المشروع للإنسان.

  • الحكم الشرعي الأصلي الذي يحدد مصير الأسرى هو المن أو الفداء.

  • قتل الأسير حكم استثنائي خاص يبنى على أسباب محددة تبيح قتله... ولا يصدر القرار إلا من الإمام بناء على حكم قضائي.

ينتج عادة عن الحروب أن يأخذ كل من الطرفين أسرى من الطرف الآخر. وقد يكون بين هؤلاء مقاتلون أو نساء أو أطفال وكانت معاملة هؤلاء الأسرى تختلف بين أمة وأخرى حتى بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكانت له في الأسرى أحكام محددة تنسجم مع طبيعة الرسالة التي حملها للناس، ثم جرى التوافق الدولي في العصر الحديث على كيفية معاملة الأسرى، وصدرت مواثيق دولية كان آخرها «اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب» المؤرخة في ١٢ أغسطس ١٩٤٩م، وسأتناول فيما يلي أهم الأحكام الشرعية المتعلقة بأسرى الحرب في الإسلام مع مقارنتها بهذه الاتفاقية الدولية.

وقد اتفق الفقهاء أنه لا يجوز أسر أحد من دار الكفر إذا كان بين المسلمين وبين هذه الدار عهد موادعة، لأن هذا العهد يفيد الأمان حتى لو خرج من بلده إلى بلاد أخرى ليس بينها وبين المسلمين موادعة.

 واتفقوا أيضًا أن الحكم الشرعي للأسر أنه مشروع لقوله تعالى: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ (محمد :٤).

الأسير في يد الدولة

 اتفق الفقهاء أيضًا أن أسير الحرب ليس لأسره يد عليه ولا حق له في التصرف فيه، وعليه بعد الأسر أن يسلمه إلى الأمير ليقضي فيه بما يرى، وليس له إلا أن يشد وثاقه لمنعه من الهرب([2]).

وهذا ما نصت عليه المادة ١٢ من اتفاقية جنيف: «يقع أسرى الحرب تحت سلطة الدولة المعادية، لا تحت سلطة الأفراد أو الوحدات العسكرية التي تأسرهم».

معاملة الأسير: من إعجاز الكلام النبوي الشريف ما وصف به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الدين عندما قال: «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»([3])

ومن أعظم أخلاقه -صلى الله عليه وسلم- الصفح والعفو مع المقدرة على الانتقام، روى البخاري ومسلم «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان في حرب، فجاء رجل هو «غورث بن حارث» حتى قام على رأسه بالسيف فقال: من يمنعك مني؟ فقال: الله فسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله-صلى الله عليه وسلم-  وقال: من يمنعك مني؟ قال الرجل كن خير أخذ قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فقال الرجل: لا. غير أني لا أقاتلك، ولا أكون معك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله، فجاء أصحابه وقال: جئتكم من عند خير الناس»([4])

ومن هذه الأخلاق معاملته الأسير، وتعليمه أصحابه كيف يعاملون الأسير، ويمكن تلخيصها بما يلي:

1- الرفق بالأسرى والإحسان إليهم وإكرامهم:

هذا ما أمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله في أسرى غزوة بدر «استوصوا بالأسارى خيرًا»([5])، وقال الحسن: «وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المحسنين فيقول: أحسن إليه فيكون عنده اليومين والثلاثة، فيؤثره على نفسه»([6])، وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأصحابه في أسرى بني قريظة بعدما احترق النهار في يوم صائف «أحسنوا أسراكم وقيلوهم واسقوهم»([7])قيلوهم: أي ساعدوهم بالقيلولة وهي راحة نصف النهار عند حر الشمس، وقال: «لا تجمعوا عليهم حر هذا اليوم وحر السلاح»([8])

2- توفير الطعام والشراب والكساء لهم:

قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان:8)، ويكون إطعام الأسير المشرك قربة إلى الله تعالى كما يقول القرطبي في تفسيره ويذكر «أبو عزيز» أخو مصعب بن عمير، وكان من أسرى غزوة بدر «وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر الوصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إياهم بناء ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، وقال: فاستحيي فأردها على أحدهم، فيردها ما يمسها»([9])وكان الخبز عندهم أنفس من التمر، لندرة القمح وكثرة التمر، فلهذا كان إيثار الأسير بالخبز من باب الإكرام والحفاوة.

وذكر ابن كثير أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «أمر أصحابه يوم بدر أن يكرموا الأسارى، فكانوا يقدمونهم على أنفسهم عند الغداء»([10])

3- النهي عن تعذيبهم:

ورد في الموسوعة الفقهية الكويتية ما يلي:

التعذيب غير المشروع للإنسان، ومنه تعذيب الأسرى فقد ذكر الفقهاء عدم جواز تعذيبهم، لأن الإسلام يدعو إلى الرفق بالأسرى وإطعامهم، قال تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (الإنسان:8)، وفي الحديث: «لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح قيلوهم حتى يبردوا»([11])وهذا الكلام في أسارى بني قريظة حينما كانوا في الشمس، وإذا كان هناك خوف من الفرار فيصح حبس الأسير من غير تعذيب([12]). 

وأجاز بعض الفقهاء ضرب الأسير إذا تبين وجود معلومات مهمة عنده، وهذا أقصى ما يمكن أن يتعرض له الأسير من إساءة.

 أما التعذيب المعروف في هذا العصر، ومنه ما جرى في جوانتانامو وفي سجن أبو غريب في العراق وتناقلته وسائل الإعلام، فهو أمر مرفوض ويتناقض مع جميع المبادئ الأخلاقية والقيم الدينية والمواثيق الدولية، تنص اتفاقية جنيف بشأن معاملة الأسرى على ما يلي:

«يجب معاملة الأسرى معاملة إنسانية في جميع الأوقات... وعلى الأخص ضد جميع أعمال العنف أو التهديد، ولهم الحق في احترام أشخاصهم وشرفهم في جميع الأحوال، ويحتفظون بكامل أهليتهم المدنية التي كانت لهم عند وقوع الأسر ويجب أن تعامل النساء الأسيرات بكل الاعتبار الواجب الجنسهن» م ١٣ - م ١٤.

مصير الأسرى:

الحكم الأصلي في مصير الأسرى يقرره القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ (محمد :4).

حول هذه الآية الكريمة تذكر المسائل التالية: 

المسألة الأولى: يقول بعض العلماء أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (التوبة:٥) ويقول آخرون أنها ناسخة، وقد ذكر الطبري هذه الأقوال ثم ردها جميعًا بقوله: «والصواب من القول عندنا في ذلك أن الآية محكمة غير منسوخة»، واستدل على ذلك «بفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيمن صار أسيرًا بيده من أهل الحرب فيقتل بعضًا ويفادي بعضًا ويمن على بعض ... ولم يزل ذلك ثابتًا من سيره في أهل الحرب من لدن إذن الله بحربهم إلى أن قبضه إليه»([13])

كما ذكر القرطبي الأقوال المختلفة، واختار أن الآية محكمة واستدل على ذلك كما فعل الطبري، بفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  الثابت في الصحيح، وأن النسخ إنما يكون لشيء قاطع، فإذا أمكن العمل بالآيتين فلا معنى للنسخ([14])

المسألة الثانية: هذه الآية الكريمة تحدد الحكم الأصلي في مصير الأسرى وهو أحد أمرين: 

1- المن عليهم أي إطلاقهم بغير مقابل، وجواز المن على الأسرى هو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم، واستدلوا بما ثبت في سيرته أنه من على العاص بن الربيع والمطلب بن حنطب وصيفي ابن أبي رفاعة وأبي عزة الجهمي الشاعر وهم من أسرى بدر، كما من على ثمامة بن أسال سيد أهل اليمامة «البخاري»، ومن على ثمانين أسيرًا من المشركين «مسلم».

2- أو الفداء، أي إطلاقهم في مقابل فدية يقدمونها للمسلمين، والفدية قد تكون مالًا، والفداء بالمال هو مذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة والمالكية ومحمد بن الحسن من الحنفية، واستدلوا على ذلك بفداء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأسرى بدر بالمال وكانوا سبعين رجلًا([15]) وقد تكون الفدية طلاق سراح أسرى المسلمين عندهم، وهذا هو المعروف بتبادل الأسرى، وهو مذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبي أبي حنيفة، واستدلوا يفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، فقد فادى رجلين من المسلمين بالرجل الذي أخذه من بني عقيل «أخرجه مسلم»، وفادي بالمرأة التي استوهبها من سلمة بن الأكوع ناسًا من المسلمين كانوا قد أسروا بمكة. «أخرجه مسلم». 

وقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فادى بعض أسرى بدر على تعليم جماعة من المسلمين الكتابة([16]).

المسألة الثالثة: أضاف الفقهاء إلى الخيارين المذكورين في الآية الكريمة «المن والفداء»، ثلاثة خيارات أخرى وهي:

الأول: القتل:

فقد ثبت أن رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- قتل بعض الأسرى، منهم عقبة بن أبي معيط وطعيمة ابن عدي والنضر بن الحارث وهم من أسرى بدر([17])، وجواز قتل الأسير هو مذهب جمهور الفقهاء من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم، لكنهم يجعلونه خيارًا مرتبطًا بالمصلحة وجوبًا، فإذا كانت المصلحة تقضي بعدم قتلهم، فلا يجوز في هذه الحال أن يحكم عليهم بالقتل، كما أنه إذا ارتبط المسلمون بمعاهدات دولية تمنع قتل الأسرى فيجب عليهم الوفاء بها، ولا يجوز في هذه الحالة قتل الأسير([18]).

لكن ذكر ابن رشد في «بداية المجتهد»: «وقال قوم لا يجوز قتل الأسير، وحكى الحسن بن محمد التميمي أنه إجماع الصحابة([19])».

والذي نراه هنا أن قتل الأسير لمجرد أنه أسير غير جائز أصلًا استنادًا إلى الآية الكريمة التي حصرت مصير الأسير بالمن أو الفداء، لكنه يصير جائزًا إذا وجد في أسير معين أسباب أخرى تبيح قتله، فهو عند ذلك يقتل لهذه الأسباب وليس للأسر وهذا ما يفسر كل الحوادث التي قضى فيها رسول الله  -صلى الله عليه وسلم- بقتل بعض الأسرى، فأبو عزة الجمحي استحق القتل لأنه عاهد ونقض العهد وأسرى بنو قريظة استحقوا القتل لأنهم عاهدوا المسلمين على القتال معهم ضد كل عدو خارجي، فلما جاء المشركون وحاصروا المدينة في غزوة الأحزاب نقضوا عهدهم وانضموا إليهم، وقد كان هذا الغدر كفيلًا بالقضاء على الإسلام وإبادة المسلمين لولا أن رعاية الله حفظتهم وأسرى بدر الذين قتلهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  وهم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وطعيمة بن عدي كانوا قد قاموا بإيذاء المسلمين وتعذيبهم وتعريضهم للموت، ولذلك نقول: إن بعض الأسرى الذين يعتبرون في المعاهدات الدولية الحديثة مجرمي حرب لتسببهم بقتل الأبرياء يجب أن يقدموا للمحاكمة، ويمكن أن يحكم عليهم بالقتل أو بأي عقوبة أخرى، لكن لا يجوز لكل من أمسك بأسير أن يقتله، فذلك مخالف الصراحة النص القرآني، وللمعاهدات الدولية المعاصرة، وقد نصت اتفاقية جنيف بشأن معاملة أسرى الحرب على جواز - محاكمتهم من قبل الدولة الحاجزة، وعلى جواز اتخاذ الإجراءات القضائية بما في ذلك إنزال عقوبة الإعدام بحقهم (المواد: ۸۲ -۱۰۱) على أن تتم المحاكمة أمام المحاكم العسكرية النظامية، وأن تتوفر فيها الضمانات الأساسية المتعارف عليها من حيث الاستقلال وعدم التحيز وحق الدفاع وغيرها.

الثاني: عقد الذمة:

إذا طلب الأسير أن يكون من رعايا الدولة الإسلامية له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، ويخضع لنظام هذه الدولة مع الاحتفاظ بحقوقه الشخصية في العقيدة والعبادة، وهذا ما يسمى عقد الذمة، فقد اتفق الفقهاء من جميع المذاهب على حق السلطة في منحه عقد الذمة([20]) لكن بعض الشافعية لم يتركوا للإمام الحق في ذلك بل أوجبوا عليه قبول عقد الذمة إذا طلبه الأسير وحرموا قتله في هذه الحالة([21]).

إن المعاهدات الدولية المتعلقة بهذا الموضوع (وخاصة اتفاقية جنيف لم تشر فيما نعلم إلى مثل هذه الحالة. كما أن جميع قوانين الدول لا تشير إليها. وهذا يؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الدولة الإسلامية، دولة مفتوحة الجميع بني البشر، وأنها تستقبل أي إنسان يرغب في أن يكتسب جنسيتها ويلتزم بقوانينها، مع حقه في البقاء على دينه، ودون أن تلزمه باعتناق الإسلام، كما يؤكد أن هذه الدولة سبقت بهذا الموقف جميع دول العالم على الإطلاق وهي التي لم تصل إليه حتى الآن.

الثالث: الاسترقاق:

وهو الخيار الأخير الذي أشار إليه الفقهاء من ضمن خيارات الإمام في تحديد مصير الأسرى، لكنني لم أرد التفصيل في هذا المجال لأنه أصبح مسألة نظرية بحتة، وذلك بعد اتفاق دول العالم قاطبة على إلغاء الرق وتجارة الرقيق خاصة في اتفاقية جنيف في ٧ سبتمبر ١٩٦٥ ومما لا شك فيه أن الإسلام يرحب بمثل هذه الاتفاقات الدولية باعتبارها تعبر عن مبادئه الأساسية التي تجعل البشر جميعًا عبادًا لله، وتدعو إلى المساواة بينهم: «كلكم لآدم وآدم من تراب».

بناء على ذلك نصل إلى الخلاصة التالية: 

  1. أن الحكم الشرعي الأصلي الذي يحدد مصير الأسرى هو المن أو الفداء.

  2.  أن واجب الإمام في قبول عقد الذمة إذا طلبه الأسير، حكم إضافي مأخوذ من تحديد العلاقة مع غير المسلم، وهو يشمل جميع الأسرى.

  3.  أن قتل الأسير حكم استثنائي خاص يبنى على أسباب محددة تبيح قتله. ولذلك لا يكون القتل إلا من الإمام بناء على حكم قضائي.

  4. أما الاسترقاق فقد انتهى وجوده في هذا العصر بالاتفاقات الدولية، وهو أمر يحرص عليه الإسلام ويدعو له لأنه في الأساس يدعو إلى تحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله..

الرابط المختصر :