; الأدب (188) | مجلة المجتمع

العنوان الأدب (188)

الكاتب أحمد محمد عبد الله

تاريخ النشر الثلاثاء 19-فبراير-1974

مشاهدات 88

نشر في العدد 188

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 19-فبراير-1974

أخطاء فيما يدرس لطلابنا..

ملاحظات على مقرر القراءة والنصوص للصف الرابع المتوسط

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت».

ما أعظم هذه التوجيه التربوي وما أجمله! من كان رائده الخير فليتكلم وإلا فالصمت خير.

انطلاقا من هذا المبدأ الجليل رأيت أن أكتب ملاحظات على كتاب القراءة والنصوص للصف الرابع المتوسط راجيا أن تجد أذنا صاغية تأخذها بعين الاعتبار فننهض بلغتنا لغة الوحي، ونتلافى ما في هذا المقرر من هنات.

ولما كانت المسؤولية كبيرة ومشتركة رأيت أن أذكر القائمين على العربية بأن عليهم المسئولية الكبرى في النهوض بهذه اللغة وتقديم ما فيه الخير لأبنائنا من فكر سوي ومادة علمية محققة موثقة بأسلوب سليم لا يخرج على أساليب العربية الفصحى كذلك مع مراعاة الانسجام بين ما يدرس في النحو وبقية الفروع من قراءة وقصة وغيرها وأجمل ملاحظاتي العابرة في النقاط الآتية:

●      أولا: التثبت من صحة المادة قبل تدوينها وتقديمها للطلبة ونضرب مثلا لمخالفة هذا ١٦٤ «ورد أن عمر عزل خالدا وهو يحاصر دمشق» مع أن الصواب أو الأرجح أن العزل قد جاءه وهو في اليرموك، أما محاصرة دمشق فقد جاءت بعد تولية أبي عبيدة الإمارة (راجع البداية والنهاية لابن كثير). ونضرب مثلا آخر للتزييف التاريخي. ورد في موضوع الأساطيل العربية ص ۳۲ هذا القول «... بين الأسطول العربي المصري بقيادة عبد الله بن أبي سرح...» والحق أن هذا لم يكن أسطولا عربيا مصريا وإنما كان أسطولا إسلاميا لأن الأسطول ينسب لدولته، فتقول الأسطول الأمريكي والأسطول السوفييتي؛ ولذلك يتوجب القول بما ذكرت لأن دولة الخلافة دولة إسلامية تشمل العرب والعجم وكذلك ضيق الكاتب النظرة الإسلامية إلى عربية ثم أغلق النافذة فلم يتبق إلا المصرية وأنا أعتقد أن أمثال هذه الموضوعات يجب أن يلتزم الكاتب فيها بما كتب في كتب التراث لأنها أقرب إلى تصوير الحقيقة وأفضل من أن نزيف تاريخنا ونحصره في دائرة عنصرية إقليمية لا تعود علينا وعلى ناشئتنا بالخير الذي نرنو إليه.

 

أما موضوع الفتوحات العربية

ص ۲۸ فقد نقل بتصرف والحقيقة أن ما كتب تحت هذا العنوان ليس الفتوحات العربية بل هو أثرها وكان الأفضل أن يكتب أثر الفتوحات العربية عنوانا لهذا الموضوع ولا أحب أن أتعرض في اضطراب المقال فكريا وجهل صاحبه بتاريخ المنطقة التي ذكرها وحددها موقعا للوطن العربي حيث إنه غاب عنه أن هذه المنطقة كان يغلب عليها الجنس العربي.

 والقارئ لكتب الأنساب والمتتبع لما يكتب اليوم ويدور في الجامعات من أن الجزيرة العربية تعتبر الموطن الأصلي لسكان المناطق المحيطة بها وأنها كالبركان الذي يثور كــل ألف سنة فتقذف القبائل الى خارجها في تدفق بشري يدرك خلل ما ورد في ذلك الموضوع

والموضوع الرابع الصراع في سبيل الحياة:

يذكر الكاتب أنواع الصراع ويلخصها في سبيل المكان والطعام والحب والأنسال والقبيلة أو الجماعة. يعلق قائلا: إن هذا ينطبق على الإنسان.

 وهذا التحليل لأسباب الصراع الحياتي ينقصه نوع مهم وأسمى مما ورد ذكره جميعه وهو الصراع في سبيل العقيدة التي يمكن أن نبني عليه سرعة انتشار الإسلام في العالم كما ورد في قصة خذ الرفيق المقررة للصف نفسه، وهذا يحتم علينا تقديم مادة منسجمة متوافقة في جميع فروع العربية.

●   ثانيا- ضرورة موافقة ما يكتب للقراء والنصوص مع ما يعلم في القواعد:

مثال لذلك: «إن كتابة التاريخ والأرقام بالأعداد لا يتفق مع هدف تدريسنــا لموضوع تمييز العدد، حيث نفرد صفحات لتعويد الطلاب لفظ العدد بالحروف، فلو التزم المؤلفون خطة الانسجام والتكامل لكانت الثمرة أفضل ولما شعر الطالب بالانفصام بين النحو والتعبير السليم.

أحب أن أشير إلى بعض الأخطاء المطبعية في النحو وكان الأولى أن يرفق الكتاب بقائمة لتصحيح الأخطاء:

●            ص ۱۱۰ إن المؤمنون الصواب إن المؤمنين

●  ص ۱۲۷ بما نادى الله؟ الصواب بم

●  ص ٢١٥ يدعون عنترُ. الصواب عنترَ، وكذلك في البيت الأخير.

●  ص ١٩٩ إلا نفوسَ أبيات الصواب نفوسٌ

●  ص ۱۷۰ وقف يخاطب البحر ويحدثَه الصواب يحدثُه

 

●  ثالثا: الخطأ نتيجة عدم توخي الدقة والتأني:

ا ـ كما ورد في ص ۱۲۱ جاء الحديث الشريف متمما للقرآن الكريم، والقرآن كما نعلم تام لا نقص فيه.

ب - ورد في ص ۱۳۳ حكم بما أنزل الله ورسوله والمعروف أن الرسول لم ينزل شيئا وإنما المنزل الوحيد لهذه الشريعة هو الله سبحانه وتعالى.

 وفي ص ۱۳۳ وبموته انتهى عهد الخلافة يقصد الإمام علي والأمر خلافي إلا أن المعروف أن بني أمية خلفاء وبني العباس خلفاء وبني عثمان خلفاء وهذا موجود في كتب التاريخ والماوردي وابن خلدون قالوا بذلك.

ج - ورد في ص ١٣٤ أن كتاب الله هو أساس كل شيء فيه الخير وفيه الشر. والأصوب كما ورد في الخطبة بيَّن فيه الخير والشر.

د - ص ١٥١ «لقد منحت الجزيرة...» ضعف التركيب واضح في العبارة حيث إنه لم يستوف مفعول منح مع العلـم أنها تأخذ مفعولين.

ه - ص ١٦٢ ذكر أن «عزله عمر عن الخلافة» والصواب «عزله عمر عن القيادة»

 و - ص ۱۱۲ آية لم يرد ذكرها على الرغم أن التقديم تضمن معناها-. كذلك شرح بعض ألفاظها وسجلت فكرتها في الشرح.

ز - ص ١٦٣ سقط من الفصل بيت: يقوده حبشي في عمامته

وبهذا تكون الأبيات ستة عشر بيتا لا خمسة عشر كما ورد في ترقيم الأبيات، ولقد أغفل الشارح معنى البيت الساقط مع أن هذا النص ورد شرحه في کتاب العام الماضي.

وبعد هذه الجولة السريعة والإشارات الخاطفة أرجو أن نكون أكثر حذرا عند اختيار الموضوعات المقررة وأكثر حرصا على انسجام فروع العربية وأكثر أناة ودقة عند الكتابة والله ولي العاملين المخلصين.

 خ.م

 

الإيمان والزنزانة المتجولة

إن الأديب الحق هو من ينقل لك الصورة الواقعية، صورة حية متكاملة الأداء دونما تكلف أو عناء. ويعرف كيف يرسم شخصياته ويوائم بين الشخصية ومتطلبات القصة والحوار والأحداث وينفذ إلى مشاعر أفراده وأحاسيسهم وما يستتبع ذلك من أركان البناء الملازم للكتابة الفنية.

 و"الإيمان والزنزانة المتجولة" كتاب جديد للأستاذ محمد حسن الحمصي والذي سبق وأن قدم بعض الكتب المفيدة للمكتبة الإسلامية تحت عنوان «قصص من التاريخ» ويأتي كتابة هذا الثالث في سلسلته.

ليس هذا هو سبب التحدث عن الكتاب.. ولكن جوهره هو المقصود ففيه جميل الصدق وروعة الأداء وبراعة البيان وسهولة التعبير مع احتفاظه بخصائص فنية واضحة.

 والكتاب يتحدث عن الصحابي الجليل «كعب بن مالك» ممن تخلفوا عن غزوة تبوك.. ونزل القرآن الكريم يعاتبهم.. ثم تاب الله عليهم.. فكان «كعب» وصاحباه رضي الله عنهم جميعا.. من التوابين الأوابين.. الذين صمدوا في فترة المحنة والفتنة في لحظات الصد والهجر المرير.

والقصة معروفة في كتب التفسير وفي كتب السيرة ولكن الفنان هو من يعرف كيف يصوغ هذه الأحداث في قالب فني مشبع بالصدق لا الإغراق في الخيال والتهويم في السبحات الجامحة للفكر الخالي نحو آفاق لا روح فيها.

والحديث عن الصحابة ليس الحديث عن رجل من عامة الناس من أفراد الأمة مضى في غابر الزمان.. إذ للصحابي تجلته وتكرمته.. وله صحبته ومكانته.. فلا يجوز وضع حديث على ألسنتهم دون الوقوف مليا أمام شخصياتهم لمعرفة مدى الضبط الذي يلتزمه الكاتب حتى يحول حياتهم إلى عمل فني مخلص.. منه تستقى الفائدة وتلتمس العبرة والفطنة.

والكاتب في كتابه هذا أعطانا صورة دقيقة لذلك الحزن الذي يستبد بالمؤمن إذا ما استشعر الندم على ذنب ارتكبه ولو كان صغيرا.. وهذا دليل الإيمان.. فإذا ما أحس المؤمن أنه خالف شيئا من الدين- مهما قل شأنه وليس في الدين شيء هين وتحرك ضميره مؤنبا فإنها دواعي الإيمان تحركت فيه، فأملت عليه هذا الشعور بالحزن والقلق.. ولا يأمن مكر الله إلا من لا يقيم لعقيدته وزنا فها هي اللوعة الحارقة وذا تبريح العذاب يفزع الصحابي الكريم فلا يدعه في حالة الهادئ الراضي وإنما تسود الدنيا في عينيه.. حتى ليكاد يخرج من إهابه حزنا وقلقا وخوفا من عذاب الله وسخطه.

والكاتب رجل مسلم صادق.. عرض كتابه هذا على أحد العلماء لينظر فيه فنصحه الشيخ بعدم نشره. خشية أن تكون فيه كلمة قد لا تصح النسبة بها إلى صحابي جليل.

 ولكن الكاتب يرى أمام ناظريه تلك التمثيليات الهزيلة التي لا يتورع كتابها عن أن يصموا الصحابي بكل منقصة وينسبوا إليه خور العزيمة وأمارات التخاذل والانحراف..

فشعر المؤلف أن واجبه يدعوه لإبراز الوجه المسفر من حياة هذا الرجل الفاضل الذي عب معين الخلق والشهامة والفضيلة من نبع النبوة الفياض فطلع بها وهو أكثر ما يكون فرحا وقلقا.. فرحا بتبصير الناس بالحقيقة وإهدائها لهم وقلقا من كل كلمة قد لا تكون في مكانها صوابا.

 ونحن نقول: إنه لجهد مشكور وعمل نسأل الله تبارك وتعالى أن يثيبه عليه إحسانا فهذا التقديم اللطيف والعرض الشائق في هذه الصورة المحببة في هذا الرسم الموحي بكل لحظات الضعف الإنساني والحزن وتقطع الفؤاد حسرات والندم والإصرار في الرجوع إلى الحق والتزام الصدق.. ونبذ كل المغريات وطرد النفاق الذي يحاول التغلغل إلى بيته.. ومحاربة الدعوة إلى التفلت من العقيدة في أشد حالات الإنسان ضيقا وتبرما في كل هذا الإيمان المشرق والتربية الملهمة التي بناها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أنفس أصحابه فصارت حياتهم أنموذجا راقيا للبشرية المهذبة في سمت المؤمن الذي لا يخاف ويعلن التحدي صراحة وفي وضوح داعيا إلى تحطيم الطواغيت.. وصرح الجهل والبغي..

 هذا الكتاب نموذج من نماذج التربية الإسلامية، وصورة حية من صور الإيمان الوضاء، ومعلم على الطريق أمام السالكين فحيا الله الأخ الكريم محمد حسن الحمصي وجزاه خيرا ووفقه لإنتاج مثل هذا العمل الهادف المفيد.

 

بين الكلمة والشجرة

قال تعالى : ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ)إبراهيم ٢٤: ٢٦( القرآن الكريم يزخر بمثل هذه اللمحات النورانية التي من شأنها إيقاظ إحساس المسلم بعظمة ما هو عليه من الحق ، وخبث الباطل الذي يتمسح به أعداؤه. فلننظر في هذا المثل وما يحمل من المعاني.

قال المفسرون إن الكلمة الطيبة هي شهادة أن لا إله إلا الله، وذلك ليس غريبا إذ إن كلمة التوحيد هي جماع الخير وأصله، وقالوا إن الشجرة الطيبة هي النخلة، وهي ترمز إلى المؤمن وعمله الخير.

 روى البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبروني عن شجرة تشبه أو- كالرجل- المسلم لا يتحات ورقها صيفا ولا شتاء، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها. قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة، ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان، فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: النخلة.. ولا عجب أن كانت النخلة هي الشجرة الطيبة التي تمثل المؤمن، فهي في ثباتها وعمق جذورها كالمؤمن في أصالة دينه ومنهجه في الحياة، ورسوخ هذه العقيدة في أعماق ضميره. ثم هي في ارتفاع جذعها كالمؤمن في سموه على نوازع الدنيا وشهواتها. والنخلة من أكثر الشجر المثمر جودا، يؤكل ثمرها رطبا ويابسا، وعلى أصول شجره ومختزنا، من غير أن يلحقه العطب.

ثم لا شيء في النخلة إلا وفيه خير: خوصها وجريدها وليفها وعرجونها وكربها، فهي منافع متصلة من أسفلها إلى أعلاها، فانظر بربك إلى مدى مطابقتها للمؤمن، ونعني به المؤمن الحق، فهو حيثما حل ينشر الخير والبركة، وتحوطه عناية الله، فتارة يواسي المكروب وتارة يبر أهله وتارة يذهب إلى عمله في إخلاص وجد، فهو في كل شانه صورة حية عن الإسلام، ومثال منظور له، عمله الصالح يصعد ليلا ونهارا إلى السماء، ويسجل في الصحف البيضاء، كما قال تعالى ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا.

أما الكلمة الخبيثة التي ذكر المفسرون أنها الحنظلة، قريبة الجذور، مرة الثمار فيا له من مثل جامع وصل الحاضر بالماضي، فهي كلمة الباطل أيا كانت ومن أي لسان خرجت، هي »أعل هبل» التي كان يتشدق بها كفار مكة، وهي »لا إله والحياة مادة» التي يلوكها الشيوعيون وهي كلمة الكفر في كل زمان ومكان حيثما تأتي تجلب معها الخراب والدمار، ولا تزال تعيث في الأرض فسادا حتى يحق عليها أمر اللــــــه ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ .

وليس ذلك غريبا فإن الشيطان لا يزال يبث سمومه، ويوسوس في صدور أوليائه بالعداء للمؤمنين ومحاربتهم ، حتى يخيل للناظر أنهم قد استولوا وتملكـــــــــــوا وسيطروا، ولكن سرعان ما تهب الريح العاصفة ، وتقتلع الأشجار التي غرسوها، وتذرها أعجازا خاوية، ويبقى الشجر الصالح والثمر الصالح، ويبقى ركب الإيمان ليواصل المسير بتثبيت من الله وتأييد كما قال تعالى في الآية التي الآيات السابقة: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: ٢٧).

أبو رشید

الرابط المختصر :