; الأثر الحضاري لمسلمي أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي (1) | مجلة المجتمع

العنوان الأثر الحضاري لمسلمي أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي (1)

الكاتب خالد رزق تقي الدين

تاريخ النشر السبت 21-أبريل-2012

مشاهدات 63

نشر في العدد 1999

نشر في الصفحة 40

السبت 21-أبريل-2012

مؤرخون: المسلمون وصلوا أمريكا اللاتينية قبل اكتشافها

4 ملايين مسلم بالمنطقة معظمهم في الأرجنتين والبرازيل

البرتغاليون أحرقوا وأعدموا آلاف المسلمين في هذه القارة

البحارة المسلمون «الموريسكيون» أرشدوا البرتغاليين لأمريكا اللاتينية

البرتغاليون تعايشوا مع المسلمين ٨٠٠ عام وتأثروا بالتعاليم الإسلامية الكلمات العربية في اللغة الإسبانية 5 آلاف والبرتغالية 3 آلاف كلمة

تلقي تلك الحلقات الضوء على وجود المسلمين في أمريكا اللاتينية، والدور الذي قاموا به في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في تلك الدول. 

حيث تشير كلمة أمريكا اللاتينية إلى الأراضي في الأمريكتين التي تسود فيها اللغات الإسبانية والبرتغالية، مثل: المكسيك، ومعظم أمريكا الوسطى والجنوبية، وفي الكاريبي، وكوبا، وجمهورية الدومينيكان، وبورتوريكو وبشكل مختصر، أمريكا الإسبانية والبرازيل، بالتالي تعرف أمريكا اللاتينية، بجميع أجزاء الأمريكتين التي كانت ذات يوم جزءًاً من الإمبراطوريات الإسبانية والبرتغالية (١).

وتختلف التقديرات حول أعداد المسلمين في أمريكا اللاتينية، وحسب آخر الإحصاءات، فإن عدد المسلمين في أمريكا اللاتينية يبلغ حوالي أربعة ملايين مسلم، وهو رقم قريب جدًا للواقع، فمثلًا مسلمو الأرجنتين ٧٠٠ ألف، ومسلمو البرازيل مليون ونصف المليون(2).

وصول المسلمين

وتختلف الروايات حول أول اتصال للمسلمين بأمريكا اللاتينية، فيذهب بعض المؤرخين إلى احتمالية وصولهم إلى هذه القارة قبل اكتشافها عن طريق بعض البحارة المسلمين، نظرًا لتقدمهم في علوم البحار، ويستدلون على ذلك ببعض الكتابات والنقوش العربية التي وجدت محفورة على بعض الأحجار في مدينة «ريو دي جانيرو» وغيرها من سواحل البرازيل وأمريكا اللاتينية عمومًا، وكذلك بعض الروايات في الكتب التاريخية العلماء المسلمين الذين اهتموا بعلوم الجغرافيا، ولكن هذه الروايات تحتاج لمزيد من البحث والتدقيق، والتحقيق العلمي الدقيق، وقد تناول المؤرخون وصول المسلمين إلى أمريكا اللاتينية، ونستطيع تقسيم هذه الهجرات إلى ثلاث مجموعات رئيسة سوف أستعرضها متحدثًا عن أثرها الحضاري على دول أمريكا اللاتينية.

حينما نتحدث عن الغزاة الإسبان أو البرتغاليين، وكذلك من رافقهم من الموريسكيين، فمما لا شك فيه أن هؤلاء قد تأثروا بالثقافة الإسلامية التي كانت سائدة في شبه الجزيرة الأيبيرية، ونقلوا تلك الثقافة إلى أمريكا اللاتينية، وقد استخدم كل ما جلبه الإسبان كقاعدة لانطلاق الثقافة والحضارة الحالية في أمريكا اللاتينية (3).

وتذهب الروايات إلى أن مكتشفي أمريكا والبرازيل اصطحبوا معهم بعض المرشدين المسلمين المتمرسين في علوم البحار، هؤلاء المرشدون تظاهروا بالنصرانية للهروب من «محاكم التفتيش» في إسبانيا وأطلق عليهم الموريسكيون، وحال وصلوهم إلى أمريكا اللاتينية بدؤوا في إظهار بعض الشعائر الإسلامية، ولم يلبثوا كثيرًا حتى تم اكتشاف أمرهم، وأقيمت لهم «محاكم التفتيش» من قبل البرتغاليين في مدينة «باهية» ١٥٩٤م وغيرها من مدن أمريكا اللاتينية، وتم تحديد بعض المواصفات التي تبين من هو مسلم سرًا ونصراني جهرًا، مثل: «الاغتسال، والاستيقاظ المبكر، والصيام، ونظافة الملابس (4).

وذهب إلى هذا الرأي د. علي الكتاني (5) يرحمه الله، يقول: «عندما قام البرتغاليون بغزو البرازيل، منعوا المسلمين من الهجرة إلى هناك، غير أن هذا المنع لم يحل دون وصول العديد من «الموريسكيين» الذين كانوا من الكثرة، بحيث أشهروا في القرن السادس عشر إسلامهم، وقد أعلنت محكمة باهية بسبب ذلك بدء العمل بــ «محاكم التفتيش» الكاثولوكية منذ عام ١٥٩٤م، هذه المحاكم نفذت ضدهم أحكامًا دموية تمثلت في إعدام أو إحراق أو استعباد الآلاف منهم» (6).

تأثير حضاري

وقد برز التأثير الحضاري في عدة مظاهر:

١- ليونة طبع المستعمر البرتغالي في تعامله مع العبيد أرجعه كثير من المحللين التاريخيين للتأثر بالتعاليم الإسلامية، «إن السماحة العنصرية البرازيلية ليست وليدة الصدفة، ولكنها ترجع إلى تاريخ طويل يمتد إلى الجذور البرتغالية، فقد تعايش البرتغاليون في شبه الجزيرة الأيبيرية بشكل سلمي مع المسلمين لفترة طويلة» (7).

٢- ونجد أنه بالإضافة إلى إدخالاستخدام الحديد والدراجة التي استخدمت كوسيلة للانتقال، فإن الأيبيريين قد جلبوا معهم إلى العالم الجديد حيوانات جديدة وخاصة الحصان الذي ربما بدونه لم يكن ليتم الغزو، كما وأنهم أثروا الزراعة بنباتات جديدة مثل القمح والعنب وقصب السكر وأشجار التوت، وكذلك العديد من أشجار الفاكهة مثل التين والزيتون (8)، هذه الأمور التي تم نقلها هي أمور حضارية استفادها الأيبيريون خلال معاشرتهم للمسلمين خلال ٨٠٠ عام.

3-ويظهر التأثير الحضاري الذي نقله معهم الإسبان وكذا بعض «الموريسكيين» الذين وصلوا أمريكا اللاتينية خلال المرحلة الاستعمارية، في مختلف المجالات، مثل الهندسة المعمارية التي يمثلها الفن المدجن، واللغة حيث يصل عدد الكلمات ذات الأصل العربي في الإسبانية إلى خمسة آلاف، وفي اللغة البرتغالية حوالي ثلاثة آلاف، أو  مثل بعض الاحتفالات الشعبية، حيث مازالت بعض مدن المكسيك تنظم إلى الوقت الحاضر، مهرجانات سنوية يشارك فيها آلاف الأشخاص تسمى مهرجانات «المسلمين والمسيحيين» «Morosy Cristianos» (9).

ويقول السفير «أوزمار ميشيل شحفة» في مقدمة كتاب «عالم جديد في الأوساط الاستوائية»: إنني متأكد بأن ترجمة هذا الكتاب لن تشجع القارئ على التعرف الكامل للبرازيل فحسب، بل ستقيم الدليل كذلك على أهمية إسهام العرب في تكوين الإنسان البرازيلي، إن وجودهم في شبه جزيرة أيبيريا Peninsula berica  منذ القرن التاسع على الأقل، يثبت أن العرب، والمغاربة، والبربر، والمسلمين شاركوا كذلك في اكتشاف هذا البلد الجديد منذ الإبحار على متن البواخر الشراعية البرتغالية، وسرعان ما أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من القومية الجديدة مع تقوية عملية الاختلاط العرقي، وهذا الإسهام يؤكده العمل الدؤوب، لدرجة أن الفعل المشتق من اسم سكان شمال أفريقيا mourejar لا يزال مرادفًا للعمل في اللغة البرتغالية.

ومن جهة أخرى، فإن العبارة: «إنه يعمل كما يعمل المورو mouro أو العرب»، تعبر سواء في البرازيل أو البرتغال، عن النشاط المتواصل والشاق لأولئك الذين كانوا كبار المزارعين وكبار الفنانين من نجارين، وحدادين، وخياطي ملابس الرجال، وقصابين وغيرهم من أصحاب المهن المرتبطة بهذه الأصول العربية، التي تركت آثارًا واضحة كل الوضوح في مختلف المجالات، مثل فن العمارة، والأزياء وصناعة الحلوى (١٠).

تأثيرات عربية ومغربية

وهكذا، فإن البرازيل قد تأثرت منذ البداية بالتأثيرات العربية والمغربية (11)، حيث كان التواجد الإسلامي في إسبانيا والبرتغال لمدة ثمانية قرون، ويمكننا متابعة هذا التأثير الحضاري في العديد من الدول.

الهوامش

(1)موسوعة ويكيبيديا. 

(۲) أضواء على الإسلام والمسلمين في اليابان وأمريكا الاتينية، ص ٤٦.٤٧. (۳) ثقافة وحضارة أمريكا اللاتينية. 

(٤) المسلمون في أوروبا وأمريكا، ص ٢٥١.

(٥) علي بن المنتصر الكتاني، ولد بفاس عام ١٩٤١م، وتوفي بقرطبة عام ٢٠٠١م، تقني ومؤرخ ورائد في علوم الطاقة الشمسية، وباحث في شؤون الأقليات المسلمة. 

(6) المسلمون في أوروبا وأمريكا، مرجع سابق، ص ٣٥ . 

(۷،8) ثقافة وحضارة أمريكا اللاتينية، مرجع سابق، ص ۲۲۳. 

(۹) الجاليات العربية في أمريكا اللاتينية، ص ۳۱.

(10) مقدمة كتاب «عالم جديد في الأوساط الاستوائية».

(11) ذاكرة لبنان في البرازيل، ص ۲۱.

«*»رئيس المجلس الأعلى للأئمة بالبرازيل

الرابط المختصر :