العنوان الأبوة في سيرة المصطفى.. صفحة من إنسانية النبي ﷺ
الكاتب د. وصفي عاشور أبو زيد
تاريخ النشر السبت 04-أكتوبر-2003
مشاهدات 67
نشر في العدد 1571
نشر في الصفحة 52
السبت 04-أكتوبر-2003
باحث في التراث الإسلامي
قدوة الدعاة، لم تشغله دعوته عن أبنائه وأزواجه وذوي الحقوق عليه
شملت حياة النبي ﷺ من الجوانب الشخصية ما يمكن أن يوجد في شخصية بشر، وما يمثل معجزة محققة في هذه الجوانب أنه بلغ في كل جانب منها مداه وأدرك منتهاه فالمعلم إذا تأمل سيرة النبي ﷺ وجد بغيته، والمربي إذا تفحصها حصل على طلبته، والقائد العسكري أو الرجل الحربي إذا نظر استطاع أن يُحكم خطته، والحاكم السياسي إذا تفرس وقف على سياسته والمصلح أو الداعية إذا تأسى هدي طريقته، ولم لا، وقد قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾(الأحزاب: 21). ولهذا لم تكن شخصية النبي ﷺ ليحتويها جانب واحد فقط من هذه الجوانب، إنما تتسع وتتسع لتطلب جانبًا آخر، بل جوانب أخر.
وكثير من الناس يعلم الكثير عن حياة محمد «النبي»، لكنهم لا يعرفون إلا القليل عن محمد الإنسان، وربما ظنوا أن هيبة النبوة وقفت سدًا بينه وبين المشاعر الإنسانية من المداعبة والملاعبة والمرح، والحزن، والتبسم، والبكاء.
إن النبي -عليه الصلاة والسلام- برفقه وإيناسه كان ينسي بعض زوجاته أنها تخاطب «رسول الله» فتقول أمام أبيها: «تكلم ولا تقل إلا صدقًا، وأخرى تعارضه وتغاضيه سحابة نهارها، وقد كان بكل تواضع يتولى خدمة البيت معهن».
ومن أبرز المجالات الإنسانية التي وجدتها في حياة المصطفى جانب الأبوة، وهو جانب إنساني بحت، وربما يتساءل إنسان أتتكلم عن الأبوة، وهذا شعور طبيعي لدى كل إنسان حتى الكافر حقًا هو شعور طبيعي وعاطفة جياشة عند كل مخلوق، ليس الآدميين فحسب، لكن تعالوا نرى كيف بلغت مداها عند أحنى الآباء وأراف الأجداد.
حبه فاطمة
بلغ حب النبي فاطمة -رضي الله عنها- أن جعلها بضعة منه، روى البخاري بسنده عن المسور بن مخرمة «أن رسول الله قال: «فاطمة بضعة مني، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي».
وفي بعض الروايات يعبر بـ«مضغة» كما يروي الإمام أحمد في المسند عنه أن النبي ﷺ قال: «فاطمة مُضْغَةٌ مِنِّي، يَقْبِضُني مَا قَبَضَهَا ويبسطني ما بسطها».
حتى أراد النبي ﷺ أن يراها وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة -والإنسان يطلب رؤية من يحب عند صعود الروح- ليبثها مكنون نفسه وما ألقاه في روعه أمين السماء، عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَن مشيتها مشي النبي -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ النَّبِي -صلى الله عليه وسلم-: «مرحبا بابنتي ثم أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ أَسَرَ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ فَقُلْتُ لَهَا لَمْ تَبْكِينَ، ثُمَّ أَسَرُ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فَرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنَ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ فَقَالَتْ: مَا كُنْتُ لأفشي سر رسول الله الله حَتَّى قُبِضَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلْتُهَا فَقَالَتْ: أَسَرُ إِلَى أَنْ جِبْرِيلَ كَانَ يعارضنِي الْقُرْآنَ كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً وَإِنَّهُ عَارَضَنِي العام مرتين وَلَا أَرَاهُ إِلَّا حَضَرَ أَجَلِّي، وَإِنَّكَ أَولُ أَهْلِ بَيْتِي لحاقًا بِي فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: أَمَّا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاء أَهْلِ الجنَّةِ أَوْ نِسَاء الْمُؤْمِنِينَ فضحكت لذلك». «رواه البخاري».
وهذا الحب العميق الذي رفرفت أجنحته على فاطمة فملك عليها قلبها، جعل هذا القلب يتصدع ويتأوه يوم وفاة الأب المحب الحنون، عن أنس قَالَ «لما ثَقُلَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- جَعَلَ يَتَغَشَاهُ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ -عَلَيْهَا السَّلام-: وا كَرْبَ أَبَاهُ فَقَالَ لَهَا: ليس على أبيك كرب بعد اليوم، فلما مات قالت: يا أَبْنَاهُ، أَجَابَ رَبَّا دَعَاهُ، يَا أَبْنَاهُ، مَنْ جَنَّةُ الْفَرْدَوس مَأْوَاهُ يَا أَبَتاهُ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ، فَلَمَّا دُفنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ -عَلَيْهَا السَّلام- يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْتُوا عَلَى رَسُولِ الله له التراب؟ «رواه البخاري».
حبه إبراهيم
قبل مجيء إبراهيم بن محمد بن عبد الله كان النبي ﷺ في شوق شديد إليه لا سيما أنه مكث أكثر من عشرين سنة لم تلد له فيها إحدى زوجاته إضافة إلى موت كل أولاده في هذه الفترة ما عدا فاطمة التي ماتت بعده بقليل: رقية، وزينب، وأم كلثوم بعد زواجهن، ومات القاسم، والطاهر، ولم يتعوض إلى الآن بما يعزيه عن هذا الفقد الجلل ألا ما أشد شوق النبي ﷺ إلى مولود يكون فيه العزاء.
وجاء الطفل، وسماه إبراهيم تيمنًا بجده الأكبر أبي الأنبياء، لعله يخلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكن ما هو إلا أن مات الحلم الكبير، ومات الطفل الصغير، وقد بلغ أبوه الستين من عمره، وتظهر الأبوة والإنسانية في شخصية النبي ﷺ عند هذا الموقف أتم ما يكون الظهور، عن أنس أبن مالك -رضي الله عنه- قَالَ: «دَخَلْنَا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أبي سيف القين وكان ظئرًا لإبراهيم -عليه السلام- فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إبراهيم فقبله وشمه، ثُمَّ دَخَلْنَا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تَدْرِفان فَقَالَ لَهُ عبد الرحمن بن عوف -رضي اللهُ عَنْهُ- وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْف إِنَّهَا رَحْمَةً، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بأخرى فَقَالَ ﷺ إن العين تدمع والقلب يَحْزَنُ وَلَا نقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى ربُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لمحزونون» «رواه البخاري».
إن عبد الرحمن بن عوف في هذا الموقف اندهش من بكاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ، فربما أنساه إكباره لمقام النبوة أن النبي ﷺ من الآباء، وأنه من الطبيعي أن يحزن ويسيل دمعه، بل إنه أرحم من سائر الآباء والقلب الذي لا يحزن ليست له فضيلة في الصبر.
حبه للحسن والحسين
وقد تعدت هذه الأبوة بتدفقها حتى ضمت أبناء الأبناء لتغمرهم وتحوطهم وتنشر أجنحتها عليهم الحسن والحسين، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال الحسن: «اللهم إني أحبه فأحبه وأحب من يحبه، قَالَ وَضَمَهُ إِلَى صدره» «رواه ابن ماجه».
وروى النسائي بسنده عن عبد الله بن شداد عن أبيه قال: خرجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إحدى صلاتي الْعِشَاءِ وَهُوَ حَامِلَ حَسَنًا أَوْ حسينًا فَتَقَدم رَسُولُ الله ﷺ فَوَضَعَهُ ثُمَّ كَبُرَ للصلاة، فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أَطَالَهَا، قَالَ أَبِي فَرَفَعْتُ رأسي وَإِذا الصبي على ظهر رسول الله ﷺ وهو ساجد فرجعت إلى سجودي، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ الله ﷺ الصلاةَ قَالَ النَّاس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها حتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يكُن ولكن ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجَلَهُ حَتَّى يقضي حاجته.
وبلغ من حبه لهم أن دعا لهم الله أن يجعل من أسباب حب الله للعبد حبه للحسن والحسين فعن أسَامَةَ بن زَيْدِ قَالَ: طَرَقْتُ النبي ﷺ ذَاتَ ليلة في بعض الحاجة فخرج النبي ﷺ مشتمل على شيء لا أدري، ما هو، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَاجَتِي قُلْتُ: «مَا هَذَا الَّذِي أَنْتَ مُشْتَمِلُ عَلَيْهِ ۚ قَالَ فَكَشَفَهُ فَإِذَا حَسن وحسين على وركيه فقال: هَذَانِ ابْنَايَ وَابْنَا ابْنَتي، اللهم إني أحبهما فَأَحْبَهُمَا وَأَحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُما» «رواه الترمذي»، وقَالَ هَذَا حَدِيث حَسَنٌ غَرِيبٌ.
وتتعدى إنسانية النبي ﷺ كل الأسرة لتحتضن الأبناء والأب والأم جميعًا، كما روت أم سلمة أن النبي ﷺ جلل على الحسن والحسين وعلى وفاطمة كساء ثُمَّ قَالَ: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةً وَأَنَا مَعَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ۚ قَالَ إِنَّكِ إلى خير» «رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هَذَا الْبَابِ».
أبوة لكل المسلمين
لم تقتصر أبوة النبي ﷺ -عليه السلام- أبناءه وأحفاده فحسب، وإلا لم يكن له فضل، بل تعدت لتشمل كل المسلمين وتحوط أبناءهم.
إن النفوس التي تنكفئ على شخصها وأبنائها فقط، وتحرم أبناء غيرها هي النفوس الصغيرة الضئيلة، أما النفوس الكبيرة العظيمة فلها شأن آخر، إنها استودعت من الرحمة ومشاعر الإنسانية ما تأبى به على صاحبها إلا أن ينشرها على كل الناس ويعمهم بها، وأولى الناس بذلك الأنبياء وأولاهم محمد بن عبد الله الذي له من ذلك القدح المعلى.
عَنْ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَأْخُذْنِي فَيُقْعِدُنِي عَلى فخذه ويقعد الحسن بن عَلَيَّ عَلَى فَخِذِهِ الْأُخْرَى ثُمَّ يَضْتُنَا ثُمَّ يَقُولُ اللهم ارحمهُمَا فَإِنِّي أرحمهما» «رواه أحمد».
وروى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال «قبل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا فقال منْ الْوَلَد مَا قَبلْتُ مِنْهُمْ الأفرع إن لي عشرة من أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرحم لا يُرحم.
وفي رواية المسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَدم نَاسٌ من الأعراب على رسول الله ﷺ فَقَالُوا: أَتُقَبِلُونَ صبيانَكُمْ ۚ فَقَالُوا: نَعَمْ فَقَالُوا لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ وَأَهْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمْ الرحمة؟
وعن أم قيس بنت محصن أَنَّهَا أَتَتْ بِابْن لَهَا صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فَأَجَلَسَهُ رَسُولُ الله ﷺ في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فَنَصَحَهُ وَلَمْ يَغْسله «رواه البخاري».
وروى عن أنس بن مالك -رضي من الله عنه- قوله إن كان النبي ﷺ لَيُخَالِطُنَا، حَتَّى يَقُول لأخ لي صغير يا أبا عمير مَا فَعَلَ النغير ولم يمنع النبي ﷺ أداء شعيرة كبرى من شعائر الإسلام أن يحافظ على مشاعر الأمهات ويرحم الأطفال، فعن أبي قتادة عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنِّي أَقُومُ الصلاة أريد أن أطول. في فيها فَأَسْمَع بكاء الصبي فأتجوز في صَلَاتِي كَرَاهِيَةً أَنْ أَشْقُ عَلَى أُمِّهِ «رواه البخاري».
ولم تنزل دموع الرحمة من عيني نبي المرحمة لفراق ولده فحسب بل سالت لفراق غيره من أحفاده وأبناء المسلمين، فعن أسامة ابن زيد -رضي اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: أَرْسَلَتْ ابْنَةُ النبي ﷺ إلَيْهِ أَنْ ابْنَا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا فَأَرْسَلَ يقرى السلام وَيَقُولُ «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى وَكُلُّ عنده بأجل مسمى فلتصبر ولتحتسب، فأرسلت إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِينَهَا فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت فرفع إلى رسول الله ﷺ الصبي وَنَفْسَهُ تَتَقَعْقَعُ قَالَ حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ كَأَنَّهَا شَن فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ سَعد: يا رسول الله، مَا هَذَا؟ فَقَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرحماء» «رواه البخاري».
وبعد، فهذه صفحة مشرقة من الأبوة في حياة قدوة الدعاة جديرة أن يتأملها الآباء لا سيما حملة الدعوات وأصحاب الرسالات منهم الذين ينشغلون بالدعوة عن أبنائهم وزوجاتهم وأهليهم، ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا.