; استراتيجية الدفاع السلبي هل تفلح؟! | مجلة المجتمع

العنوان استراتيجية الدفاع السلبي هل تفلح؟!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-يوليو-1996

مشاهدات 95

نشر في العدد 1206

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 02-يوليو-1996

كم دمعت عيون الناس فرحًا، وخفقت قلوبهم بهجة على اختلاف نزعاتهم وثقافاتهم حين رأوا اجتماع الكلمة العربية، وشاهدوا التئام الشمل القومي للأمة، وحقيق بشعوب تعيش حالات التشرذم والانقسام والعداوة أن تفرح لاجتماع القلوب وإصلاح ذات البين، وجدير بها أن تسعد لهذا اللقاء بعد أن رصدت الهرولة إلى العدو المتغطرس، وشاهدت التنازلات إلى المحتل الشرس، وعاينت الانهيار أمام الصهيونية الغازية، ألا يجوز لها بعد ذلك أن تحدث نفسها آملة في عزة، طامعة في كرامة، راجية في قوة، ولسان حالها يقول: لعل وعسى وقد

غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ***  كذا الدهر في أيامه العسر واليسر

لبسنا صروف الدهر لينا وغلظة *** سقاناه بكأسيهما العصر

خصوصًا أن الأمة العربية الممتدة الأطراف من المحيط إلى الخليج يبلغ تعدادها اليوم في المنطقة ما يربو على مائتي مليون نسمة، وعندها من الموارد والخامات والإمكانات ما أطمع العدو، وأسال لعاب الغزاة، وعلى رأسها اليوم عدد غير قليل من الأشاوس والمغاوير يحفظون الزمار، ويحرسون الديار، وقد ناموا نومة طويلة، وغفوا غفوة مديدة، والناس حائرون واجلو النفوس محتبسو الأنفاس يرجون صحوتهم وينتظرون الفرج أو اليسر بعد العسر:

لقد تاه قوم قدوك أمورهم *** بدابق إذ قيل العدو قريب

رأوا جسدًا ضخمًا فقالوا مقاتل  *** يعلموا أن الفؤاد نجيب

إن التجمع العربي اليوم ناهيك عن التآخي الإسلامي إن كان مفرحًا ولا شك ومفيدًا ولا غرو، ولكن هل هذا يكفي؟ وهل يصد هذا عنا العدو الغادر؟ وهذا المغتصب الطامع؟ وهل هذا هو مطلب الشعوب وآمال الأمة؟ وهل هذا سيؤدي فعلًا إلى الانتصار، وإلى فرض التوجه القومي؟ أم أنه يجب أن تكون هناك خطوات أخرى عملية لا كلامية وفعلية لا قولية، وأن يكون عندنا استراتيجية علمية واضحة المعالم للتقدم والردع، ومخططات مدروسة بينة الوجهة للمنافسة والمنازلة. 

لقد خرج اليهود من التيه ودخلناه نحن، واستمر معنا أكثر من أربعين عامًا، ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (المائدة: 26)، إن خطورة الصهيونية الإسرائيلية حقيقية لا يستطيع أحد أن يشكك في ذلك ولا حتى المهرولين إليها، لقد دخلت إسرائيل المجال العربي في عصور الضعف والهوان والاستسلام، تحت مظلة الاستعمار، وستظل ما دام السبب قائمًا، والأجواء متشابهة، ولكنها دخلت مجالنا وهي متحفزة ومتسلحة بالقوى الروحية والمعنوية والعلمية والتكنولوجية، ولم تضيع وقتها في مهاترات أو تمزقات شعبية أو قومية أو سلطوية، ونظرت إلى الواقع العربي فدرسته دراسة وافية، وتعاملت معه بكفاءة ومكر وتخطيط. 

دخل اليهود أفرادًا في فلسطين، وتحت الغفلة أصبحت عصابات أقامت المجازر في القرى الآمنة، واستولت عليها فتصدت لها مقاومة إسلامية شعبية وكادت أن تنتصر، فتآمرت عليها وخذلتها القوى العربية، ثم تدخل الاستعمار وقسم فلسطين وأعطى اليهود ثلثها، فثارت الأنظمة ولم تستعد، ودخلت الحرب مع إسرائيل وحاربت بغير عدة فهزمت واستولى اليهود على معظم فلسطين، فثارت الأنظمة مرة أخرى ودخلت الحرب بالكلام فهزمت وأخذت كل فلسطين، فثارت الأنظمة وحاربت وهي أكثر ضعفًا، فاحتلت أراضي عربية فوق فلسطين، فنسيت فلسطين وحاولت أن تسترد أراضيها فقط وإسرائيل تقول: وما الثمن وما المقابل؟ 

ثم جاء الليكود ليقول: لا للأرض لا للقدس لا للجولان، والحقيقة أن إسرائيل لم تنتصر على الشعب العربي، وإنما انتصرت على الأنظمة، ولم تتغلب على الأمة المسلمة، وإنما تغلبت على سلطات فاقدة الهوية تائهة عن الطريق، إن أكثر من 24 قمة عربية موسعة وأضعافها قمم مصغرة لم تستطع أن تمنع التقهقر العربي، فضلًا عن أن تردع عدوًا أو تخيف غازيًا أو دخيلًا، ونخشى إذا استمرت الأوضاع أن تكون هذه القمم غير المخططة أو المستعدة أو الموجهة إلى الوجهة الصحيحة، منبطة ومجهضة للشعوب ومحفزة ودافعة للعدو، ومجيشة له، وحافزة له على الإيغال في الاستعدادات والاستحكامات. 

إن إسرائيل أخشى ما تخشاه اليوم وغدًا أربعة أشياء تحاول منعها بكل قوة وإصرار: 

أولها: بحث الهوية الإسلامية لأنها تستطيع أن تجيش القوة اللازمة للوقوف أمام العدو وقهره، وتقدر على بعث العزيمة القادرة على صد المعتدي ودحره، وتتمكن من خلق الاستعداد المعنوي والحربي والعمل على التفوق الكمي والنوعي فيه، لأن الاستعداد عندها فريضة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ ‏(الأنفال 60) والحذر عندها واجب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ‏(النساء 71)،  والإبطاء في مواجهة العدو جريمة ﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ (التوبة: 39)،  ويستطيع الراصد للساحة العربية والإسلامية أن يرى جهود اليهود في التحريض والإيقاع بين التوجه الإسلامي وبين كثير من الأنظمة على الساحة، ولهذا يقول ابن جوريون رئيس وزراء إسرائيل الأسبق: «نحن لا نخاف العرب.. نستطيع أن نتفاهم مع الأنظمة ولكن أخشى ما أخشاه أن يبعث في الأمة الإسلامية محمد بن عبد الله من جديد»، إشارة إلى البعث الإسلامي الذي ما دخل في معركة إلا انتصر فيها على مدار التاريخ. 

ثانيها: اجتماع كلمة العرب لأن الاجتماع قوة، والفرقة شتات، ويريد اليهود أن يقال هذا الشتات متفرقًا وشرذمًا حتى يستطيعوا أن يضاعفوا من الضغوط والهرولة، وأخذ المكاسب، وحصد الولاءات، واستغلال المنطقة الاستغلال اللازم. 

ثالثها: التقدم العلمي والتكنولوجي: وإسرائيل تخشى بقوة تخطي العرب لحاجز التخلف العلمي والتكنولوجي، وبروزهم كقوة في المجال العلمي، فيستغنون بذلك من الخارج وعن استيراد المنتجات التكنولوجية ويتخلصون بذلك من التبعية في التصنيع والإنتاج، ويستطيعون مواجهة التحدي والبروز كلوة منافسة عالميًا، لما لهم من مكانة وعندهم من إمكانات مادية وبشرية فيبطل بذلك كثير من أهداف إسرائيل الاستغلالية، لأنها تخطط لجعل الشرق الأوسط سوقًا لها، وتحت سيطرتها بشرًا وخامات وأموالًا.

رابعها: تسليح العرب وتقدمهم الحربي: حتى تظل إسرائيل هي القوة الفاعلة الضاربة المسيطرة، تؤدب من تشاء وتردع من تشاء ولا حراك، وإسرائيل أصبحت دولة نووية وهيدروجينية وتملك 200 رأس نووية، ومنصات للصواريخ، وتخترع الصواريخ المضادة للصواريخ، وطائرات التجسس التي تمول بها الولايات المتحدة نفسها والهند وكثير من الدول، وعندها 7 منشآت نووية: ديمونة - سوريق – بالميكيم – يوديفات – عليون - بير يعقوب -  كفار زكريا، ولكنه يحظر على العرب أي تصنيع للسلاح ولا حتى تطويره، وما الضجة التي تثار اليوم، والتهديد الأمريكي لمصر لأنها تريد أن تحصل على صواريخ من كوريا، وما محاصرة كل من يفكر ولو للحظة أن يصنع أو حتى يستورد أسلحة هجومية في الوطن العربي والإسلامي إلا إجهاضًا للقوة العربية والإسلامية التي لابد وأن تكون خاضعة وقليلة ومنهارة.

وبعد.. ألا يحق للأمة العربية والإسلامية اليوم أن تسأل وتقول: وماذا بعد الاجتماعات؟ أتكون هناك مخططات واستراتيجيات عملية ترد الهزيمة؟ أم نظل نستعمل استراتيجيات الدفاع السلبي، وينضم هذا الاجتماع العربي إلى ما سبقه على هذا الطريق، ولا يطلع الصباح، أو يبزغ لهذه الأمة فجر بعد ليلها الطويل؟!

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل