; اتفاق الخليل حلقة جديدة في مسلسل التنازلات والهزائم التفاوضية | مجلة المجتمع

العنوان اتفاق الخليل حلقة جديدة في مسلسل التنازلات والهزائم التفاوضية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1997

مشاهدات 57

نشر في العدد 1233

نشر في الصفحة 9

الثلاثاء 07-يناير-1997

     اتفاق الخليل الجديد ليس نصرًا كما تدعي سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني وتروج في وسائل الإعلام، بل هو نسخة مكررة وممسوخة عن الاتفاقات السابقة، التي تمت صياغتها وفق المنظور الإسرائيلي، وجاءت منسجمة مع الشروط والمواصفات الإسرائيلية المتشددة.

     وإذا كان اتفاق الخليل السابق الذي وقعته السلطة الفلسطينية مع حكومة حزب العمل عام 1995م في طابا- قد وصف في حينه بأنه سيئ ومصاغ وفق الرؤية الأمنية الإسرائيلية المتشددة، فإن الاتفاق الجديد جاء أكثر سوءًا وخطورة؛ حيث تمكن الجانب الصهيوني من فرض الكثير من الشروط والإملاءات الجديدة التي لم يملك المفاوض الفلسطيني -الضعيف والمتهالك على التوصل لأي اتفاق- إلا التجاوب معها والقبول بها وتجرع سمها. 

     رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو قال إن اتفاق الخليل الجديد أفضل من سابقه، وأكثر تفصيلًا بالنسبة للحاجات الأمنية الإسرائيلية، وأكد أن حكومته استطاعت أن تفرض على الجانب الفلسطيني إدخال عشرة تعديلات على الاتفاق الأصلي تتعلق بالترتيبات الأمنية، ورغم ذلك خرج مسؤولو السلطة المنهزمون ليتحدثوا عن تحقيق نصر في الاتفاق، ولا تعلم ما هو النصر الذي يقصده هؤلاء المناضلون -كما يزعمون- الذين كانوا يرفضون في بداية الأمر مجرد إعادة فتح اتفاق الخليل للتفاوض بعد أن تم الانتهاء منه والتوقيع عليه مع الحكومة السابقة، ولكنهم عادوا ووافقوا على فتح جميع بنود الاتفاق للبحث والنقاش، ثم تنازلوا للوفد الإسرائيلي بعد ذلك، ووافقوا على كل ما فرضه الإسرائيليون من تعديلات.

     الاتفاق الجديد منح الجانب الإسرائيلي شرعية فلسطينية لتقسيم مدينة الخليل إلى قسمين (1H) و(2 H) ، وفي ضوء ذلك يصبح انتقال المواطن الفلسطيني من مكان لآخر داخل المدينة نفسها أمرًا في غاية الصعوبة والتعقيد؛ بسبب حواجز التفتيش الإسرائيلية الكثيرة المنتشرة داخل المدينة.

     والمسجد الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل والذي بات مهددًا ويوشك أن يتحول إلى كنيس يهودي- سيكون بالكامل تحت السيطرة الإسرائيلية بعد أن رفض الجانب الإسرائيلي إعطاء أي دور ولو شكلي لأفراد الشرطة الفلسطينية في الإشراف على أمن الحرم، أو حتى مجرد التواجد حوله.

     وبموجب الاتفاق الجديد ستكون هناك مناطق عازلة تفصل التجمعات الفلسطينية عن الأحياء التي يسكنها (400) مستوطن يهودي في المدينة، وعلى الرغم من أن هؤلاء المستوطنين لا يشكلون سوى (3) في الألف من عدد سكان المدينة، فإن أكثر من (20) ألف فلسطيني سيكونون رهائن في المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي الذي سيسيطر على (20%) من مساحة المدينة حسب الاتفاق، لتوفير الأمن والحماية للمستوطنين الـ(400) الذين يعتبرون الخليل أرض أجدادهم، ويطالبون علانية بترحيل سكان المدينة الفلسطينيين الذين يبلغ عددهم (120) ألفًا بحجة أنهم محتلون وغاصبون.

     وفي الوقت الذي لم يحدد فيه الاتفاق الجديد عدد جنود الاحتلال الذين سيتواجدون في مدينة الخليل أو نوع أسلحتهم، فإنه لن يسمح للجانب الفلسطيني بإدخال أكثر من (300) شرطي مزودين بـ (200) مسدس، و(100) بندقية، وسيمنع أفراد الشرطة الفلسطينية من حمل البنادق في المناطق القريبة من الأحياء اليهودية؛ أي أن هذه البنادق ستستخدم ضد الفلسطينيين لملاحقة «أبناء الشعب الفلسطيني وحماية المستوطنين والجنود الإسرائيليين»، ولن يسمح باستخدامها لحماية الفلسطينيين من هجمات المستوطنين الصهاينة الذين يتسلح حتى أطفالهم بالبنادق الرشاشة. 

     وحسب الاتفاق الجديد فسيكون للمستوطنين -الذين فشلت جميع الاتفاقات بإخراج مستوطن واحد منهم- مطلق الحرية في عملية البناء داخل أحيائهم، ولن يكون لبلدية الخليل أي سلطة أو صلاحية في الإشراف على أمور البناء داخل مناطق تواجدهم، في الوقت الذي سيمنع فيه الفلسطينيون في المناطق المجاورة لتلك الأحياء من البناء بحرية، وسيكون الأمر خاضعًا لتقدير الجانب الإسرائيلي الذي يتذرع بمبررات توفير أقصى درجات الأمن للمستوطنين.

    وفي الوقت الذي يتفاخر فيه رموز السلطة الفلسطينية بإنجازهم في مدينة الخليل، فقد حرص نتنياهو على تأكيد أن إسرائيل ستبقى موجودة في مدينة الخليل إلى الأبد، وأنه لن يتنازل عن أي جزء من الضفة الغربية، وخاطب اليهود قائلًا: «إن من يقول لكم إننا سنترك الخليل فهو يكذب لأننا متواجدون هناك، متواجدون لنبقى إلى الأبد».

      اتفاق الخليل الجديد هو محاولة لإخراج حكومة نتنياهو من ورطتها السياسية التي نجمت عن سياساتها المتشددة، فنتنياهو يسعى من وراء الاتفاق الجديد لإظهار حكومته كطرف راغب في استمرار عملية التسوية وتقدمها، ولإقناع العالم بأن ما يسمى بالعملية السلمية في المنطقة ما زالت مستمرة، والاتفاق الجديد لن يؤدي إلى أي استقرار، ولن يقود سوى لأوضاع متفجرة،    فمدينة الخليل باتت فوق برميل بارود يمكن أن ينفجر في أي لحظة، فلا توجد ضمانات بعدم تكرار مذبحة الحرم الإبراهيمي التي ارتكبها مستوطنون يهود في المدينة بتواطؤ من قوات الجيش الإسرائيلي، بل إن تهديداتهم ترجح ذلك.

     والسؤال المطروح الآن هو: ماذا بعد اتفاق الخليل؟ وهل سيكون هذا الاتفاق «الممسوخ» الذي ولد بعد طول مخاض نموذجًا للمفاوضات حول قضايا ما يسمى بالمرحلة الانتقالية التي كان يفترض أن تكون قد انتهت قبل سبعة أشهر، والتي من المرجح أن يستغرق التفاوض حولها الأعوام الثلاثة والنصف المتبقية من فترة حكم نتنياهو دون أن يتم إنجاز شيء سوى مزيد من الهزائم السياسية للسلطة الفلسطينية التي لم تعد سوى معبر لمطامع الإسرائيليين في فلسطين المحتلة؟ إن تحرير فلسطين وتحرير الأراضي الإسلامية المغتصبة لا يتم إلا بتضافر الجهود وتعاون الجميع، وإذكاء روح الجهاد في حياة الأمة.

     وإن الذين يعولون على هذه الاتفاقات إنما يسيرون في طريق الهزائم، أما طريق التعامل مع اليهود فقد حدده الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم قائلًا: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: 14). ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 21).

الرابط المختصر :