العنوان اتحاد أفريقي!.. هل أُقيمَ لتحقيق أحلام القذافي؟
الكاتب محمد طه توكل
تاريخ النشر السبت 20-يوليو-2002
مشاهدات 70
نشر في العدد 1510
نشر في الصفحة 29
السبت 20-يوليو-2002
شَهِدَت مدينة ديربان في جنوب أفريقيا آخر مجلس وزاري وآخر قمة لمنظمة الوحدة الأفريقية التي شَيَّعَت جنازتها دون مراسم عزاء في يوم 9 يوليو الجاري، ليُعِّلن قيام الاتحاد الأفريقي... وبهذا يُسدِل الستار على حقبة أربعين عامًا كانت خلالها منظمة الوِحدة أداة أفريقيا السياسية.
يَعتَبِر المُراقِبون أن قيام الاتحاد الأفريقي خطوة تَتَسِّق مع المُتغيرات والمُستجدات في العالم، وأن الاتحاد سيكون أكثر مؤسسية من منظمة الوحدة, وسيُفسِح المجال لجوانب لم تكُن تهتم بها المُنَظَّمَة مثل التجارة والصناعة والبيئة والتكنولوجيا وحقوق الإنسان والديمقراطية والتَعَدُّدِية.. وقد ظهرت أولى مُبادرات الاتحاد الأفريقي في القرار الخاص بعدم الاعتراف بنظام الرئيس ريفولا مانانا في مدغشقر باعتباره غير دستوري، كما أُعطي الاتحاد الأفريقي صلاحيات أوسع في اتخاذ إجراءات عقابية ضد المُنقَلِبين على المؤسسات الدستورية والديمقراطية.
وقد تسابقت الدول الأفريقية قبل إعلان الاتحاد على احتضان مؤسساته الجديدة، ليبيا تعرِض قيام البرلمان الأفريقي على أراضيها، وبتسوانا تريد المصرف المركزي، ونيجيريا تعرض استضافة مَحكمة العدل الأفريقية، وجنوب أفريقيا تريد صندوق النقد الأفريقي، وبدأت الاستقطابات من كل جانب, وكان أكبرها إعلان رئيس زامبيا, أن ليبيا ترغب في استضافة مقر الاتحاد عِوضًا عن العاصمة الأثيوبية أديس أبابا.
وتفيد مصادر دبلوماسية أن بعض الرؤساء اقترحوا على ليبيا نسخ نظام الأمم المتحدة- التي توجد رئاستها في نيويورك وفرعها الرئيس في جنيف- ونقله للاتحاد الأفريقي؛ بحيث تستضيف الجماهيرية الليبية الفرع الرئيس لمقر الاتحاد، وقد لَعِبَ وزير خارجية السودان دورًا كبيرًا في إطفاء حريق كان يمكن أن يَشِّب بين أثيوبيا والجماهيرية.
كان صراع مُستتر قد دار خلال الشهر الفائت بين الجماهيرية وجنوب أفريقيا، خاصة عندما هاجَم العقيد القذافي برنامج الشَرَاكة الجديدة لتنمية أفريقيا «النيباد» وقام الرئيس الجنوب الأفريقي ثابو أمبيكي بزيارة إلى طرابلس؛ لتهدئة أجواء الخلاف قبل قمة ديربان، ورغم أن الجماهيرية كانت تطمع في أن تنعقد قمة إعلان قيام الاتحاد على أرضها، إذ إنها كانت أول من نادى بهذا الاتحاد، إلَّا أن القذافي رحَّب في كلمته التي ألقاها في الجلسة الافتتاحية لقمة دیربان بانعقاد القمة في جنوب أفريقيا؛ باعتبار أنها كانت آخر دولة تلتحق بالمنظمة الأفريقية الراحلة, ومن حقها أن تنال ذلك الشرف! غير أنه هاجم من طرف خفي «النيباد», واعتبره إملاءً غربيًا وخضوعًا للمُستَعمِرين، وبالمُقابل فقد حملت صحيفة «ميكروري» الصادرة في جنوب أفريقيا على القذافي ووصفته «بالدكتاتور»، وبِبُغضه للديمقراطية.
لقد حققت جنوب أفريقيا بإعلان الاتحاد الأفريقي على أرضها انتصارًا، وحققت طموحها كأقوى دولة في منطقة جنوب أفريقيا، فبعد أن اعتمدت طويلًا على ظِل الرئيس السابق المُناضِل مانديلا، تريد الخروج بأعمال وإنجازات تُحسَب لها كدولة.
أما بالنسبة للقذافي فإن حلمه في قيام «اتحاد الدول الأفريقية» قد تحقق بنبرة أخَّف مِمَا كان يرمي إليه بإعلان «الاتحاد الأفريقي»، وفي رأي المراقبين الأفارقة فإن العقيد مازالت أمامه فرص كبيرة في تحقيق رؤيته في الاتحاد من خلال آلية التمويل نظرًا لسيطرته على الأموال في بلاده، بينما رئيس جنوب أفريقيا رهين مؤسسات رقابية تُحِّد من إطلاق يده في الناحية المالية، حتى إن قمة ديربان اعتمدت في تمويلها أساسًا على المؤسسات والشركات التجارية, والرأسمالية الوطنية.
وبالنسبة للعالم العربي، فيمكن القول إن القمة كانت أكثر القمم وضوحًا في تأييد فلسطين والتضامن معها، والرغبة في تطوير علاقات أفريقيا مع العالم العربي، وبالمقابل تُعتَبَر قمة ديربان أخَّف القمم الأفريقية نبرة في مهاجمة الغرب أو انتقاده، خاصةً وأن قمة الثمانية الكبار في كندا استضافت أربعة رؤساء أفارقة «نيجيريا وجنوب أفريقيا والسنغال والجزائر» مما أثَّر على الخطاب الأفريقي التقليدي.
وفي غُمرة التَرَقُّب الأفريقي للحدث التاريخي بقيام الاتحاد وانشغال الدول ووفودها؛ بحَصر المكاسِب المُمكِنة والالتزامات المُتَوَقَعَة، والصِراع على اقتسام «الكعكعة» خَلَت قمة ديربان من الظاهرة التي كانت إحدى سِمات القمم الأفريقية السابقة، وهي التركيز على الأزمات والصراعات التي تعاني منها القارة في الصومال, وسيراليون, وليبيريا, وبورندي, والكونغو الديمقراطية, وجزر القمر, ومدغشقر، واكتفت بلمسها لمسًا خفيفًا، وتوجيه النداءات للأطراف المعنية بتحكيم العقل.
وفي النهاية يمكن القول إن منظمة الوحدة الأفريقية قُبرت في مركز المؤتمرات الدولي بديربان وانتهى العزاء فيها بانتهاء مراسم التشييع, لينتقل المشهد إلى إستاد «أي بي سي» حيث أُقيمَ حفل على الطريقة الجنوب أفريقيَّة اشتمل على كل أطياف البهجة، ولم يتخلَّف عنه نسور السنغال، الذين وصلوا إلى دور الثمانية في نهائيات كأس العالم الأخيرة باسم القارة الأفريقية، وبحضور تسعة وأربعين رئيسًا أفريقيًا، بينهم ملك واحد (ليسوتو) وأكثر من خمسة آلاف من الزوار والوفود قيل إن سبعمائة منهم على الأقل من الليبيين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل