العنوان إمام المربين
الكاتب منير الغضبان
تاريخ النشر الثلاثاء 19-فبراير-1974
مشاهدات 119
نشر في العدد 188
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 19-فبراير-1974
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
سنقف مع حديث نبوي واحد لإمام المربين محمد عليه الصلاة والسلام نفقه منه أصول التربية الخالدة للطفل..
النص: عن ثابت عن أنس رضي الله عنه قال: أتى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا فبعثني في حاجته فأبطأت على أمي، فلما جئت قالت: ما حبسك؟ فقلت بعثني رسول الله في حاجة قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تخبرن بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا قال: أنس: والله لو حدثت به أحدا لحدثتك به يا ثابت.. رواه مسلم وروى البخاري بعضه مختصرا..
١ - أنس بن مالك طفل يدرج في العاشرة من عمره مهمته الأساسية خدمة رسول الله عليه الصلاة والسلام والخادم عليه أن يكون ليل نهار بين يدي من استخدمه واحتاج- الرسول عليه الصلاة والسلام حاجة ضرورية ملحة ولم يجد خادمه بين يديه هل بعث وراءه من يجلبه عنوة لينزل به عقوبته؟ كما يفعل المربي عند خطأ تلميذه أبدا بل خرج هو وراءه يبحث عنه فلا يجد المربي غضاضة أن يبحث عن تلميذ إن كان له به حاجة وهذا لا ينقص من شأنه والتربية الحديثة تقوم على الصداقة بين المربي والطفل والاهتمام به..
٢-أتى علي رسول الله وأنا ألعب مع الغلمان فلقد ترك أنس مهمته الرئيسية وخرج يلعب مع الغلمان لا بد له إذن من عقوبة حسب ما هو راسخ في أذهاننا وضع اللعب في وقت العمل والجد ولنكن واقعيين كيف يفعل المعلم يوم يرى التلميذ يعبث بحقيبته أو يكلم رفيقه أثناء الدرس إنه يستشيط غضبا ويعتبر ذلك إهانة له وينزل به العقوبة القاسية ويرى أن التلميذ لا يحرم الدرس ولا المعلم ولا العلم.
هذا مفهوم خاطئ ولقد عرفنا غير ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاهتمامات الطفل هي الأولى بالرعاية لا اهتمامات المربي ومهمة المعلم هي القدرة على تصريف الطاقات وإثارة الاهتمامات بالإضافة إلى ناحية أخرى مهمة وهي حاجة الطفل الملحة إلى اللعب ويجب أن نلبي الحاجة، ومن أجل هذا لم نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. هل يغضب أو يزمجر أو يتوعد وحاشاه عليه الصلاة والسلام فماذا فعل؟.
۳- (فسلم علينا)... سلم على الأطفال اللاهين العابثين لم يتفرق الأطفال عند رؤيته ذعرا منه فهم يشعرون أن صديقا حبيبا لهــم أتى لمكان لعبتهم فسلم عليهم فردوا عليه السلام، إنها إنماء شخصية الطفل ومواهبه. وكم يشعر الطفل بشخصيته وقيمته يوم يرى رسول الله يمر عليه وهو يلعب فيلقي عليه السلام خطر بذهن مربينا اليوم أن يلقوا السلام على طلابهم حتى وهم يلعبون إن كانت التربية الحديثة تدعو اليوم إلى ذلك وتعتبر الطفل - وحاجاته ومواهبه محور العملية التعليمية لا المربي - فلقد كان أمام المربين قبل أربعة عشر قرنا هو الذي قدم لنا ذلك في صورة تربية عملية سلوكية
٤- فبعثني في حاجته. وضن علينا أنس أن يخبرنا بهذه الحاجة فلا شك أنه ساره بها بين زملائه ولو قالها له علنا لعرفها كل رفاقه، لقد اختاره من بين رفاقه لمهمة وتظهر لأعيننا الآن فكرة الفروق الفردية ومراعاتها فكل طفل له طاقاته وإمكانياته...
لقد راعى رسول الله صلى الله عليه وسلم شخصيات الأطفال جميعا يوم ألقى عليهم السلام وهم يلعبون ثم راعى الفروق الفردية بطبيعة ظروفهم فانس يعمل عنده فساره رسول الله بحاجته وبعثه بها..
5 - وكم يشعر أنس الطفل بثقة لا حد لها واعتزاز لا حد له يوم رضي رسول الله أن يساره ويبعثه بحاجته إنه يحس أنه ملك الدنيا بأسرها وكل ما تحلم به التربية الحديثة اليوم هو النمو الصحيح لشخصية الطفل وإمكاناته ولقد كان لهذا السلوك أعظم الأثر في نمو شخصية الطفل نرى أثره في- نهاية الحديث..
٦-فأبطأت على أمي، وهذا يعطينا من الاهتمام الشخصي لدى أنس بحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغم أنه يعلم أن أمه ستحاسبه على تأخره ولكنه تناسى ذلك أمام الاهتمام الكبير الذي استثير لديه وأمام رغبته الملحة أن يلبي حاجة رسول الله عليه الصلاة والسلام مهما كلفه ذلك من ثمن ومن أهم ما تركز عليه التربية الحديثة لتحقيق العملية التعليمية السليمة هو إثارة التشويق والاهتمام لتلقي الطفل العلم من ذاته لا من إرادة خارجة عنه أو مفروضة عليه.
٧- "فلما جئت قالت ما حبسك" وننتقل هنا إلى دور البيت في التربية والبيت مسؤول أن يهتم بتصرفات- أطفاله وأن يتعرف على سلوكهم فلا غرابة أن تسأل المربية العظيمة والمسلمة الخالدة أم سليم ابنها عن مكان وأسباب احتباسه وهي تعلم أن على عاتقها مسؤولية ضخمة في دراسة تصرفات ابنها وسلوكه.
وهذا ما تدعو التربية الحديثة إليه من الاهتمام بسلوك التلاميذ والتعرف على نفسياتهم.
۸ - قلت: كنت في حاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهي الشخصية النامية السليمة والتي اعتدت بوجودها ووثقت باستقلالها حتى عن أمها، كنت في حاجة رسول الله فهو صاحب مسؤولية وصاحب ثقة وصاحب قضية وإن كان طفلا يلعب مع الغلمان قبل لحظات أما الآن فهو يحمل أعباء خاصة به وهي حاجة رسول الله التي لباها.
۹ - قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر!! طفل في العاشرة من عمره تسأله أمه التي لا يمكن أن يخبئ عليها والتي تعرف كل تحركات ابنها وتحصي كل شوارده ومع هذا يقف أنس الطفل بشخصيته المتميزة وكيانه المستقل وثقته الكبيرة ليقول لأمه إنها سر..
إنها الثمرة الثالثة من ثمرات التربية النبوية فالثمرة الأولى إشاعة الثقة في نفسية الطفل يوم سار من بين زملائه والثمرة الثانية إثارة الاهتمام يوم أبطا على أمه لاهتمامه بحاجة رسول الله والثمرة الثالثة النمو السليم والمتكامل يوم احتفظ بسر رسول الله حتى عن أمه أقرب المقربين إليه...
۱۰ - قالت: لا تخبرن بسر رسول الله أحدا..
يا لروعة تربية البيت المسلم بجانب التربية النبوية أن الأم أحيانا لتضرب ابنتها وتؤذيها يوم تكتم شيئا عنها ويدفعها دافع المفضول إلى إدراجها في المزالق المحاولة استخراج أسرارها بل وتعتبر ذلك إهانة لها يوم لا تسارها بكل شيء بينما نجد المربية العظيمة أم سليم ومنذ عرفت من ابنها الصغير أن حاجة رسول الله سر وأنها خاصة به وأن هذا الطفل محط أسرار نبيه و محل ثقته تابعت مهمة التربية النبوية وهيأت لها المجال لتأخذ مداها الصحيح فلم تضرب ولم تثر ولم تستدرج بل شجعت على هذا النمو وعلى هذه الثقة وعلى هذا التكوين الرائع للشخصية فقالت لابنها الحبيب: لا تخبرن بسر رسول الله أحدا.
وكم وجدنا كل طرائق التربية الحديثة تفشل مع التلاميذ لأن البيت لا يتعاون مع المدرسة.
۱۱ - يقول أنس: والله لو حدثت به أحدا لحدثتك به يا ثابت(أي سر رسول الله أننا الآن لسنا مع طفل بل مع شيخ كبير يقص على أحد تلاميذه الشباب- ذكرى من ذكريات طفولته إننا مع أنس الصحابي الجليل محدث أهل الكوفة وحوله تلامذته الشباب وعلى رأسهم ثابت يحدثهم عن قصة من قصص طفولته التي أثرت في نفسه حتى هذه السن فرواها بتفاصيلها وجزئياتها لشدة تأثره بها...
ويمضي كل هذا الزمن وينتقل أنس من الطفولة إلى المراهقة ومن الفتوة إلى الشباب ومن الشباب إلى الكهولة فالشيخوخة ويحيا قرابة مائة عام ويعاصر دولا كاملة تنهار وتحيا أمام عينه ويبقى حافظا سر رسول الله على كل إنسان في الأرض منذ أن تلقاه وهو طفل مع الغلمان ويقول: للتابعي العظيم » والله لو حدثت به أحدا لحدثتك به يا ثابت«
درس عملي في التربية النبوية شاهدناه بأم أعيننا ودخلنا مختبره وعشنا نتائجه وثمراته في شريط طويل من خلال كلمات قلائل ساقها لنا أنس الصحابي العظيم خادم رسول الله ..
ولئن رأينا اليوم التربية الحديثة في كل ما قدمت من نظريات التربية الطفل والاهتمام به نراها في المواقع العملي تقدم لنا جيلا فاشلا في أخلاقه وسلوكه ملأ الدنيا بالانحرافات وامتلأت نفوسه بالقلق وأعصابه بالأمراض رغم تفوقه المادي الهائل في عالم المادة فنحن أمام نموذج عملي واحد من بين آلاف وعشرات الألوف من النماذج رأينا فيه الجانب النظري في التربية والجانب العملي وثمرة التربية التي حفظت سر رسول الله مائة عام...
ثم استمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها لا يعلمه إلا الله رب العالمين وحين نضع نصب أعيننا المبادئ الأربعة للتربية الحديثة:
١-التعلم الذاتي
٢ - العلم للخبرة العملية
٣-الفروق الفردية
٤- تنمية المواهب والإبداع
نجد هذا الدرس النبوي قد تناول هذه المبادئ الأربعة وهو في طريقه بالإضافة إلى مبادئ أخرى ومنطلقات تجاوزت التربية الحديثة في مبادئها ومعطياتها..
كم نحن بحاجة إلى أن نفقه تاريخنا وتراثنا وديننا وإسلامنا فنرى فيه أكثر بكثير مما يقدمه لنا الغرب في عالم التربية والسلوك..
وليكن هذا الدرس حافزا لنا لمتابعة البحث على هذا المنهج.. والله من وراء القصد..
{إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل