; إحياء فقه الدعوة تنسيق وشمُول | مجلة المجتمع

العنوان إحياء فقه الدعوة تنسيق وشمُول

الكاتب محمد أحمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1975

مشاهدات 120

نشر في العدد 242

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 25-مارس-1975

سمتان ما زال الإسلام يعرف بهما. سمت الاستعلاء على المبادئ الأخرى، جازما بضلالها. وسمت وليد هذا الترفع، يطبعه بالتبرؤ من الأغيار، ومفاصلتهم، وهجر كل صاحب هوى. وفي هذين السمتين تعبير عن فطرة التغيير التي طبع الله الإسلام عليها، المتعدية بالتالي إلى طبيعة الحركات الإسلامية. وأمام هذه الفطرة، غدت مناهج المهادنة، والمصالحة، والتعايش بين الإسلام والكفر، فاشلة. ● اختلاف المنطق ينفي اللقاء ولذلك، فإن شعراء الدعوة ركزوا على بيان هذه الفطرة التغييرية الإسلامية. فيؤكد الشاعر الداعية محمود آل جعفر ذلك فيقول: هذي دعائمنا تشع كشمسنا الله غايتنا، نقول ونجزم دستورنا القرآن، لا نرضی سوی ال قرآن تشريعا يسود ويحكم لم نعرف الإسلام إلا دعوة وضاءة تحيي الأنام وتلهم لم تعرف الإسلام إلا قوة تهوي على الراس العنيد وتحطم (1) وكيف لا يكون ذلك واضحا ؟ اندع الأمر لكل ضال ؟ حالة من الواجب أن نرفضها فرهط الحكومات قد جانبوا هداهم وضلوا صراط السداد وقد أركبتهم سياساتهم مراكب تجري بوحي العناد فبعض تظاهر في غيه وبعض تستر خلف الحياد نسوا واجب الخلق واستكبروا فهم البلاء وطم الفساد فكيف النجاة وكيف الحياة وكل له في هواه اجتهاد وکل يرید استياق القطيع إلى مبتغاه، وبئس المراد فهلا ابتدرنا إلى نجدة وهلا استجبنا لداعي الجهاد فاما حياة الهدى والآباء وإما الشهادة يوم الجلاد(2) ولقد كان العيش المتصالح ممكن لي أنا الداعية، ولكنهم ركبوا مسلـكا يحيد عن الجـدد المشرق وقد ملك الأمر منهم رجال يخالف منطقهم منطقي نأوا عن هدى الله في نهجهم وساروا، وسرت، فلم نلتق(3) فهي مفاصلة حتمية، لمجرد هذا المنطق المختلف والطريق المتعاكس فكيف وقد صار العدوان؟ ● الانسياب الموزون وليد المركز الثابت وفي هذا ما يوجب على الدعـــــــاة الابتدار، والخروج إلى عمل جماعي يعيد من ضل إلى الجد المشرق وصراط السداد. فيكون التنادي إلى التجمع أولا. فقد يكون الدعاة دعاة فكر مجردة، تراهم كاروع الدعاة فهم للإسلام وعقيدته وأنظمته وقوانينه وأكثرهم قراءة للكتب، ولعلهم من أشد المسلمين حماسة، وأخشعهم في الصلاة، ولكنهم ينفرون من التقيد بخطة ونظام، ما وقر في نفوسهم اعتقدوه، وما تبين لهم من طرق سلكوها، فهم قادة أنفسهم لا يبالون إن وافقت أعمالهم الدعاء الآخرين، أم خالفوها منفردين. أولئك أبعد الناس عن الوصول إلى ثمرة إيجابية، وأولئك المراوحون. أما الذين يفتحون للأمة اليوم نافذة تطل بها على نوع أمل، فإنما هم المنسقون. إذ ما زالت التجارب والتطبيقات تظهر الأهمية العظمى لدور التنظيم في إحلال الانسجام والتنسيق بين جهود العاملين، مع استثمار أدنى درجات إمكانية إفادة الإسلام لدى الأشخاص استثمارًا إيجابيًا مباشرًا. وإن الخطة البارعة بإمكانها أن تجعل التنظيم مركزا تسير في فلكه جهود الأفراد في انسيابية هندسية جميلة ليس فيها اضطراب، كانسيابية محيط الدائرة الجميل الاستدارة بالنسبة لمركزها. إنما المركز روح الدائرة نقطة، فيها محيط، ضامرة ومن المركز للقوم نظام ومن المركز للقوم دوام (٤) فليس في الجهود المبذولة ما هو صغير إذا جاء في حينه المناسب، ومكانه المناسب. وللدعوة متطلبات واحتياجات متكاملة، بعضها يكمل بعضا، والجهود المبذولة للوفاء بها متكاملة: صغيرها يكمل ويقوي كبيرها. وإن العمل الذي يديم سير الجماعة الداعية: (تراه كالدائرة: يصعد بك محيط ويحبط، لا من أنه نازل أو عال، ولكن من أنه ملتف، مندمج موزون، مقدر ) (5) فليس ثمة جهد في هذا العمل تظنه في قيمته واهمیته نازلا، فيسوغ إهماله، وإنما كل الأعمال على بعد واحد من المركز إذا كانت ضمن الخطة موزونة مقدرة. ● تكامل في التطبيق ثم يكون الشمول ثانيا وهو شمول بالسمة التي بلغها الإمام البنا رحمه الله في الأصول العشرين. فاسلامنا: ( دولة ووطن، أو حكومة وأمة. وهو خلق وقوة، أو رحمة وعدالة. وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء. وهو مادة وثروة، أو كسب وغنى. وهو جهاد ودعوة، أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة. ) (٦) إنها سعة في الفهم، توجب على تجمع العاملين سعة أخرى في الأسلوب والتطبيق. فليست الدعوة الإسلامية حزبا سياسيا، وإن كانت ساعية إلى الحكم، في انتباه تحذر معه أن تلهيها الأحداث عن خطها التربوي وواجبها العبادي. ولا هي مجمعا فقهيا محضا، أو كلية شرعية، أو دارا للافتاء، وإن كانت تحرص على الثقافة الشرعية، والسير على بينة من السنة الفراء، في بعد عن الجدل في الفروع، وعن الترف الفكري المثبط لهمتها في التجميع وقيادة العامة. ولا هي دار نشر، أو وكالة إعلامية، وإن كانت الصحافة وملاحقة الأحداث وبيان رأي الإسلام فيها من إتمام واجباتها. ولاهي بعد ذلك منظمة فدائية، أو مؤسسة عسكرية، أو فرقة كشفية، وإن كان الجهاد أصلا من أصولها، والألعاب الرياضية أسلوبًا من أساليبها، في غير ما تورط في عنف ومجازفة واستعجال. كما أنها ليست جمعية خيرية، أو وزارة أوقاف، وإن كانت تأخذ بيد اليتيم والفقير، وتسعف المريض، وتساهم في بناء بيوت الله. نعم، ليست الدعوة شيئًا من ذلك، ولكنها كل ذلك، فإن تزاحمت الحاجات، وقصرت الطاقات: كان تقديم الأهم، وفق نظرة نسبية، تبعا لميزان التوفيق بين المصالح والمفاسد المتعارضة، بإهدار كل مصلحة صغيرة يؤدي الحرص عليها إلى تفويت مصلحة أكبر منها، واحتمال اليسير من المفاسد، لدرء ما هو أعظم. ● قيادة المسلمين أولى من زيادة البر ويبدو من تجاربنا، أن الأكثرين من نخاطبهم اليوم، ينقصهم الوعي السياسي، والمنهج الفقهي، ولم تتوهج فيهم بعد روح الجهاد. ولكن الجانب الخيري هو الذي ما زال يحتل شطرا واسعا في تفكيرهم، وإن نقصت الأموال التي بأيديهم- في الحقيقة- عن مجاراة هذه السعة في التفكير، ولذلك فإنهم بحاجة إلى مزيد خطاب يفهمهم تكامل الدعوة وامتيازها عن أساليب الجمعيات الخيرية. ولا شك أن مما يساعد على ترجيح هذا التفكير عندهم: تلك القلوب الرقيقة التي يملكونها، المفعمة بالإيمان الفطري، والتي ما زال يؤجج تركيز الوعظ على معاني البر ومكارم الأخلاق حماستها للمساهمة في كفالة الأيتام، وبناء المدارس، ورفع المساجد. ووالله ما نطق الواعظ بغير الحق وإلا كذبت أحاديث الفضائل، ولا غفلنا عن أثر ذلك في ترويج الدعوة بالتربية الميدانية التي تحطم الحواجز ويعامل الدعاة المربون خلالها عموم الناس مباشرة إذ الناس في جوانب حياتهم منغمسون. ولكن داعية الإسلام قد رصدته صفته لأهم من مجرد ذلك وأجل، وعليه أن يسد ثغرات ما نرى في الأمة من يسدها إلا هو، ليس أجره بأقل من أجر أبواب الخير، إن لـم یکن أضعافها. إن أمام الداعية تنفيذ هذا الواجب التجميعي التربوي الثقافي الإعلامي السياسي الجهادي الخيري، في شموله الواسع، وتكامله المترابط. وهو التميز الثاني، من بعد التميز الأول عن عامة المسلمين بواسطة الجماعية في العمل. وهو تميز قديم لا نبتدع القول به، أمر به إمام دعاة زمانه، أحمد بن حنبل رحمه الله. وذلك لما سأله تلميذه زهير بن أبي زهير، فقال: ( إن فلانا ربما سعى في الأمور، مثل المصانع، والمساجد، والآبار؟ قال: فقال لي أحمد: لا، نفسه أولی به. وكره أن يبذل الرجل نفسه ووجهه.) (7) فها هنا مسألتان كشف عنهما الإمام أحمد: ● الأولى: كشفتها ألفاظ هذه الحروف، وهي أن لا يبذل الداعية وجهه، بالتعرض إلى جمع المال الأغنياء، ولو لمصلحة عامة، فقد يجلس هذا النشاط لسان الداعية عن قول الحق.. أمرًا أو نهيًا ● والثانية: يكشفها مجمل قصده من حفظ الوجه، وهو التفرغ، بهيبة كافية، لقيادة جمهور المسلمين، ومصاولة الابتداع وأعداء الإسلام، والأمر بالمعروف، ونشر العلم، مما تفصح سيرته هو عن مثل ذلك. وهذا الإفتاء قريب مما ذكره فقهاء الأحكام السلطانية، حين أوجبوا على الخليفة أن لا يتشاغل عن سياسة الدولة وتدبير الجيوش بالعبادة وأعمال البر الشخصية، كما قال الماوردي، حين جعل من واجبات الخليفة: (أن يباشر بنفسه مشارفة الأمور وتصفح الأحوال، لينهض بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يعول على التفويض، تشاغلا بلذة أو عبادة، فقد يخون الأمين، ويغش الناصح، وقد قال الله تعالى ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ﴾ (ص:26) فلم يقتصر الله سبحانه على التفويض دون المباشرة، ولا عذره في الاتباع حتى وصفه بالضلال. وهذا وإن كان مستحقا عليه بحكم الدين ومنصب الخلافة، فهو من حقوق السياسة لكل مسترع. قال النبي عليه الصلاة والسلام: »كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته«. وإنها لرعاية حقا، ومسئولية صدقًا. معهما يلمس المرء تماما البعد الشاسع بين جهدين: جهد السعي المجرد في مصالح الناس، مهما أتعب البدن. وجهد مواكبة الدعوة في شمولها، مواكبة تستهلك البدن، وترهق الفكر، وتمتص رحيق الروح. ولذلك كانت حالة الشمول سموا، لا يقوى عليها إلا أشداء المؤمنين. (1) دیوان حنين إلى الفجر / ۷۲ (2) ألوان طيف للاميري / ٩٤ (3) الوان طیف/۸۸ (4) ديوان الاسرار والرموز / ۱۲۳ (5) من تشبيهات الرافعي لبعض الأمور خلال وحي القلم 3/426 (6) رسالة التعاليم- المجموعة / ٧ (7) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 1/159 (8) الأحكام السلطانية للماوردي ١٦ الطبعة الثانية.
الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 16

1053

الثلاثاء 30-يونيو-1970

لقلبك وعقلك - العدد 16

نشر في العدد 239

217

الثلاثاء 04-مارس-1975

هارون الرشيد.. الحاكم المظلوم

نشر في العدد 196

83

الثلاثاء 16-أبريل-1974

إشراقة الثلاثاء