العنوان إشراقة الثلاثاء
الكاتب محمد إبراهيم نصر
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أبريل-1974
مشاهدات 83
نشر في العدد 196
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 16-أبريل-1974
أخي صديق إشراقة الثلاثاء: سلام الله عليك، ورحمته تحفك، أدعو لك في بداية حديثي: أن يجملك الله بالعلم، وأن يزينك بالحكمة، ويمنحك الذوق وحسن التصرف، ويرشدك إلى النافع من أمرك، ويجعلك من الذين يألفون ويؤلفون.
تحدثت معك أيها الصديق عن «الإتيكيت» كما يسميه الغربيون، أو عن فن الذوق، والسلوك العام، كما نسميه في لغتنا العربية وأقمت لك الدليل والبرهان على أن الذوق في المعاملة، وحسن التصرف في مواجهة الأمور، واللباقة والكياسة والظرف، كلها أمور دعاك إليها دينك القويم، وأرشدك إليها نبيك الكريم، ودعوتك في حديثي السابقين أن تبسط للناس وجهك، وأن تعاونهم في حل مشكلاتهم، وتغفر لهم زلاتهم؛ واليوم أدعوك إلى أمر آخر، يحقق لك السعادة في عملك، والرضا من رؤسائك والتقدير من أساتذتك، والعطف والحنان من أبويك، فليس أسعد في نظر الإنسان من أن يكون مقدمًا لدى هؤلاء، قريبًا من نفوسهم، يطمئنون إليه ويثقون فيه. .
هل أدلك على إحدى المفاتيح التي تفتح بها أبواب هؤلاء لتدخل قلوبهم، لن أتحدث معك عن أداء الواجب، وإتقان العمل، والبعد عن الإهمال، فتلك أمور قد حددتها القوانين واللوائح، وسنت لها عقوبات رادعة، وجوائز مشجعة. . ولكني أحدثك في أمور غير مكتوبة، واتجاهات غير مفروضة، لم يشر إليها قانون من قوانين العمل، لأنها من قبيل الذوق العام، والسلوك المهذب، يعرفها المرء بكياسته، ويهتدي إليها بظرفه ولباقته، ويفضلها لأن فيها تقديرًا لنفسه، واحترامًا لغيره.
أريدك يا أخي -يا صديق إشراقة الثلاثاء– ألا ترفع صوتك فوق صوت من هو أكبر منك إذا تحدثت إليه، فليكن صوتك خفيضًا عن صوت أستاذك إذا ناقشته، وأقل درجة من صوت رئيسك إذا عرضت أمرًا عليه، لا ترفع صوتك عاليًا أمام والدك وليحمل صوتك في أوتاره المودة، وفي نغماته المحبة، وليكن مشيرًا إلى التقدير والتوقير فذلك أدعى أن يجعلك قريبًا إلى النفوس، محببًا إلى القلوب، جديرًا بأن تكون موضع الثقة، تسند إليك الأمور الهامة، وتؤثر بالخير عن غيرك.
ولعلك بهذا تكون قد عرفت لماذا ذم الله -سبحانه وتعالى- أصحاب الأصوات العالية المنكرة، وشبههم أقبح تشبيه فقال -جل شأنه ﴿إن أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ﴾ (لقمان: 17). ولعلك عرفت؛ لماذا خاطب المؤمنين داعيًا لهم أن يغضوا أصواتهم عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وألا يرفعوها في حضرته، استمع إلى هذا النداء العلوي الكريم:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ، أن ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ﴾ (الحجرات: 2،3).