; أيها الرجل | مجلة المجتمع

العنوان أيها الرجل

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر السبت 08-نوفمبر-2003

مشاهدات 77

نشر في العدد 1576

نشر في الصفحة 43

السبت 08-نوفمبر-2003

حين يكون قدر الرجال أن يكونوا في الخندق الأول دفاعًا عن الهوية والدين والعرض فإنه من الطبيعي أن تجدهم هنالك، حتى وإن كان الثمن حياتهم، وما قيمة حياتهم إن هي راحت فداء للدين والوطن؟

كنت أشاهد بعض الأفلام الوثائقية عن الزعيم المسلم علي عزت وهو يرتدي بزة عسكرية يحيط به بعض القادة وهو يتجول في الثكنات العسكرية ويتفقد مواقع الجنود في سراييفو المحاصرة.

كم عاصمة محاصرة في عالمنا الإسلامي اليوم ولا عزت بيجوفيتش لها؟

كم من شعب يعاني فقدان الهوية وضياع الكرامة ولا بيجوفيتش ينتصر له؟ 

عانى بيجوفيتش حين صرح عن هويته المسلمة في وقت خشعت الأصوات لصوت «الثورة» في العالم العربي، لكنه وحده تحدى جوزيف بروز تيتو مؤسس الاتحاد اليوغوسلافي، وأعلن عن انتمائه وتحيزه للدين في وقت الغى فيه تيتو الدين كما أوقف رفيقه عبد الناصر تيار الإخوان المسلمين وسجنهم، والمفارقة أن عبد الناصر تدخل لدى تيتو من أجل علي عزت وفاجأه تيتو بالقول إنه أشد تعصبًا من الإخوان المسلمين عندكم، فسكت الكلام ونطقت السهام وبدأت عجلة التعذيب تدور في يوغوسلافيا كما دارت في بعض بلاد العرب والمسلمين.

في السجن كان إعلانه السياسي عن الهوية، وخارجه طبع الكتاب ووزع وعرفت أوروبا والمسلمون الأوروبيون من هو علي عزت بيجوفيتش قبل أن يروه.

حوكم مرة ثانية لكن السجن زاده عزيمة وإصرارًا.. خرج منه وكله أمل في أن يكون للمسلمين دولة، لكن الصقور والحمائم في أوروبا المسيحية رفضوا وأعلنوا أن الاستقلال مرهون بالاستفتاء أجري الاستفتاء، وفوجئ بأوروبا تدير ظهرها للممارسة الديمقراطية وتعلن الا مكان الدولة مسلمة في البلقان، وهل من المعقول بعد قرون من محاربة العثمانيين يأتي البوسنيون برداء الدين مرة أخرى؟، تعسًا لك يا أوروبا، وتبًا لك أيتها الديمقراطية العوراء!

من الديمقراطية إلى الجهاد:

لم يتردد الرجل في أن يحمل سلاحًا، خلع روب المحاماة وارتدى بزة الشرف العسكري يتنقل من مكان لآخر يبث الروح والعزيمة في شعب محاصر والعالم يشاهد حصاره ولا يحرك ساكنًا، وهل من المعقول أن تنتصر أوروبا لرجل زعمت أنه سيهددها؟

 تحركت شعوب الأرض منددة بالحصار، في الوقت الذي تحرك فيه الرجل بطول البوسنة وعرضها يحض الناس على الجهاد والصبر ويعلمهم كيف يزرعون الأرض ليأكلوا من ثمرها بدلًا من الاعتماد على العون الخارجي الذي قد يأتي أو لا يأتي، علمهم كيف يزرعون المشروم «الفطر» في الشرفات وأمام البيوت، وعلمهم أن البوسنة أرض مسلمة ولا يمكن أن يتخلوا عنها حتى ولو تخلت عنهم الدنيا .

عزت بيجوفيتش، لم يكن رئيسًا منتخبًا فحسب بل زعيمًا ملهمًا، عاش لفكرته ولم يتهم يومًا في ذمته، قدم نفسه للشعب على أنه صاحب مبدأ فاختبره الشعب واختبرته التجارب ونجح بتقدير امتياز.

خان بعض من حوله الأمانة فتخلى عنهم وتبرأ منهم، لم يستطيعوا أن يقولوا في حقه شيئًا لم يهددوا بفتح ملفات لأن ملفات الرجل كلها بيضاء ناصعة تسر الناظرين.

في زمان كالذي نعيشه نبحث عن معادن حقيقية لنزين بها حياتنا، فلا نجد غير التقليد، لكن معدن بيجوفيتش كان أصيلًا وحقيقيًا يستحق أن نحمله فوق الرؤوس.

مات بيجوفيتش ولا أعتقد أن حديثًا دار أو سيدور حول ثروته أو ما ترك من مال وسلطة الأحد من أبنائه، مات الرجل الذي وهب نفسه لبلده، فهبت البوسنة عن بكرة أبيها دون تنظيم مسبق ولا ترتيب كالذي نعرفه تقول بصوت واحد: وداعًا للجد والأب والمعلم.

وقبل أن يموت الرجل استأذن للوضوء واستعد للقاء العظيم، ترى كم عدد الملائكة التي تصطف حين تقبض أرواح الصالحين، وأي عرس يكون في السماء حين يعلم أهلها بقدوم أحد المجاهدين؟

 كم من رئيس يموت واللعنات تسبقه وتلحق بركبه، وكم من رئيس يعيش والقلوب تبغضه وتتمنى يوم رحيله؟

 موت بيجوفيتش وجنازته درس بليغ: مازال في عالمنا المسلم رجال نبكي عليهم بصدق ونودعهم في خشوع وندعو سيم أن يسكنوا دار العز عند من لا يهان جليسه. إلى الملتقى أيها الرجل، وهل هناك أفضل من تلك الكلمة لوصفك يا علي؟

﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب: 23)

الرابط المختصر :