; أيام في طشقند وسمرقند وبخاري | مجلة المجتمع

العنوان أيام في طشقند وسمرقند وبخاري

الكاتب د. محمد بن موسى الشريف

تاريخ النشر السبت 02-فبراير-2008

مشاهدات 73

نشر في العدد 1787

نشر في الصفحة 40

السبت 02-فبراير-2008

  • زرنا مدرسة «كوكالداس» التي بنيت منذ أربعة قرون.. وسمعنا من بعض طلابها قراءة جيدة للقرآن رغم أنهم أعاجم مما يدل على جودة مدرسيهم وحسن تلقيهم. 
  • من عادات أهل أوزبكستان أن يعظهم شيخ قبل خطبة الجمعة بلغتهم لان الخطبة بالعربية لا يفهمها معظم الناس. 
  • من الأشياء المحزنة.. أن غالبية المدرسات والطالبات بجامعة طشقند الإسلامية غير محجبات. 
  • لم أر أحدًا من الناس يحتفل بهزائمه إلا الأوزبك الذين يحتفلون بتيمورلنك..
  • زرت قبر أبي أيوب الأنصاري بإسطنبول وجال في خاطري ذكريات عن التضحية والفداء.. فقد كان جنديًا في أول جيش إسلامي غزا القسطنطينية تحت إمرة يزيد بن معاوية. 

ركبت القطار من بخاري إلى طشقند في رحلة ليلية بقطار ذي سرر، وقد استغرقت الرحلة إحدى عشرة ساعة تقريبًا، فلما وصلنا إلى طشقند تم اصطحابنا إلى الفندق، ثم بعد استراحة قصيرة ذهبنا إلى السوق، ثم زرنا الإدارة الدينية لمسلمي أوزبكستان وفيها المصحف الإمام العثماني مكتوب على جلد غزال بخط قديم، يخلو من النقط والشكل ويصعب علينا -أهل هذا الزمان- قراءته، وقد حفظوه في بللور حتى لا تبليه الأيدي اللامسة.

ثم ذهبنا نسلم السلام الشرعي على الإمام القفال الشاشي الكبير. وهو فقيه شافعي مشهور- المتوفى سنة ٣٦٦ هـ يرحمه الله تعالى، وهو مدفون في ضريح بجوار مبنى الإدارة الدينية، وتحفه قبور عديدة منها قبر مفتي أوزبكستان السابق«إيشان بابا خان» وابنه المفتي أيضًا«ضياء الدين بابا خان» ومن هناك ركبنا الحافلة وذهبنا إلى مدرسة «كوكالداس» أي التوأمين، وهي مدرسة قديمة بنيت منذ أربعة قرون، وهناك جلنا في فصول المدرسة، وسمعنا من بعض الطلاب قراءة جيدة متقنة للقرآن الكريم، وهذا الإتقان غريب على الأعاجم ودال على جودة مدرسيهم وحسن تلقيهم، ثم أهديت لنا بعض الكتب المهمة.

وعظ قبل الجمعة:

وخرجنا من المدرسة إلى جامع كبير مجاور، قد غص بآلاف الناس في داخله وخارجه، وكانوا قد أفسحوا لنا فيه مكانًا كبيرًا في الصف الأول يتسع لنا- وكنا قرابة العشرين من الباحثين والمنظمين للمؤتمر- ودخلنا المسجد وواعظ يعظ الناس قبل الجمعة، وهذه عادتهم، لأن الخطبة يشترطونها باللغة العربية، وجمهور الناس الأعظم لا يفهمها، فلذلك يعظ الناس واعظ قبل الصلاة ووعظه طويل. ولما جئنا أكمل وعظه، ثم وعظهم مدير المدرسة التي كنا فيها «كوكالداس» ثم إذًا المؤذن فقام المصلون ليصلوا أربع ركعات على طريقة الحنفية ثم قام الخطيب فسلم فأذن المؤذن أذانًا آخر، ثم خطب الخطيب- وهو مدير المدرسة أيضًا- خطبتين قصيرتين جدًا لم يكن في الأخرى منهما الأمر بتقوى الله والدعاء وإنما اقتصرت على حمد الله تعالى والصلاة على النبي ﷺ ثم أقيمت الصلاة، وبعد الصلاة قاموا مباشرة لصلاة أربع ركعات، ثم أخذوا في أورادهم ثم قرئ القرآن، ثم دعوا وانصرفنا إلى الفندق لتناول طعام الغداء.

زيارة الجامعة الإسلامية:

ثم لم يدعونا نستريح قليلًا، فقد تم اصطحابنا إلى جامعة طشقند الإسلامية التي أنشئت سنة ۱۹۹۹م، فجلنا في فصولها وولجنا مكتبتها، ثم اجتمعنا بأعضاء هيئة التدريس مع الطلاب والطالبات، والقاعة الكبيرة غاصة بنا، وبدأ الكلام مدير الجامعة مرحبًا بنا، ثم قام طالبان من الجامعة يرحبان ويصفان طريقة الدراسة في الجامعة، ثم قامت طالبة محجبة- جزاها الله خيرًا- وتكلمت لكنها تلعثمت ونسيت فجلست وتحدث الدكتور عبد الإله بن عرفة مندوب الإيسيسكو، وتحدث «الدكتور صالح بادحدح»، ثم تحدث «الدكتور مصطفى أوزجان التركي»-قد ذكرته في مقالة سابقة- وأخبر الطلاب أنه من قرية تركية بناها «دروسين أوزبكي»، وبكى حين قال ذلك، ثم إنه حمد الله تعالى على أننا نتكلم مع الطلاب بالعربية والطلاب يفهمون وكان حديثه عاطفيًا مؤثرًا، ثم إني طلبت أن أتكلم وذلك لأني رأيت أن كل الأستاذات من أعضاء هيئة التدريس والإدارة غير محجبات سوى واحدة، وأن الكثرة الكاثرة من الطالبات غير محجبات أيضًا، فهالني ذلك ولم أطق الصبر عليه وذلك لأنهن في جامعة إسلامية فإن لم يتحجين فمن سيفعلن إذن؟

صيحة واجبة:

وهنا تنازعني أمران: هل أتحدث منكرًا عليهن وفي ذلك مشقة على نفوسهن أمام هذا الحشد الكبير من الأساتذة والإداريين والطلاب والباحثين أعضاء المؤتمر؟ أو أسكت مراعاة لسنة التدرج وأن هؤلاء النسوة والفتيات حديثو عهد بالإسلام؟ ودعوت الله أن يرشدني إلى الصواب ثم لم أطق أن يكون هذا المنكر ولا ينكر أحد، وربما لا أعود إليهن، وخفت من الله تعالى أن يؤاخذني أن أسكت فطلبت الإذن بالحديث وأعطيته، فكان مما قلته: «إنني سعيد جدًا لأني في هذه الديار، ديار الإسلام قرونًا متطاولة، ولم يكن يدور بخلدي أبدًا أن أتي إلى هذه البلاد، وأن من نعمة الله تعالى أن جئت إليهم في بلادهم». ثم بينت لهم أنهم كنز وثروة، ليس لقومهم فحسب بل للعالم الإسلامي كله، وأنهيت كلمتي بنصيحة وجهتها للأستاذات والإداريات والطالبات، وهي أنكن لا بد لكن من لبس الحجاب، فكيف لا تلبسونه وأنتن في جامعة إسلامية؟! وقلت لهن: «إن الحجاب شرف وعز لكن، وأنكن أيتها الأستاذات قدوة فماذا تعلمن إن لم تعلمن الحجاب؟! وأنتن أيتها الطالبات لا بد لكن من لبس الحجاب عن قناعة وافتخار». ثم بينت لهن أن هذه النصيحة ليست للتعيير لكنها من باب الخوف عليهن وأداء الحق الواجب لهن.

ثم بانتهاء كلمتي انتهت الجلسة، فلما خرجنا قال لي بعض من أحب: قد أحرجت مدير الجامعة جدًا فلم يكن ينبغي لك أن تقول هذا. فبينت له ما ذهبت إليه من سبب ترجيح أني أتحدث ولا أسكت، ولا أدري أقتنع أم لا؟ لكني شعرت بارتياح كبير بعد الحديث والإنكار، وشعرت أني أتيت الأمر الصواب وقد صوب ما صنعت جماعة ممن كان معي من الباحثين. والله أعلم.

الوقوع في الحيرة:

وكثيرًا ما أقع في الحيرة في مثل هذه الأحوال ولا يترجح عندي هل أسكت مداراة وتمهيدًا وتدرجًا بالمدعو أم أنكر تغليبًا بجانب وسائل التربية بالموقف والحدث الآني؟ لأني ربما لن أشاهد المنكر عليه مرة أخرى، وغالبًا ما أقع في هذه الحيرة في مثل تلك البلاد التي ابتعدت عن إسلامها دهرًا طويلًا، فاللهم، أرني الحق حقًا وارزقني اتباعه وأرني الباطل باطلًا وارزقني اجتنابه، واللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

تعظيم المحتل:

وبعد خروجنا من الجامعة اصطحبونا إلى متحف تيمورلنك، وهو السلطان الذي يعظمه أهل أوزبكستان تعظيمًا بالغًا. ويسمون أبناءهم باسمه، وينشرون آثاره في كل مكان. وهذا منهم عجيب؛ إذ هو محتل لبلادهم، وهو من جنس غير جنسهم فهو مغولي وهم أتراك، ولم أر أحدًا من الناس يحتفل بهزائمه إلا هؤلاء ومدعي التنوير في مصر الذين احتفلوا بانقضاء مائتي سنة على الحملة الفرنسية على مصر، وهي الفضيحة التي ليس بعدها فضيحة، فإن الشعوب والأقوام لم تزل تحتفل بالجلاء والاستقلال لا بالذل والهوان والاستخراب، لكن ما الحيلة مع هؤلاء «التنويريين الجدد» الذين فاقت عمالتهم كل عمالة، وغاصوا في مستنقع الهوان والذل والتبعية لأسيادهم؟!

 والمتــــحف بني سنة ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٦م على هيئة حديثة بديعة، وهو ذو قبة لم أر مثلها في حياتي على كثرة ما رأيت من قباب في أماكن كثيرة من الدنيا، وقد وضع في المتحف متعلقات تيمورلنك وصور متخيلة له ولأبنائه الكثيرين.

ثم غادرنا المتحف إلى الفندق لنجد المفتي هناك، ودعانا لتناول طعام العشاء، ووزع علينا الهدايا ورحب بنا أجمل ترحيب فجزاه الله خيرًا.

ملتقي إسطنبول:

وفي الصباح الباكر قبل الفجر ذهبنا إلى المطار لتركب الطائرة التي أقلتنا إلى إسطنبول، ووصلنا في الساعة العاشرة صباحًا إلى مطارها ولقد علمت قبل الذهاب إلى أوزبكستان أن هناك ملتقى دوليًا للقدس سيعقد في إسطنبول، وأنني سأدرك اليوم الأخير منه، فلما خرجت من المطار قصدته فإذا به ملتقى ضخم حاولت الصحافة التركية العلمانية التخويف منه حتى قالت: إن «حماس» وحزب الله في إسطنبول!! والمؤتمر يضم أصنافًا شتى من الناس، وهيئات وجماعات متنوعة، وبشرني أحد الإخوة الإعلاميين بأن هناك قناة فضائية ستنطلق قريبًا باسم قناة القدس، ولله الحمد.

وليس لي اعتراض على مبدأ إقامة المؤتمرات سيما إن كانت ذا نتائج عملية ملموسة، وأخشى من هذه المؤتمرات أن تكون مرجوحة، فقد عقد المؤتمر الأول للقدس سنة ۱۹۳۱م في القدس وحضره جماعة كبيرة من العلماء والمفكرين منهم «الأستاذ سيد قطب» يرحمه الله تعالى، فتلك ست وسبعون سنة منذ إقامة المؤتمر الأول، ومنذ ذلك المؤتمر عقدت مؤتمرات الأجل القدس يصعب حصرها فماذا قدمت، وما آثارها في الواقع؟ نعم إن إقامة مؤتمر للقدس في إسطنبول هو حدث مهم وله مدلولات حسنة عديدة لكني أتحدث عن المؤتمر من حيث انعقاده ونتائجه، وهذا – للأسف- لم أجده في الكثرة الكاثرة من المؤتمرات التي تقام باسم فلسطين، والله أعلم.

 هذا وقد لقيت في إسطنبول المهندس العراقي التركي «أورخان محمد علي»، وهو الآن في عمر الثمانين، وله كتب كثيرة ومقالات عديدة، وقد تخصص في التاريخ العثماني، وقد أهداني بعض كتبه ومقالاته.

ذكريات مؤثرة:

والمؤتمر أقيم قرب مسجد «سلطان أيوب»، أي المسجد المقام قرب قبر أبي أيوب الأنصاري  رضي الله عنه، فصليت العصر في المسجد، ثم خرجت منه لأسلم السلام الشرعي على سيدنا خالد بن زيد أبي أيوب الأنصاري  رضي الله عنه، وكم من الذكريات مرت في خاطري - وأنا هناك- عن الجهاد والبطولة والتضحية والفداء نعم، فقد كان  رضي الله عنه جنديًا في أول جيش إسلامي غزا القسطنطينية تحت إمرة يزيد بن معاوية وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له»، وقد طلب من يزيد أن يدفنه إذا مات في أقرب مكان مما يلي العدو، فعن أبي ظبيان قال: «أغزي أبو أيوب فمرض فقال: إذا قبضت فلتركب الخيل، ثم سيروا حتى تلقوا العدو فيردوكم فاحفروا لي وادفنوني ثم سووه. فلتطأ الخيل والرجال عليه حتى لا يعرف» لكن قبره عرف رضي الله عنه ويزار إلى اليوم.

 هذا بعض ما علق في ذاكرتي عن تلك الأيام، وعسى ألا يكون حظي منها التعب والأسقام، وأسأله تعالى أن يثيبني عليها وعلى أخواتها المأمول من الأجر والمثوبة في دار النعيم المقيم بجوار أشرف المرسلين عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 32

126

الثلاثاء 20-أكتوبر-1970

رابية صابر من.. الظلام إلى النور

نشر في العدد 72

96

الثلاثاء 10-أغسطس-1971

بخاری.. المدينة المنسية