العنوان أيام في بشاور.. من لأبناء أفغانستان غير الله؟
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-يوليو-1986
مشاهدات 63
نشر في العدد 774
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 08-يوليو-1986
بيشاور هي عاصمة الولاية الحدودية الشمالية الغربية WEST FRONTIERE PRPVINCE NORTH في باكستان وحدودها الغربية تتاخم أفغانستان، ولذا فقد أصبحت موطن الهجرة للمسلمين الأفغان الذين يفرون من القصف الوحشي الروسي. وقد كانت رحلتنا -أنا وصحبي- إليها لنستطلع أخبار المهاجرين والمجاهدين.
وبيشاور-كأي مدينة شرقية قديمة- تجمع بين المتناقضات. فمن متناقضاتها أنك تجد الغاز المستخدم في الطبخ والتدفئة ممدد عبر شبكة أنابيب إلى جميع البيوت تمامًا كما هو الحال في المدن الأوروبية، إلا أنك من ناحية ثانية تجد مجاري المياه في قنوات مكشوفة على جانبي الطريق مما يشكل بؤرة لتجمع الحشرات والجراثيم. أما أبنيتها فهي قديمة، إلا أن الحي الجامعي مبني على طراز الفلل التي تحيط بها الحدائق الواسعة. وفي شوارعها غير العريضة تجد السيارات -حديثها وقديمها- تمشي جنبًا إلى جنب مع الركشا والعربات التي تجرها الدواب، وكذلك قد تجد قطيعًا من الجواميس في الشوارع، وكل هذه تتسابق لتأخذ الطريق بعضها من بعض مع استخدام المنبهات بطريقة مزعجة. والركشا هي دراجة نارية ذات عجلات ثلاث تستخدم كسيارة أجرة، أما العربات فتستخدم لنقل الركاب أو البضائع.
المنظمات التي ترعى المهاجرين:
هناك عدد كبير من المنظمات التي تهتم بشؤون المهاجرين أهمها لجنة الدعوة الإسلامية «أو جمعية الإغاثة الإنسانية» والوكالة الإسلامية للإغاثة، والهلال الأحمر الكويتي، والهلال الأحمر السعودي. وبالإضافة إلى هذه المنظمات الإسلامية هناك عدد كبير من المنظمات الدولية والصليبية مثل منظمات الصليب الأحمر من مختلف البلدان. وهذه الأخيرة تقدم الدواء بيد والسموم الفكرية باليد الأخرى. وقد حكى لنا عن حالات تمت فيها قطع ساق المصاب بدلًا من قطع إصبعه أو قدمه، ولعل ذلك لمنعه من الانضمام إلى المجاهدين.
والمنظمات الإسلامية -رغم قلة مواردها- تقدم خدمات جيدة، إلا أنها لا تفي بأي حال باحتياجات المهاجرين الذين بلغ عددهم بين ثلاثة وأربعة ملايين، وتتركز نشاطاتها في الرعاية الطبية والخدمة الاجتماعية والخدمات التعليمية. فمن حيث الرعاية الطبية هناك عدة مستشفيات ومستوصفات وعيادات تخصصية في بيشاور، بالإضافة إلى بعض المستوصفات في مختلف مخيمات اللاجئين، وبعض الوحدات الطبية المتنقلة، ولا سيما في المناطق الحدودية. أما الرعاية الاجتماعية فتتمثل في إقامة دور الأيتام والأرامل، وفي كفالة الأيتام بإعطائهم مبلغًا شهريًا يدفع للأم أو ولي اليتيم، وبالإضافة إلى هذا هناك دور خاصة بالأرامل يتم فيها تعليمهن مهنة معينة. وأما الخدمات التعليمية فتتمثل بافتتاح المدارس والمعاهد ودور المعلمين، لتخريج المعلمين الأفغان ليتولوا التدريس في مدارس المهاجرين. ومن أهم هذه المعاهد المعهد الشرعي الذي تشرف عليه لجنة الدعوة الإسلامية.
وبالإضافة إلى ما ذكر فإن الأحزاب الإسلامية الأفغانية العاملة في ميدان الجهاد تهتم أيضًا بموضوع المهاجرين، وعندها لجان خاصة لمتابعة أحوالهم. ومن هذه اللجان لجنة التعليم والتربية واللجنة الصحية، ولجنة الدعوة واللجنة الإعلامية ولجنة شؤون المهاجرين. وقد أقامت هذه اللجان مدارس ومستوصفات وعيادات طبية في مختلف أنحاء بيشاور ومختلف المخيمات. وكذلك هناك لجنة خاصة بتعليم الفتيات أسست عدة مدارس، منها مدارس ثانوية تسمى مدرسة أمهات المؤمنين وتكاد تكون المدرسة الوحيدة في هذا المجال.
في مخيمات اللاجئين
وزرنا أحد مخيمات اللاجئين وقيل لنا إن رئيسة وزراء بريطانيا قد زارت هذا المخيم وبكت عندما رأت حالة المهاجرين فيه. وقد كان هذا المخيم أحسن حالًا من غيره، فالمهاجرون فيه هم من أوائل المهاجرين، وقد سمح لهم بأن يبنوا بيوتًا من الطين بدلًا من العيش في الخيام. ولم تكن هذه العملية سوى الاستعاضة عن الخيمة القماشية بأخرى طينية، إذ لا تزال الأرض ترابية. وأهل هذا المخيم يستلمون بعض المؤن الغذائية عندما تأتي التبرعات كما أن لديهم بعض آبار المياه، وعندهم مستوصف ومدرسة.
كما زرنا مخيمًا آخر يعيش أهله في الخيام، وقالوا بأنهم لا يحملون بطاقات تموينية ولذا فهم لا يأخذون أي مؤن، وكذلك ليس عندهم آبار للمياه فهم يأتون بالمياه من أماكن بعيدة، وقد وقفوا حولنا يقصون علينا بؤسهم في حين وقف شيخ أشيب يقول لهم بالعربية: «إن الله مع الصابرين».
وفي مخيم ثالث كانت زيارتنا وقت الغداء «وهو عندهم قبل صلاة الظهر» فدعينا إلى إحدى الخيام لتناول الطعام معهم، وكان طعامًا متواضعًا جدًا يكثر فيه الخبز ويقل اللحم، إلا أن الحفاوة التي استقبلنا بها كانت عندنا أهم من الطعام.
وفي مخيم آخر كان لديهم مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، وقد استمعنا إلى ترتيل بلسان عربي مبين من عدة أولاد مما أثلج صدورنا.
في دور الأيتام
هناك عدد من دور الأيتام زرنا اثنتين منها. أولاهما بناها أحد المحسنين من المدينة المنورة وهو يتولى الإنفاق عليها. وهذه مدرسة داخلية ابتدائية تضم حوالي «400» يتيم، وفي النية توسعتها حتى تشمل المتوسطة والثانوية. وقد رحب بنا المدير والمدرسون واجتمعنا بالطلاب في مسجد المدرسة. وعندما سألناهم من يريد أن يصبح مجاهدًا عندما يكبر لم يتأخر أحد عن رفع يده. كما أن أحد الأولاد قد تلا علينا بعضًا من آي الذكر الحكيم بلهجة عربية واضحة. وكذلك خرجت مجموعة من الأولاد وأنشدت بالعربية نشيدًا بعنوان: «مجاهدون» قال لنا مدير المدرسة إنها من تأليفه. وقد علمنا من مرافقنا أن هذا المدير هو من أسرة علم في أفغانستان.
أما الدار الثانية فكانت أيضًا مدرسة داخلية وتضم «450» طالبًا وهي تحت إشراف منظمة الإغاثة الإسلامية. وهذه المنظمة لديها مشروع كفالة اليتيم يدفع فيه لأم اليتيم أو وليه مبلغًا من المال، ليتولوا رعاية اليتيم حيث لا تكفي دور الأيتام الحالية لاستيعاب كل الأيتام. ومشروع كفالة اليتيم مفتوح للمسلمين كافة ليساهموا فيه حيث يتولى كل محسن عددًا من الأيتام بدفع مبلغ يعادل «800» روبية باكستانية شهريًا عن كل يتيم، وتتولى المنظمة إرسال المعلومات عن مكفولي كل محسن إليه. ولمزيد من المعلومات يمكن الاتصال بالمنظمة على عنوانها المذكور في آخر المقال.
في صلاة الجمعة
وأدينا مرة صلاة الجمعة في مسجد للمهاجرين الأفغان، فجاءوا بعد الصلاة يسلمون علينا سلامًا حارًا، وكان سرورهم بنا عظيمًا لأننا كنا نلبس مثل لباسهم الوطني. وتصور نفسك في مسجد تريد أن تسلم على كل المصلين فيه حيث لا يكتفي أحدهم بالمصافحة، بل يضمك إلى صدره بطريقة خاصة بهم في السلام على من يحبونه. وقد شكوا إلينا ما يرونه من بعض الزوار حول انتقاد صلاتهم. وهم في الحقيقة أحناف المذهب والعلم عندهم قليل، ويذهب إليهم بعض الناس وينتقدوهم في أشياء تعلموها منذ الصغر وهم لا يريدون تغيير ما تعلموه لقول قائل لا يعرفونه أو لا يشقون به. ولعل الدعاة يرحمونهم ولا يثقلون عليهم. وفي الحقيقة لدى القوم بعض البدع التي انتشرت بينهم بسبب الجهل على أن هذه البدع ليست خاصة بهم، وإنما تنتشر أيضًا في بعض بلاد العرب. وقد وجدناهم قومًا غاية في الأدب والحياء والعفاف.. وصدق من قال: «سبحان من أودع في هذه الأجسام الضخام قلوبًا رقيقة». كما أننا وجدناهم يحبون العرب لأنهم حملة الرسالة الإسلامية الأولى، إلا أنه حديثًا بدأت تتشوه صورتها عندهم، بسبب بعض الدعاة الذين لا يجيدون الدعوة فيبدئون بالانتقاد عن غير معرفة، حتى إن بعض العرب قد اتهموهم بالشرك والعياذ بالله.
في معسكرات المجاهدين
وبعد أن اطلعنا على أحوال المجاهدين كانت لدينا رغبة في زيارة المجاهدين في معسكراتهم. ولم يكن الأمر سهلًا، إذ إنه لا بد من الحصول على تصاريح خاصة من المسؤولين عن الجهاد. وفي كل مرة كنا ننتظر أيامًا حتى نحصل على التصريح. والمعسكرات مقامة في الأماكن التي لا سيطرة للحكومة الأفغانية عليها. والطرق إليها ترابية وعرة وتمر بمناطق خاصة تسمى مناطق القبائل، وهي المناطق الحدودية في باكستان وتخضع لحكم خاص بالقبائل هذه، ولا يسودها القانون الباكستاني، ولذا فإن السلاح يباع فيها علنًا ومن جميع الأصناف «ما عدا الدبابة والطائرة كما قيل لنا». وفي المعسكرات كنا نستقبل بحرارة تنسينا تعب الطريق، ووجدنا البساطة التي عليها المجاهدون وقادتهم من حيث لباسهم وإقامتهم في الخيام وطعامهم. وفي إحدى رحلاتنا مرت السيارة على مخيمات كثيرة لتأتي بالمجاهدين إلى المعسكرات تمهيدًا لخروجهم إلى الجهاد. وكان هؤلاء يودعون أهليهم ويستأذنون آباءهم للخروج. وفي اليوم التالي لوصولنا حضرنا وداعًا لسرية منطلقة إلى إحدى الجبهات للبدء في عملياتها الجهادية. وقيل لنا إنها ستمشي يومين قبل الوصول إلى المكان الذي تقصده. وكانت أعمار المجاهدين متفاوتة، ففيهم الشاب الذي يقل عمره عن عشرين سنة، وفيهم الشيخ الذي يزيد عمره عن سبعين سنة، وكان هذا الأخير إمام مسجد المعسكر الذي كان حزينًا قبل هذا اليوم لأنه لم يهاجر حسب السنة، وعندما طلبنا منه أن يوضح ذلك قال بلهجة عربية إنه قد مضى عليه مدة هنا دون جهاد، ولذا فهو يود الخروج مع المجاهدين.
وكان موقف الوداع مؤثرًا حيث ارتسمت علائم البشر على الوجوه وكانت تنم عن نفوس أبية، جسدت ذروة سنام الإسلام جهادًا لا يعرف التوقف، وشجاعة لا تعرف التردد، وإقدامًا لا يعرف الخوف، واستعذابًا للشهادة كما يستعذب غيرهم الحياة، ولكأنك تقرأ في وجوههم قول الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ (الأحزاب: ٢٣).
في إحدى الكليات الحربية:
وفي أحد المعسكرات كان هناك كلية حربية تهتم بتخريج ضباط مجاهدين ليتولوا قيادة عمليات الجهاد. ولا يتوقعن أحد أن هذه الكلية «أو غيرها من مثيلاتها» مقامة في أبنية فخمة مكيفة، وإنما أقيمت تحت الخيام في الحر اللاهب. ومع ذلك فإنها تعطي المناهج التي تقدمها الكليات الحربية المتخصصة، بالإضافة إلى البرامج الإسلامية لبث روح الجهاد في الشباب، وقال قائد الكلية إننا تدرب ضباطنا في ظروف واقعية، وبالتالي فنحن في وضع أفضل من وضع الكليات الحربية في الدولالآمنة. وقد أصر القائد هذا في أن ينتظر حتى نؤدي صلاة الظهر معهم تحت أشعة الشمس المحرقة حتى تشعر بشعورهم. وقد كان ذلك اليوم من أيام شهر رمضان المبارك.
ما المطلوب من المسلمين؟
إن ما يحتاجه إخواننا الأفغان لا يمكن أن تسده تبرعات بسيطة، وإنما على المسلمين أفرادًا وجماعات وحكومات أن يبذلوا بسخاء لدعم الجهاد الإسلامي في أفغانستان، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من جهز غازيًا فقد غزا» ويقول: «من خلف غازيًا في أهله فقد غزا».
وما أحرانا إذا كنا لا نستطيع أن نساهم في حمل السلاح أن نجهز الغزاة المجاهدين، وأن نخلفهم في أهلهم بخير، وأن نكفل أيتامهم، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ولمزيد من المعلومات إليكم بعض العناوين التي يمكن مراسلتها:
الوكالة الإسلامية للإغاثة:N-W-F-P PAKISTAN P-O-BOX BIT UNIVERSITY TOWN PESHAWAR
جمعية الإغاثة الإنسانية:N-W-F-P PAKISTAN P-O-BOX S UNIVERSITY TOWN PESHAWAR
مجلة البنيان المرصوص: N-W-P-P PAKISTAN
Ρ-Ο-ΠΟΣ PESHAWAR
AL JIHADPO-BOX - UNTVERSITY TOWN-PESHAWAR-N-W-E-P -PAKISTAN
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل