; «المجتمع» تنشر الترجمة الكاملة للكتاب المثير لرجل المخابرات المغربي السابق أحمد بخاري «مصالح الدول: كل شيء عن قضية بن بركة» الحلقة (١٧) أوفقير .. الوفي لفرنسا | مجلة المجتمع

العنوان «المجتمع» تنشر الترجمة الكاملة للكتاب المثير لرجل المخابرات المغربي السابق أحمد بخاري «مصالح الدول: كل شيء عن قضية بن بركة» الحلقة (١٧) أوفقير .. الوفي لفرنسا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 18-مارس-2006

مشاهدات 67

نشر في العدد 1693

نشر في الصفحة 40

السبت 18-مارس-2006

•تبرئة الدليمي للمحافظة على المصالح الفرنسية -المغربية 

لقد بدأت الزوبعة التي خلفها حادث اختطاف بن بركة في العالم كله تتخذ أبعادًا خطيرة منذ نهاية أكتوبر ١٩٦٥ فقد تأكدت السلطات الفرنسية أن أوفقير والدليمي ومصالح المخابرات المغربية هي المسؤولة عن هذا الاختطاف، وأن اثنين من رجال الأمن الفرنسي متورطان في هذه القضية. وأمام الشعور بالخيانة من طرف أوفقير الوفي وجدت نفسها في حالة ضعف لأن الحادث وقع فوق التراب الفرنسي، وأن فرنسا لديها مصالح كثيرة تدافع عنها في المغرب

تعريب:  إدريس الكنبوري

وفي بداية شهر نوفمبر التالي أرسلت السلطات الفرنسية مبعوثًا إلى المغرب لكي يشرح الوضع لأوفقير والدليمي وعدد من رجال الكاب الآخرين الذين أصبحوا فيما بعد موضوع مذكرات توقيف من طرف القاضي الفرنسي لويس زولنجر المكلف بملف بن بركة لكن زيارة المبعوث الفرنسي للمغرب لم تؤد إلى نتيجة إيجابية، فكان الشعور بالفشل في الجانب الفرنسي قويًا. وبغية تجنب مواجهة دبلوماسية مع المغرب وزعت مذكرة دولية باعتقال أوفقير والدليمي وأيضًا الشتوكي العربي وعباس والحسوني والعشعاشي والفرنسيين الفاسدين الأربعة، لكن ذلك لم يؤد إلى النتائج المطلوبة، فأرسل القاضي الفرنسي رسائل عدة إلى المغرب للتذكير بتلك المذكرات الدولية لكن بلا نتيجة أيضًا. بالرغم من أن الشخصيات المبحوث عنها كانت معروفة لدى جميع مصالح الأمن والشرطة المغربية وفرع الإنتربول بالمغرب.

الرجل الشريف

وتثير الهويات التي وردت في تلك المذكرات الدولية عدة ملاحظات: ففيما يخص حالة عبد الحق العشعاشي وضع القاضي الفرنسي في مذكراته فقط لقب العشعاشي من دون تحديد الاسم الشخصي، وقد سافر عبد الحق إلى باريس يوم ٢٨ أكتوبر واستقر بأحد فنادقها لمدة أسبوع تقريبًا، لكن الكاب يعلم بوجود شخصين يحملان هذا الاسم، مع نفس الدرجة في السلم الوظيفي وبمسؤوليات عليا متقاربة، وكلاهما كان حاضرًا بباريس في تلك الفترة، وهناك حالة خاصة ثانية وهي المتعلقة ببوبكر الحسوني الذي أصبح في المذكرة الدولية «حسوني» فقط. أرسلت مذكرات القاضي الفرنسي إلى المغرب بشكل يحترم التسلسل الإداري والدبلوماسية، بدءًا من وزارة العدل ووزارة الخارجية ووزارة الداخلية وصولًا إلى الإدارة العامة للأمن الوطني، حيث حفظت بها وتم تجاهلها. في نفس الوقت كان أوفقير يكثر من إعطاء التصريحات للصحافة الفرنسية مؤكدًا ومقسمًا بشرفه «كرجل شريف وخدوم لفرنسا» أنه ليست له يد في هذه القضية، وأن القضاء الفرنسي يجب أن يصدقه لأنه «وفي لفرنسا»، واستمر القاضي الفرنسي في بعث الرسائل إلى السلطات المغربية حول تلك المذكرات، خصوصًا إلى وزارة العدل لكن تلك الرسائل كانت في النهاية تسقط بين يدي أوفقير الذي يوجهها إلى الكاب لكي يتم إعداد ردود عليها أو تجاهلها. كان مساعدو أوفقير الذين كلفهم بالرد على تلك الرسائل هم أنفسهم لم يتغيروا ويتعلق الأمر ببديعة المسناوي وزوجها محمد المسناوي ومولاي أحمد التدلاوي وعبد الحق العشعاشي، فكانت تلك الرسائل تسافر إلى مكاتب الوزارات قبل أن ترسو جميعها في نهاية الرحلة عند السيدة المسناوي رئيسة الكتابة الخاصة للجنرال في وزارة الداخلية، وتجمع هذه معاوني أوفقير لعقد اجتماع معهم لقراءة تلك الرسائل جيدًا وتحرير ردود عليها موجهة إلى وزارة العدل المغربية، وهذه الأخيرة تحرر الردود الموجهة إلى القاضي الفرنسي، أي الردود الرسمية للمغرب. وهكذا كانت تلك الردود تهيأ بداخل المكتب الخاص لأوفقير – المتهم الرئيس في القضية- باسم الدولة المغربية.

الأدلة والبراهين

كانت تلك الردود عبارة عن حزمة من الأكاذيب معبأة في حلة رسمية ودبلوماسية، لكن لا أحد كان مغفلًا في المغرب كما في فرنسا، وانتهى القاضي الفرنسي إلى أن أصبح هو الضحية بالرغم من أنه جمع ما يكفي من الأدلة والبراهين ضد هؤلاء وأولئك. انطلق ملف بن بركة في محكمة الجنايات بباريس في أكتوبر ١٩٦٦م بستة متهمين في حالة اعتقال، وبعد بضعة أسابيع من المناقشات توقفت الجلسات إثر المثول الطوعي لأحمد الدليمي كانقلاب فجائي وحركة مسرحية، لم تكن شجاعة الدليمي سوى لعبة مسلية هي الأولى من نوعها من بداية القضية، وقبل أن يمثل أمام المحكمة بشكل طوعي من أجل مسح الإهانة ورد الاعتبار للمغرب، كما قال، فإنه كان يملك ورقة سرية رابحة منذ بداية القضية أخبرنا -يقول الدليمي- أحد عمداء الشرطة الممتازين في باريس الذي سبق له العمل بالمغرب بأن ملف بن بركة يحقق تقدمًا ونحن نعرف جيدًا الملف الذي يوجد بين يد العدالة الفرنسية والاتهامات الموجهة إلى هؤلاء وأولئك ... إلخ. كان الدليمي يعتقد أنه سالم، وأنه لا يوجد ما يدينه في هذه القضية، حتى وجوده فوق التراب الفرنسي في لحظة وقوع عملية الاختطاف والقفازان الشفافان اللذان كان يحملهما في تلك اللحظة أخفيا المعالم الحقيقية لجريمته وأبعداه عن ساحة الاتهام.

في شهر أبريل ١٩٦٧م تم استئناف القضية في المحكمة، لكن هذه المرة بمثول الدليمي مع المتهمين في صندوق الاتهام. وقد أدلى العميل السابق في الكاب رشيد سكيرج، الذي عمل ضابطًا في الإدارة العامة للأمن الوطني ما بين ١٩٥٦ و١٩٦٢م. بشهادته أمام الجلسة، وقدم توضيحات مهمة جدًا بخصوص تنظيم الكاب وأماكن الاعتقال السرية ومعلومات عن عمليات الاختطاف والاعتقال خارج القانون. وفي 5 يونيو ١٩٦٧م. تاريخ اندلاع حرب الستة أيام في الشرق الأوسط، صدرت الأحكام ضد المتهمين كالتالي:

الحكم بالسجن سبعةأعوام ضد الكولونيل ليروي فينفيل رئيس قسم بـ«مكتب التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس الفرنسية»، وأنطوان لوبيز، ولويس سوشون ضابط شرطة ورئيس الفرقة الحضرية في الشرطة القضائية لباريس. 

الحكم بالسجن خمسة أعوام ضد روجر فواتوت ضابط شرطة ونائب رئيس الفرقة الحضرية للشرطة القضائية لباريس والغالي الماحي رجل الأمن والطالب المغربي بباريس.

-إطلاق سراح فيليب بيرنيي الصحافي وعميل «الديستي» الفرنسية لعدم كفاية الأدلة، والكلونيل أحمد الدليمي نائب رئيس الكاب، لقد تمت تبرئة الدليمي لكي يحافظ على المصالح الفرنسية بالمغرب، كما أن تبرئة بيرنيي كان الهدف منها إنقاذ شرف الديستي الفرنسية. 

وقد صدرت أحكام غيابية على ثمانية أشخاص كالتالي:

الحكم بالسجن المؤبد ضد الجنرال أوفقير وجورج بوشيش وجوليان فراي وبيير دوبايل وجون باليس.

- ثلاثون عامًا سجنًا ضد الشخص المجهول «الشتوكي»، و«حسوني» «العشعاشي».

 الضربة القاضية

شكلت إدانة ليروي فينفيل وأنطوان لوبيز ضربة قاضية لمكتب التوثيق الخارجي ومحاربة التجسس الذي كان على علم بعملية اختطاف المهدي بن بركة ولكنه لم يتحرك للتصرف، وكشفت عن الإهمال وعدم المسؤولية، وأربكت إدانة سوشون وفواتوت ولاية الأمن بباريس ومصالح الأمن العمومي والشرطة القضائية بمطار أورلي ويورجي، وقد تحرك «بوفييه» رئيس الشرطة القضائية في العاصمة الفرنسية للكشف عن تلك الخروقات والإهمال، ولكنه تلقى ما يفيد عدم رفع تقاريره إلى القضاء ربما لإنقاذ سمعة الأمن الفرنسي وعدم المساس بالمصالح الفرنسية في المغرب. لقد انطلقت قضية بن بركة في القضاء الفرنسي يوم ۳۰-۳۱ أكتوبر ١٩٦٥م انطلاقة سيئة، فيوم 3 نوفمبر كان بوفييه يريد استدعاء كل من أوفقير والدليمي وعبد الحق العشعاشي، لكن التعليمات أرادت شيئًا آخر، مغيرة بذلك مسار التاريخ وبعد بداية القضية في - محكمة باريس عام ١٩٦٧م لم يستطع أحد الكشف عن جميع الخروقات المقيدة ضد مصالح الأمن الفرنسية والمخابرات والشرطة القضائية، والموجودة في الوثائق والتقارير التقنية، فقد تم وضع تلك التقارير والوثائق في ملفات حفظت تحت اسم سري للدفاع منذ بداية نوفمبر ١٩٦٥م، ولم يكن ذلك مجرد صدفة. كانت عملية اختطاف المهدي بن بركة فوق التراب الفرنسي يوم ٢٩ أكتوبر ١٩٦٥م والتحضير الجيد الذي سبقها لمدة سبعة أشهر نجاحًا باهرًا للكاب عمومًا ولمحمد العشعاشي بوجه أخص. فقد زعزع اغتياله مصالح الكاب بشكل رهيب بحيث إنه كان شبيهًا برصاصة الرحمة التي وجهت بشكل نهائي إلى هذه المصالح وأدت إلى إدخال عمل المخابرات المغربية طور السرية المطلقة عامين بعد ذلك أي في أكتوبر ١٩٦٧م، ثم إلى خلق مصالح مخابرات سرية جديدة عام ۱۹۷۳م هي «الديستي»  «إدارة مراقبة التراب الوطني» و«الدجيدة»  «الإدارة العامة للدراسات والمستندات»، ولكن هذه الجريمة السياسية الكبرى التي أدت إلى نهاية الكاب لم تؤد بالتالي إلى نهاية المجرمين الرئيسين فيها، حيث حافظ الجنرال أوفقير على منصبه سنوات أخرى إلى عام ۱۹۷۱م تاريخ تعيينه وزيرًا للدفاع الذي ظل فيه إلى ١٦ أغسطس ۱۹۷۲م تاريخ وقوع المحاولة الانقلابية الفاشلة وحادث انتحاره الغريب الذي لا يقبل التصديق في أحد أروقة القصر الملكي بالصخيرات «قريبًا جدًا من الرباط». لقد عاش أوفقير بعد مقتل المهدي بن بركة بالرغم من صدور مذكرات دولية باعتقاله وتقديمه للعدالة الفرنسية عام ١٩٦٥ وبالرغم من الحكم الصادر ضده غيابيًا عن محكمة باريس للجنايات بالسجن مدى الحياة. أما الدليمي فقد بقي هو الآخر في موقعه بعد وقوع الجريمة، بل إنه عين عام ۱۹۷۰، خمس سنوات بعد اختطاف واغتيال بن بركة مديرًا عامًا للإدارة العامة للأمن الوطني ورئيسا للقوات المسلحة الملكية في المناطق الصحراوية عام ١٩٧٥ حيث رقي إلى رتبة جنرال، قبل أن يتورط هو الآخر في التحضير لمحاولة انقلابية ضد القصر وقضية حادثة السير التي أودت بحياته في يناير ۱۹۸۳، ومثله مثل الجنرال أوفقير، انتهى مباشرة بعد استدعاء الملك له.

يتبع.............

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4425

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

157

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان