العنوان أوروبا تغرق!! الفيضانات تغرق غرب أوروبا والتقدم التكنولوجي يفشل في مواجهتها
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1995
مشاهدات 61
نشر في العدد 1138
نشر في الصفحة 42
الثلاثاء 14-فبراير-1995
بون: نبيل شبيب
·
في ألمانيا ذات
التقدم التقني لم تستطع مواجهة الفيضانات، وهُجِّرت عشرات الألوف، واستخدمت
القوارب للتحرك بين المحصورين في الطوابق العليا من المنازل الغارقة.
·
مشكلة
الفيضانات تطرح قضية الخواء الروحي في الغرب، وهشاشة القوة المادية القائمة على
سيطرة الإنسان على الطبيعة وغفلته عن قدرة الله سبحانه وتعالى.
·
هولندا تعجز عن
مواجهة الفيضانات، وتضطر لتشريد ربع مليون عن مساكنهم لعدة أيام.
يقول خبراء الأحوال الجوية إن الفيضانات التي اجتاحت وسط أوروبا كانت
نتيجة حالة نادرة في "تركيبة" الضغوط الجوية، فالمعتاد في هذه الفترة من
السنة أن تكون شديدة البرودة، فلا تذوب الثلوج في المرتفعات، وقد يهطل الثلج لا
المطر، وإن هطل فليس بالغزارة التي كان عليها، ولكن طبقة الضغط الجوي الباردة
المعتادة كانت -لأسباب مجهولة- "محشورة" بين طبقتين دافئتين، فلا هي
تحركت بفعل الرياح إلى مناطق أخرى، ولا هي لعبت دورها المعتاد في إسقاط الثلوج
والحفاظ عليها جليدًا في المرتفعات، واجتمع المطر الغزير مع ما ذاب من ثلوج، وإذا
به يحول خلال أيام معدودة مساحات واسعة من ألمانيا وبلجيكا وهولندا وسويسرا وفرنسا
إلى ما يشبه البحيرة الكبرى، وبات وضع معظم المدن والقرى الواقعة على ضفاف الأنهار
في تلك المنطقة أشبه بمدينة البندقية في إيطاليا، فهولندا مثلًا، التي توصف بأنها
"قهرت الماء" بألوف السدود والجسور فيها، عجزت عن مواجهة الفيضان،
واضطرت في النهاية إلى تشريد زهاء ربع مليون نسمة عن مساكنهم لعدة أيام، كذلك فقد
عجزت ألمانيا الشديدة الاعتزاز بتقدمها التقني عن صنع شيء آخر يتجاوز في جوهره
تشريد عشرات الألوف، واستخدام القوارب للتحرك بين المحصورين في الطوابق العليا من
منازلهم الغارقة في الماء، وانتظار أن تنتهي الكارثة من نفسها.
وكان من أسباب هذه الكارثة أن المياه التي تجمعت في الأنهار الكبرى،
مثل الراين والماين والسين والدنوب، وارتفع منسوبها فغمر الضفاف يمنة ويسرة، لم
تجد الأرض الطبيعية التي كانت في الماضي تمتص المياه الفائضة فلا تتجمع، بل وجدت
سدودًا من صنع اليد البشرية، على شكل مجمعات صناعية ومناطق سكنية وحواجز وقائية،
علاوة على أن أجزاء كبيرة من تلك الأنهار نفسها تحولت إلى ما يشبه القنوات
الأسمنتية، وهكذا لم يجد الماء مصرفًا، بل زاد من حدة المشكلة أن القليل من
المساحات الطبيعية الباقية على الضفاف النهرية، لا سيما جنوب ألمانيا، بقي محجوزًا
وراء سدود كانت قد أقيمت من قبل وفق قرارات الحكومات المحلية في الولايات للحفاظ
على تلك الأراضي في وضع يسمح بإقامة المنشآت الصناعية والسكنية فيها، وهكذا كان لا
بد أن يتابع الماء تدفقه باتجاه المصب، وهذا من أسباب وصول منسوب مياه نهر الراين
في مدينة كولونيا إلى عشرة أمتار وسبعين سنتيمترًا، وهو أعلى منسوب تم تسجيله في
القرن العشرين، وقد "حطم الرقم القياسي" الذي سجلته الفيضانات عام 1926م
ببضعة سنتيمترات.
في ألمانيا
والواقع أن السلطات الألمانية سبق وبذلت جهودها في اتخاذ الإجراءات
الوقائية عن طريق السدود والمتاريس والقنوات الجانبية وما شابه ذلك، إنما انطلقت
الحسابات المدروسة لمدينة كولونيا مثلًا من احتمال وصول منسوب مياه نهر الراين إلى
حد أقصى هو عشرة أمتار ونصف المتر، ولكن تمردت الطبيعة -كما يقولون- على ما قررته
الدراسات والحسابات البشرية، فكانت زيادة بضعة عشر سنتيمترًا زيادة كافية لإغراق
الجزء القديم من المدينة تمامًا، مثلما غرقت أجزاء كبيرة من بون وكوبلنز
وفرانكفورت وغيرها، وبدأ يتردد أن السلطات لم تتعلم من آخر درس لقنتها إياه
"الطبيعة"، وكان قبل 13 شهرًا فقط، عندما بينت الفيضانات آنذاك ضرورة
زيادة الإجراءات الوقائية على ما كانت تقول به الحسابات والتقديرات السابقة،
ويتردد أيضًا أن السبب الرئيسي هو سياسة التوفير في ألمانيا، هذا بينما تقدر
الخسائر المادية من الفيضانات الأخيرة -علاوة على بضعة عشر شخصًا وافتهم المنية-
بحوالي 750 مليون مارك مبدئيًا، ولا يكفي ذلك لإقناع السلطات وتنفيذ ما وضع من
اقتراحات لمزيد من الوقاية، فالخسائر المذكورة خسائر العامة من السكان وليست خسارة
الدولة، والجدير بالذكر هنا أن التعويضات الرسمية التي لن تصل إلى 100 مليون مارك
مخصصة لأصحاب المتاجر والمصانع المتضررين، وليس للفرد العادي من السكان مقابل
متاعه وأثاث منزله، ويضاف إلى ذلك أن شركات التأمين لا تقبل بعقد تأمينات من أخطار
فيضانات محتملة، بعد أن أصبح احتمال تكرارها أكبر من احتمال أن تكون مجرد حالة
نادرة الوقوع.
في فرنسا
أما في فرنسا فقد بدأت المياه تنخفض بعد الفيضانات التي اجتاحت أوروبا
الشمالية وفرنسا، حيث عاش قسم كبير من الشعب الفرنسي ظروفًا قاسية خلال الأسابيع
الماضية، وبعد محنة الفيضانات انطلقت مشكلة التعويضات ومرحلة التساؤلات حول القوة
المادية الغربية.
فقد احتلت أنباء الفيضانات صدارة الأحداث قبل الحملة الانتخابية
والأخبار العالمية، وعلى رأسها الجزائر وفلسطين والشيشان والبوسنة، حيث اكتشف
الفرنسيون هشاشة قوتهم المادية أمام قوة أخرى يتجاهلونها ولكنهم يرون آثارها رأي
العين، وتحول الشمال الفرنسي إلى بركة من المياه، وتقدم وسائل الإعلام المرئية كل
يوم مشاهد لم يألفها المواطن، فهذه قوات الجيش تحولت إلى وحدات للإنقاذ والمساعدة
عبر قوارب للمرور والتنقل، وهذه الفيلات والمباني الضخمة تحولت إلى جزر عائمة،
والأثاث فيها إلى أشياء متحركة فوق الماء، وكل يوم تتوجه الأنظار إلى السماء في
انتظار انقشاع السحب، ويتابع الرأي العام باهتمام كبير الأحوال الجوية على شاشات
التلفزيون وفي الإذاعات، وأغلقت المدارس والشركات، وتحدثت بعض الصحف عن مدن
البندقية "فنيسيا"، وبالطبع هرع السياسيون لزيارة المناطق المتضررة من
أجل مكاسب انتخابية.
وفي هذا الصدد تعددت التصريحات الرسمية بتبني الحكومة للمتضررين،
وأعدت قائمة بالمقاطعات المتضررة تصدر هذا الأسبوع في الجرائد الرسمية.
وتثبت الإحصائيات أن أكثر من 15 شخصًا ماتوا بسبب الفيضانات، في حين
فقد خمسة آخرون، وهناك أكثر من 40 ألف منزل تضرر، و5 آلاف شخص تم إجلاؤهم بعيدًا
عن بيوتهم، و8 آلاف عامل حرموا من عملهم، وتكفلت الحكومة بتقديم تعويضات لهم في
إطار البطالة الجزئية، كما أن 31 مقاطعة و2700 بلدية تعتبر مناطق لحقتها الكوارث،
والمتضررون فيها من حقهم المطالبة بتعويضات.
شركات التأمين والتعويضات
وعلى ذكر هذه المسألة، فإن الجدل قائم حول مدى استعداد شركات التأمين
للتعويض لمن لديهم عقود معها، وتقدر الفيدرالية الفرنسية لشركات التأمين أن
الخسائر الناتجة عن الفيضانات تتراوح بين 2 و3 مليارات من الفرنكات الفرنسية،
وتقول الإحصائيات إن الدولة قدمت منذ 1982 مساعدات من أجل التعويضات فيما يتعلق
بالكوارث تقدر بـ 43 مليار فرنك، في حين دفعت شركات التأمين 39 مليارًا فقط، وبقي
لها فائض بحوالي 4 مليارات فرنك.
بيد أن هذه الشركات تحتج على البناء في المناطق المهددة بالفيضانات،
وقام بعضها بحل العقود بينها وبين الأشخاص الذين يسكنون بيوتًا في مثل هذه
المناطق، الأمر الذي أثار غضب المتضررين، وتدخلت السلطات لتؤكد بأنه لا وجود
لضريبة على الفيضانات، وبالطبع يدخل هذا الإجراء ضمن القرارات الأخرى ذات الأبعاد
الانتخابية.
وبغض النظر عن مسائل التعويضات، فإن التساؤلات الصامتة غالبًا،
والملمح إليها أحيانًا، تدور حول أسباب مثل هذه الكوارث في بلاد من المفروض أنها
تمتلك القوة المادية والتقدم التكنولوجي والعلمي لتفادي مثل هذه الكوارث، وقد أثار
العديد من المتضررين تساؤلات حول عجز السلطات عن الحد من الأضرار، ومن بين الأسباب
المقدمة اتباع سياسة احتكار وتهيئة عمرانية تأخذ بعين الاعتبار بدرجة أولى المكاسب
المادية والأصوات في الدورات الانتخابية والمصالح الذاتية على حساب المصلحة العامة
أحيانًا.
ولكن تطرح مسألة الفيضانات قضايا أعمق تتعلق بالفراغ الروحي وسيطرة
العقلية المادية وهشاشة القوة المادية القائمة على فكرة سيطرة الإنسان على الطبيعة
وتجاوزه للقوة الإلهية، ولكن أمام تكرر الكوارث في البلاد الغربية "زلزال
اليابان - الفيضانات في أمريكا وأوروبا"، يتساءل بعض المختصين من الإعلاميين
والمتابعين لتحولات الرأي العام حول إمكانية عودة وعي جماعي بضرورة تعويض الخواء
الروحي وإيجاد نوع من الاعتدال بين الجانبين الروحي والمادي، وهو مؤشر للعودة إلى
الدين كملجأ حصين، والعدول عن نزعة الغرور بالقوة المادية التي أثبتت هشاشتها،
ولعل من الأشياء المثيرة للاهتمام أن ما حدث أخيرًا بقي غامضًا، فقد ابتلعت الأرض
بيتًا في بضع دقائق إلى عمق 15 مترًا، حيث تمكن أهله من الفرار قبل الحادث بلحظات.
فهل من مدكر؟
محمد الغمقي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل