الثلاثاء 07-يونيو-1988
طوال جلستنا...
كانت ساهمة. صغيرة هي، غضة الإهاب، لم تتجاوز بعد الثامنة عشرة. انتقلت إلى جوارها
وهمست لها: "وحِّدوه...". ضحكت والحياء يصبغ وجنتيها... أردفت: "ما
بكِ؟" قالت: "لا شيء..."
• "ليس سؤال مجاملة، ما الذي يدفعكِ إلى
ترك الصاحبات والجلوس بمفردكِ؟"
• "وما الذي يدفعني إلى مجالستهن؟"
أدركت أني عثرت على إنسانة فريدة، فمن النادر أن تجدي هذه الأيام من تفكر هكذا وفي
مثل هذا السن... لكنني أحببت المزيد من الإجابات المميزة... فقلت متابعة:
• "السن المماثل، الأحاديث
المتقاربة؟" تأملتني بنظرة مشوبة بشيء من السخرية، ونصف ابتسامة تترنح على
الشفتين وقالت:
• "أحاديث؟ أتدرين عمَّ يتحدثن؟"
• "لا... ولكن بالتأكيد أحاديث تهمهن
وتبعث السرور في نفوسهن. تأمليهن، كيف يتهامسن... يضحكن... إنهن يعشن عمرهن
الحقيقي."
• "أما أنا... فلا... أهذا ما قصدتِ
إليه؟"
• "لعلكِ تعيشين مشكلة ما؟" هزت
رأسها ثانية ومسحة حزن تتألق على محياها... تابعت: "ألا أكون فضولية إن سألت
عن السبب؟" ابتسمت قائلة: "أنتِ تعرفين قربكِ من قلبي، ولستُ غريبة، ولو
كان ثمة مشاكل لعَرفتها. فقط هو الملل، بصراحة أحس كل ما حولي ممل... ملل
قاتل."
• "هو إحساس عابر..." وبسرعة
أجابت: "لا... لقد أضحى إحساسًا دائمًا طاغيًا يملأ كل حياتي ويطبع كل
تصرفاتي. كثيرًا ما أجيب الآخرين بنزق، وأتصرف بطيش، وكثيرًا ما أُهمل في واجباتي
ولا أقلق فما عاد ما يهمني."
• "أسألتِ نفسكِ لِمَ؟" ارتسمت
الدهشة في العينين الواسعتين: "أسأل نفسي!؟"
• "نعم يا عزيزتي: اجلسي مع نفسكِ
واسأليها بصدق... لِمَ هذا الإحساس؟"
• "ولكن ما من شيء يستدعي ذلك، فما
جَدَّ جديد عندي حياتي هي هي، منذ أن وُلدت حتى اليوم."
• "إذًا... هذا هو السر." هتفت:
"أين؟"
• "في أن حياتكِ هي هي... لم تتبدل ولم
تتغير مع أنكِ تكبرين يومًا بعد يوم. تسير على وتيرة واحدة... وما من شيء أكثر من
"الروتين" تدميرًا لحياتنا..." استدارت إليَّ بكليتها، وبريق
الاهتمام في العينين الخافتتين وقالت مؤكدة:
• "صحيح... صحيح والله."
• "طيب... أما فكرتِ يومًا بالقضاء
عليه؟"
• "كيف؟ جربت أن أقرأ، أن أُطرِّز، أن
أتصفح المجلات باحثة عن آخر الأزياء... أن أخرج وألتقي بالصديقات... جربت كل
شيء... وكنت في كل مرة أعود أشد مللًا وأكثر سأمًا."
• "وهل جربتِ العمل؟"
• "العمل؟ أنا بعد طالبة ماذا أعمل؟ ثم
أنا لست بحاجة إلى العمل."
• "لا أقصد العمل الذي تُؤجرين عليه من
البشر، بل قصدت العمل الذي يرضي الإله." سارعت مؤكدة: "والله ما قصرت
يومًا في فروضي، لكنني وبصراحة منها أيضًا كنت آمل - أستغفر الله -"
• "لا عليكِ... ما هذا الذي قصدتِ؟ قصدي
أن تبحثي عما يشغلكِ وينتشلكِ من فراغكِ، ويكون في الوقت ذاته عونًا لغيركِ...
فتِّشي عن زوايا جديدة في حياتكِ. ابحثي فيما حولكِ وراقبي من حولكِ... ولا بد
أنكِ ستجدين من هنَّ بحاجة إليكِ." وباستغراب قالت: "أنا؟ ما الذي
يحتاجه الناس مني؟"
• "الكثير... لا تظني أنكِ صغيرة أو غير
قادرة على عون الآخرين... فكري قليلًا... ألا توجد لديكِ جارة، زميلة، أخت، صديقة
تحتاج شيئًا ما... أي شيء؟"
• "صحيح، لا بد أنه يوجد، ولكن ما علاقة
حاجتها بما أعاني منه؟"
• "يابنتي... ما أنتِ فيه ناتج عن
الفراغ..." وباستغراب أشد قالت: "الفراغ؟ وقتي كله مملوء!!" وبهدوء
قلت: "نعم مملوء... ولكن بماذا؟ بالفراغ... اسألي نفسكِ ما الغاية من كل ما
تفعلين؟ أنتِ تقرئين وتخرجين و...و... لتقتلي الوقت ليس إلا... والله سبحانه لا
يريدنا أن نقتل الوقت بل يريدنا أن نملأه بما نُعمِّر به هذا الكون..."
"لو فكرتِ في الغاية التي لأجلها تفعلين ما تفعلين لامتَلأ وقتكِ... لبحثتِ
ونقَّبتِ عما يفيدكِ ويفيد الأخريات معكِ، وصدقيني يا ابنتي حين تبدئين بالعطاء
لمن حولكِ لن تحسي الملل؛ لأنكِ لن تجدي وقتًا لهذا الإحساس، فأنتِ إما في عمل
خير، أو في التفكير فيه، أو في الإعداد له." صمتت قليلًا ثم قالت:
"لعلكِ على حق... ولكن لو فعلتُ ما تقولين لن يكفيني وقتي كله." ضحكت
قائلة: "ها أنتِ الآن تشكين من عدم الفراغ... حيّرتني... على كل حال لا
تقلقي، سيبارك الله لكِ في وقتكِ... ثم أنتِ تفعلين ما يناسب وقتكِ والأخرى تفعل،
وغيرها تفعل فتبقى الحياة في عطاء دائم مستمر." قالت بحيرة: "ولكنني قد
أتعب... قد أواجه ما لا أطيق بمفردي؟" قلت: "إذًا ابحثي عمن يشد أزركِ
ويُعينكِ في عملكِ، وستملأكِ القوة كلما وهنتِ ومن جديد." هتفت والارتياح
بادٍ على محياها الجميل: "شكرًا لكِ." وهمَّت بمغادرتي... أمسكت بيدها
قائلة: "لا تنسي... الواجبات دائمًا أكثر من الأوقات، ويد الله مع
الجماعة." ابتسمت... وغادرتني إلى المجموعة الصغيرة الضاحكة... ولعلها ستبدأ
عملها منذ اللحظة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل