; أهمية قبرص بالنسبة للعالم الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان أهمية قبرص بالنسبة للعالم الإسلامي

الكاتب عبدالقادر قره خان

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1980

مشاهدات 79

نشر في العدد 486

نشر في الصفحة 17

الثلاثاء 24-يونيو-1980

أبدأ حديثي وكلي ثقة في أهمية الوقوف على قضية جزيرة قبرص التي تقع بالقرب من سواحل تركيا وسورية ولبنان ومصر، وتعتبر مفتاح شرق البحر الأبيض المتوسط وذلك أثناء انعقاد الدورة العالمية الثامنة لمؤتمر العالم الإسلامي وسأتناول الناحية الاجتماعية والثقافية والدينية والاقتصادية والسياحية من جهة، وكونها مركزًا للتنقل من جهة أخرى ثم أعرج إلى الناحية التاريخية وأهميتها بالنسبة للعالم الإسلامي.

ستحمل كلمتي هذه نظرة عامة على القضية بدلًا من التفصيل والمبالغة ولا أهدف من وراء ذلك إلا إلى لفت نظر العالم الإسلامي نحو حقوق المسلمين الأتراك الذين يسكنون ثالث جزيرة كبيرة في الأبيض المتوسط.

قبرص في التاريخ

من المعروف أن جزيرة قبرص كانت تابعة للإمبراطورية الرومانية الشرقية عندما بدأ نور الإسلام ينتشر في أنحاء المعمورة. كانت قبرص هدفًا للفتوحات الإسلامية ابتداء من عصر الصحابة الكرام وهم يفتحون بالإيمان والسيف بلادًا من أجل إعلاء كلمة الله والاستشهاد في سبيله. يذكر المؤرخون أن عدد الغزوات بلغت أربعًا وعشرين غزوة ما بين سنة ٦٣٢ و ٩٦٤. عندما توجه معاوية ابن أبي سفيان والي الشام مع الجيوش الإسلامية لفتح قبرص أيام ثالث خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان «رضي الله عنه» دمرت تمامًا مدينة «سلاميس قسطنطين» تلك التي نجتمع الآن فيها واستشهدت أم حرام بنت ملحن الأنصاري من أقرباء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم- وقيل إنها عمته أو ابنة عمته- بعد سقوطها من على دابتها ودفنت في قرب «لارناقا» وهي بصحبة زوجها عبادة ابن الصامت حيث كانت تشاركه في الجهاد .

يجب أن نأخذ بالاعتبار أن شهيدة قبرص الأولى قد أصبح قبرها ضريحًا ومركزًا دينيًّا ثم جامعًا فصارت رمزًا لحقوق التراث المعنوي الإسلامي. 

وأيام الخليفة الأموي عبد الملك ونتيجة اضطرار البيزنطيين قبول الصلح سنة ٦٨٩ قسمت الضريبة التي كانت تؤخذ من قبرص بين الطرفين بشكل متساوٍ ثم تحققت فعليًّا بهذا للحكم الإسلامي حقوق في قبرص وبشكل مسجل منذ ثلاثة عشر قرنًا بالضبط. ومن المفيد أن نعيد هذا التاريخ إلى الأذهان للدلالة على الحقوق الإسلامية في الجزيرة الخضراء عبر تاريخ المسلمين في العصر العباسي وبصورة خاصة الغزو الذي أمر به هارون الرشيد القبرص سنة ۸۰۲. 

إن وقتنا لا يسمح لنا هنا بالحديث عن صراع القبارصة مع المماليك حول مساعدة السلاطين العثمانيين للمماليك وعن أسر سلطان المماليك «باي بارس» لملك قبرص في سنة 1426، كذلك حول دفع الضريبة السنوية بكاملها من قبل البندقيين لدولة ياووز سلطان سليم خليفة المسلمين آنذاك بعد فتحه لمصر سنة ١٥١٧ بعد أن كان البندقيون يدفعون هذه الضريبة لسلاطين مصر وهذا دليل على الحقوق الإسلامية في قبرص. إلا أن فتح العثمانيين لجزيرة قبرص بالكامل وفترة حكم المسلمين الأتراك التي دامت ۳۰۸ أعوام بالضبط يجب ألا يلقى إهمالًا.

الفتح العثماني لقبرص:

لم يكن بوسع الإمبراطورية العثمانية وهي تسيطر على المناطق الواسعة التي يعيش فيها مسلمو شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط والمناطق المسلمة التي لها سواحل على الأبيض المتوسط في أواسط القرن السادس عشر أن تترك جزيرة قبرص وحدها بعد أن أصبح من الضروري ضمها إلى الإمبراطورية لموقعها الاستراتيجي والاقتصادي وكونها شوكة في وسط حدودها وقلعة مسيحيي شرق الأبيض المتوسط، كانت الجزيرة تحت سيطرة البندقيين، وكانوا قد نزعوها عنوة من ملكة «لوزينيان». 

لم يكن الشعب راضيًا عن هذه الإدارة الداخلية. وبالإضافة إلى ذلك فقد كان البندقيون يهاجمون سفن الحجاج والتجار وموظفي الدولة الأتراك، وكانوا يسلبون بين الحين والحين أموالهم و يأسرونهم ويعذبونهم وهم يمرون بالقرب من الجزيرة. ولم تكن التحذيرات ذات فائدة. ورغم خطورة طريق الحج بالبحر فإن الذهاب إلى الولاية العثمانية «مصر» كان أكثر خطرًا. زد على ذلك أن عددًا من أبناء قبرص اتصلوا بالعثمانيين لإنقاذهم من سيطرة البندقيين. وعندما أعطى شيخ الإسلام الكبير أبو السعود العمادي فتوى إيجابية من الناحية الدينية فقد أصبح فتح الجزيرة فريضة. كانت الفتوى في الحقيقة ذات معنى كبير، ويمكن تلخيصها فيما يلي.

هل هناك مانع لو أن الخليفة- استنادًا إلى الشريعة- فسخ المعاهدة المبرمة بينه وبين دولة كان من المفروض أن تلتزم بأحكام الإسلام إلا أنها تنتهك حقوق المسلمين الموجودين بها وتتصدى للدين الإسلامي وتخرب الجوامع والمدارس وتنشر الكفر والضلال ولا سيما إذا كانت هذه الدولة ولاية إسلامية في وقت ما؟ وجاءت الفتوى تقول: «يعلم الله أن ليس هناك مانع. ذلك أن صلحًا يعقده خليفة المسلمين مع طائفة الكفار لا يكون مشروعًا إلا إذا كانت هناك فائدة في هذا الصلح لكافة المسلمين. إذا لم يحدث هذا فإن الصلح غير مقبول».

استنادًا للحقائق الواردة أعلاه فقد استطاع الجيش العثماني المسلم ما بين سنة 1570 و١٥٧١ أن يفتح جزيرة قبرص ورفرف العلم التركي المسلم على كل قلاع قبرص ولم يأفل نجمه في سماء قبرص فترة تزيد على ثلاثة عصور.. لقد تحقق هذا الفتح بدماء الشهداء الذين سقطوا أثناءه وأثناء الغزوات الإسلامية الكثيرة من قبله. إن آخر تطور ما قامت به ترکیا و حققت به نصرًا كبيرًا في العشرين من تموز سنة ١٩٧٤م نتيجة للمظالم التي ارتكبت بحق المسلمين الأتراك. كانت الحركة هذه ذات معنى. ذلك أن منتسبي الأديان الأخرى كانوا عبر التاريخ ومنذ الحروب الصليبية وراء تأسيس حكم لهم على أراضي شرق الأبيض المتوسط. 

والسبب الرئيسي وراء كل ادعاءاتهم هو النزعة الدينية، وظهور الصهيونية واعتداءاتها، ومحاولات تأسيس حكم مسيحي في لبنان، وما شابه ذلك في قبرص، زد على ذلك أن المحاولات الأكثر عنفًا للقضاء على المسلم التركي في الجزيرة كلها كانت نابعة من نفس الفكرة ونفس المشاعر. وبكلمة أخرى فإن فكرة خلق منطقة غير مسلمة في شرق الأبيض المتوسط قد تبلورت وبدأت التحركات من أجل تنفيذ هذه الفكرة. 

وقد حطمت تركيا حلقة قوية من هذه الحلقات بحركة سنة ١٩٧٤م وأنقذت العالم الإسلامي وبشكل واسع من مؤامرة. يجب تقييم المعنى الذي تحمله قبرص بالنسبة للعالم الإسلامي وخاصة من الوجهة التاريخية. ولهذا السبب أيضًا يجب أن يتبناها العالم الإسلامي ويجب أن يساند قضاياها، وعند النظر إليها من هذه الناحية هناك مسؤولية تقع على عاتق الجميع. يجب عدم نسيان وإهمال هذه القضية: إن الاحتجاجات السلبية ضد احتلال وحتى ضياع أفغانستان، وفلسطين وكشمير لم تعطِ أي نتيجة وأنها لم تحقق أي فائدة. إنه من الصعب التفاؤل بالطرق السلمية بمفهومها القديم. 

إن الحق لا يمكن أن يؤخذ إلا بالحرب والشهادة في سبيله. إن ازدهار الحضارة لا يغير طبيعة الإنسان.. إن الوجود التركي في قبرص لهو دليل قوي على أن العمل الفعلي وتقديم الآلاف من الشهداء هو السبيل الوحيد للوصول إلى نتيجة تتحقق معها رعاية الحقوق المشروعة وقوة الإسلام بعد فشل وسائل المناقشات والمعاهدات والاحتجاجات. وعطفًا على ذلك فإن هذا الوجود يجب أن يكون مثلًا يحتذى ويطبق عند الضرورة القصوى. لقد حافظت قبرص عبر التاريخ على موقعها الذي كان مصدر نزاع بين مناطق نفوذ ثلاث:

أ- الأناضول.

ب- سورية- فلسطين.

جـ-  مصر.

قبرص ومناطق النفوذ:

لقد كانت قبرص خاضعة لمناطق النفوذ الثلاث هذه بغض النظر عن الفترة القصيرة التي عاشتها تحت حكم البندقيين. وتشكل قبرص من الناحية الحربية مركزًا هامًّا بالنسبة لهذه المناطق الثلاث. وبالنظر لكون المناطق الثلاث هذه تحت حكم الشعوب الإسلامية الآن فإن أهمية قبرص بالنسبة للعالم الإسلامي لا تقبل أي مناقشة. بالإضافة إلى ذلك فإنه ليس سرًّا أن قبرص استعملت كقاعدة أثناء الغارات الجوية على السويس من قبل الإنجليز والفرنسيين سنة ١٩٥٦م. ونتيجة لذلك فإن لقبرص موقعًا مهمًّا جدًّا ليس فقط بالنسبة لتركيا بل إنها كانت بالنسبة لكل الدول المسلمة التي لها سواحل على الأبيض المتوسط ودول الشرق الأوسط المسلمة وهي الآن تمر بفترة حرجة.

الآثار الإسلامية في قبرص:

إن من المفيد ونحن بصدد أهمية قبرص بالنسبة للعالم الإسلامي أن نلقي نظرة عابرة على الآثار التركية الإسلامية كي نضع النقاط على الحروف. تظهر تلك الآثار في المدن والجوامع والمساجد والمدارس والمراكز الدينية والمستشفيات والطرق والقلاع والحصون وهي بذلك تعد رمزًا لأهمية قبرص.

كان ذلك من أجل إعلاء كلمة الإسلام ورفع شأن الأمة الإسلامية وإن هذا ليدفعنا إلى البحث عن وسائل لإنقاذ المسلمين الذين يتعرضون للمحن أينما وجدوا ويمكننا أن نتحدث بشكل عابر عن هذه المعالم وابتداء بنيقوسيا: 

بالإضافة إلى الجوامع التي تعتبر برهانًا للوجود الإسلامي وأثرًا واضحًا للفترة العثمانية التركية كجامع عرب أحمد باشا، وجامع آل يني وجامع سراي يونو في نيقوسيا فإن الجوامع في يومنا هذا مثل جامع السليمية وجامع حيدر باشا وجامع العمرية التي كانت يومًا كنائس ثم أضيف إليها منارة ومحراب ومنبر ثم فتحت للعبادة، كل هذه آثار تستحق الذكر. إن المراكز الدينية التي يمكن القول إنها مبانٍ فيها مؤسسات مستقلة سدت الحاجة للأمور الشرعية وذلك لأنها معظم الأحيان كانت تكمل عمل المساجد في قبرص، ويمكن ذكر مركز المولوي الذي تحول الآن إلى متحف في نيقوسيا وكذلك في مركز الأربعين الموجود في القرى.. إن لمكتبة السلطان محمود الثاني ولمدرسته الكبيرة أيضًا قيمة كمؤسسات دينية وعلمية.

بالإضافة إلى ذلك يمكن إدراك عظمة «الخان الكبير» الذي يسمى «خان آلان يالي لار» بالرغم من كونه الآن أنقاضًا، كذلك الخان المعروف باسم «الكومان جي لار» أو «الكومارجي لار» ومع بعض مميزات العمارة الإسلامية التي هي في الحقيقة معالم تربط نيقوسيا بالطراز المعماري الإسلامي وبتقاليد الحياة الاجتماعية الإسلامية. يجب كذلك ذكر الحمامات والسبل والمقابر والأضرحة الموجودة في عاصمة الدولة الاتحادية التركية القبرصية.

إن المعالم الإسلامية التركية تملأ مدينة «غازي ماكوسا» أيضًا، في الواقع إن جوامع سنان باشا ومصطفى باشا وطباق خانه و جامع لالا مصطفى باشا كانت في الأصل كنائس ثم حولت إلى جوامع، إن العبادة والواجبات الدينية كانت تؤدى في هذه الجوامع عبر العصور وقد أضيفت إليها المعالم الإسلامي كالمنارة والمحراب والمنبر. إن مسجد «آك كوله» مكان للعبادة جدير بالذكر يعود لأوائل القرن السابع عشر. إن مركز قطب عثمان الديني الذي يعود للقرن الثامن عشر وضريحه وضريح جان بولا تبك من أوائل شهداء فتح غازي ماكوسا وضريح مفتي الشام محمد عمر أفندي وضريح زهدي ومرقد يرمي سه كيز جلبي محمد أفندي من آثار ماكوسا المعنوية، ويمكن الإشارة كذلك إلى حمام وسبيل جعفر باشا ضمن الآثار التركية الإسلامية في ماكوس أيضًا.

ويمكن الإشارة كذلك إلى مرقد رئيس البحرية صادق باشا الجزائري الموجود في داخل القلعة مع الضريح الذي يحمل اسم عمر والذي يقال إنه يحتوي على سبعة أولياء في داخله. إن جامع بيري عثمان باشا وجامع أورطه وجامع المحكمة السفلى مع مرقد الوزير عثمان باشا وبعض المراقد والأضرحة العثمانية الموجودة في «لفكه» والتي هي الآن بيد الأتراك لهي خير دليل على الآثار والثقافة الإسلامية. سوف لن نتحدث عن مركز «سلطان» الديني الموجود في «لارناكا» وعن جامع «كبرولو» الموجود في «ليماصول» كأماكن للعبادة وكذلك عن بعض المؤسسات الاجتماعية والثقافية وذلك لأنها موجودة الآن تحت حكم الآخرين. إلا إن ما ذكرناه قبلًا يكفي لأن يكون دليلًا حيًّا للمعالم الإسلامية الغنية والقيمة في قبرص. في الوقت نفسه هذه المعالم تشكل مركزًا ثقافيًّا لامعًا في قبرص بالتعاون مع العالم الإسلامي في الشرق الأوسط القريب بحيث يليق بقبرص.

المركز المرتقب لقبرص في النشاط الإسلامي:

إن اجتماع الدورة العالمية الثامنة لمؤتمر العالم الإسلامي في قبرص لهو دليل حي على إمكانية تحقيق ذلك، إنه في الإمكان تأسيس جامعة إسلامية في قبرص، وإذا كان في استطاعة شباب الدول الإسلامية التجمع هنا فإن نورًا كبيرًا سيشرق من أجل الوجود الإسلامي. وفي استطاعة الأجيال المثقفة تلك التي تنتسب إلى أمم مختلفة وتنتمي إلى دين واحد في «کرنه» حاليًا والمؤسسة الدينية في نيقوسيا الدلائل الأولى لهذه الأمنية. إن في استطاعة قبرص القيام بوظيفة ضم صفوف العالم الإسلامي وذلك لموقعها الجغرافي، ولمناخها المعتدل ولقربها من معظم الدول الإسلامية، ولأماكنها السياحية، ولطيب أهلها وحسن ضيافتهم ولخصائل كثيرة أخرى. إن ما تريده قبرص هو أن يفتح العالم الإسلامي ذراعيه لها.

إن الوقوف بجانب قبرص في وجه أعداء العالم الإسلامي يبعث فيها القوة، والرغبة في مساندتها سيعمل على خلق الكثير من الإمكانيات.

أبتهل إلى الله بأن يهب المسلمين القدس الشريفة وضريح سلطان.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل