الثلاثاء 19-فبراير-1985
قبرص: الموقع والتاريخ
قبرص جزيرة تقع في البحر الأبيض المتوسط وهي أكبر جُزر هذا البحر وأكثرها إلتصاقًا بالساحل الشرقي والعربي، تبعد عن ساحل تركيا الجنوبي بمسافة 65 كم وعن الساحل السوري اللبناني بـ ٩٠ كم، وعن الساحل المصري بـ ٤٠٠ كم، ومن سواحل اليونان به ۱۰۰ كم، وتبلغ مساحتها ٩٢٥١ كيلومترًا مربعًا، وتقع على ساحلها الشمالي سلسلة جبلية وعلى جنوبها الغربي ووسطها مرتفعات، وتقع أودية وسهول بين هذين القسمين، وفيها العاصمة نيقوسيا.
مشكلة قبرص تعتبر إحدى المشاكل المُعقدة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط منذ أكثر من ثلث قرن. ولأهميتها الجغرافية تعرضت لغزوات عديدة أمتدت من عام ١٤٥٠ قبل الميلاد حتى عام ٣٥٩ ميلادية. ولما خضعت الجزيرة للحكم العثماني في العصر الحديث حاولت دول أخرى السيطرة عليها، كما فكر الصليبيون جعلها قاعدة إنطلاق لهم إلى السواحل الإسلامية.
والجزيرة القبرصية أهمية خاصة بالنسبة للعالم العربي الذي يتأثر بصورة مباشرة بتطورات الأحداث التي تقع فيها، فعلى أرض قبرص تجمعت قوافل اليهود المهاجرين الذين غزوا فلسطين منذ أيام الإنتداب البريطاني ومنها أنطلقت قوات العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦ وكثيرًا ما أستغلت إسرائيل قبرص لترويج تجارتها ومنتجاتها الصناعية التي تقاطعها الدول العربية.
قبرص تحت الحماية البريطانية
كانت بريطانيا حريصة على الحفاظ على طريق الهند ووجدت ضالتها في قبرص حيث رأت بريطانيا أن هذه الجزيرة تصلح لأن تكون قاعدة إنجليزية خطيرة في طريقها إلى الهند، لذا أستغلت بريطانيا في عام ١٢٩٤ هـ / ١٨٧٨م. فرصة ضعف الدولة العثمانية وفرض رئيس وزرائها الصهيوني حينئذ «درزائيلي» على الدولة العثمانية معاهدة دفاعية كاذبة أكره السلطان العثماني بموجبها على قبول الإحتلال البريطاني لقبرص مقابل ضمان بريطاني كاذب للدفاع عن الممتلكات العثمانية في آسيا ضد روسيا وأدعت بريطانيا أن إحتلالها لقبرص إحتلال مؤقت ينتهي بإعادة روسيا للعثمانيين المناطق التي أحتلتها من الدولة العثمانية. ومن أجل إحكام مؤامرتها أتفقت بريطانيا سرًا مع الروس على الإحتفاظ بالمناطق العثمانية التي أحتلوها. وقد أنتهت هذه الإتفاقية السرية بين بريطانيا وروسيا بعقد مؤتمر برلين عام ۱۸۷۸ ميلادية حيث عرضت بريطانيا على اليونان ضم جزيرة قبرص إليها مقابل دخول اليونان في الحرب ضد ألمانيا.
وعندما هزمت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى وهزم معها حلفاؤها ومنهم تركيا أضطرت هذه الأخيرة إلى التنازل عن جزيرة قبرص إثر معاهدة لوزان عام ۱۹۲۳ ووضعت الجزيرة بمقتضاها تحت الحماية البريطانية. وبعد الحرب العالمية الثانية جعلت بريطانيا جزيرة قبرص قاعدة للهجرة اليهودية إلى فلسطين.
إعلان الإستقلال والوحدة
في عام ١٩٥٤ عرضت القضية القبرصية على الأمم المتحدة ولم يمكن البَتْ فيها بما يرضي اليونان التي حاولت عرض القضية على المنظمة الدولية منذ عام ١٩٥٠، كما أنعقد في لندن عام ١٩٥٥ مؤتمر ثلاثي ضم كلًا من بريطانيا وتركيا واليونان لكنه باء بالفشل ولم يتمكن من التوصل إلى نتيجة ترضي الأطراف الثلاثة، وفي عام ١٩٥٩ تم الإتفاق على إعلان قبرص جمهورية مستقلة يختار رئيسها من الجالية اليونانية ونائبه من الجالية التركية وينتخب الاثنان لمدة خمس سنوات. أما مجلس الوزراء فينبغي أن يتكون من سبعة من اليونانيين وثلاثة من الأتراك. كما أن مجلس النواب يتألف من 70% من اليونانيين و ٣٠٪ من الأتراك وينتخب هذا المجلس أيضًا لمدة خمس سنوات.
أما الجيش فكان يضم ٦٠٪ من اليونانيين و من الأتراك وقوات الأمن ٧٠٪ من اليونانيين 30% من الأتراك. وفي نفس عام ١٩٥٩ تشكلت أول وزارة قبرصية أما الإستقلال الرسمي فقد أعلن عام ١٩٦٠ وأنتخب المطران مكاريوس أول رئيس
للجمهورية القبرصية الإتحادية.
إحصائية كاذبة كانت أساس التقسيم
كان هذا التقسيم في النسب المئوية للسلطات في قبرص مبنيًا على إحصاء عام ١٩٦٠ الذي قرر أن عدد السكان آنئذ كان ٥٨٠,٦٧٥ نَسَمة، 78% منهم من القبارصة اليونانيين و 19% فقط من القبارصة الأتراك، ويتضح من هذا الإحصاء عدم الدقة، ففي عام ۱۸۹۰ ميلادية بعد دخول الإنجليز إلى الجزيرة بإثني عشر عامًا كان توزيع السكان في قبرص يشير الى أن ٦٠ ألفًا من السكان مسلمون و ۲۰ ألفًا فقط كانوا من النصارى، فكيف أنقلبت الأمور إلى العكس وأصبح المسلمون الذين هم من الأتراك أقلية بعد أن كانوا أغلبية؟ فهل من المعقول أن يتضاعف عدد النصارى اليونانيين بنسبة ٢٥٠٠ بالمائة في حين لم يتضاعف المسلمون الأتراك إلا بنسبة ٣٥٠ بالمائة فقط؟ ونظرًا للغبن الذي نال القبارصة الأتراك المسلمين منذ إعلان إستقلال الجزيرة وعدم العدالة الذي حصل في تقسيم السُلطات كان لا بد من نشوب عواصف سياسية دائمة بين الطرفين.
بوادر الانفصال
ما بين عام ١٩٥٥ - ۱۹۸۳ مرت قبرص بعواصف سياسية وأحداث دامية لتكريس السيطرة النصرانية اليونانية على كامل الجزيرة. في عام ١٩٦٣ قام زعماء النصارى اليونانيين بدعم من اليونان بنسف الإتفاق الذي أُبرم بين شعبي الجزيرة أثناء قيام الجمهورية الإتحادية. وأنفرد الزعماء النصاري من القبارصة اليونانيين بحُكم الجزيرة وشنوا الهجوم على الأحياء الإسلامية وفتكوا بالمسلمين، وقامت الطائرات الحكومية بقصف المساجد حتى أضطرت منظمة الأمم المتحدة إلى التدخل لوقف المجازر ضد المسلمين وأرسلت قوات لحفظ السلام بالجزيرة، ولكن رغم وجود القوات الدولية كرر اليونانيون مجازرهم الوحشية عام ١٩٦٧ وراح ضحيتها للمرة الثانية مئات المسلمين الأتراك صرعى برصاص النصاري اليونان وتدفقت قوات اليونان على الجزيرة حتى تجاوز عددهم ٢٠ ألف جندي.
وظل المسلمون القبارصة الأتراك يناضلون ضد الظُلم اليوناني والمخططات التأمرية اليونانية حتى تدخلت القوات التركية في الجزيرة بعد الإنقلاب المسرحي الذي دبرته اليونان عام ١٩٧٤ لإبعاد المطران مكاريوس من أجل إحكام السيطرة اليونانية على كامل الجزيرة. وقد تمكنت القوات التركية من إحتلال 40% من مساحة الجزيرة منعًا من فرض الوحدة القبرصية اليونانية وتذويب المسلمين، وقد جاء التدخل التركي في الجزيرة تطبيقًا للمادة الرابعة من إتفاقية قيام دولة قبرص الإتحادية التي تعطي الحق لأي من الأطراف الثلاثة الموقعة عليها «اليونان وبريطانيا وتركيا» في التدخل إذا حدث ما يخل بنصوص الإتفاقية.
إعلان الجمهورية القبرصية - التركية
في ١٥ نوفمبر ۱۹۸۳ وبعد تسع سنوات من التدخل التركي إلى جانب المسلمين بالجزيرة أعلن زعيم القبارصة الأتراك المسلمين السيد رؤوف دنكطاش عن قيام الجمهورية التركية لشمال قبرص مما أثار ردود فعل عالمية عديدة تراوحت بين التأييد والصمت والإستنكار. وكان الإعلان عن هذا الإنفصال وقيام الجمهورية الجديدة نتيجة حتمية للسياسة اللامسئولة التي أتبعها القبارصة اليونان طيلة السنوات الماضية والتي كانت قائمة على سحق المسلمين وإعلان الإتحاد بين الجزيرة واليونان لإكمال حلقة المخططات التآمرية النصرانية اليونانية.
جهود دولية
ومنذ إعلان الجمهورية التركية لشمال قبرص تواصلت الجهود الدولية لإعادة الربط بين طرفي الجزيرة في إتحاد فيدرالي يتفق الجانبان عليه. وقد تمكن الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة دي كويلار من الجمع بين زعيمي الطائفتين القبرصيتين اليونانية والتركية في أول إجتماع بين الطرفين في محاولة للتوصل إلى إتفاقية لإعادة توحيد طرفي الجزيرة. وقد حضر هذا الإجتماع الذي عُقد في مقر الأمم المتحدة بنيويورك في أواخر يناير ١٩٨٥ كل من الرئيس كبريانو زعيم القبارصة اليونانيين والرئيس رؤوف دنكطاش زعيم الجمهورية التركية لشمال قبرص، ودارت المحادثات حول مشروع دستور فيدرالي جديد يحل محل الدستور الذي حل بسبب أعمال العنف الطائفية التي شهدتها الجزيرة عام ١٩٦٣.
ويدعو مشروع الدستور الجديد إلى نظام اتحادي جديد بين أقاليم منفصلة للقبارصة الأتراك واليونانيين في ظل حكومة مركزية، وقد وافق الزعيم التركي دنكطاش على المشروع بصيغته الحالية مع ترك التفاصيل لمجموعات عمل متخصصة ولكن الرئيس كبريانو زعيم القبارصة اليونانيين أصر على أن مشروع الإتفاقية بحاجة إلى مزيد من المفاوضات، وبسبب هذا التباين في الرأي بين الزعيمين أنفض إجتماعهما بعد أربعة أيام دون التوصل إلى أي إتفاق، وحتى على موعد لقاء جديد، مما يؤكد التنبؤات التي ترى أن مدة الإنفصال بين الطرفين قد تطول قبل التوصل إلى صيغة اتفاق ترضي كلا الجانبين.
ضرورة الاعتراف
ومن هنا يجب أن تعيد الدول الإسلامية النظر في مواقفها الصامتة تجاه الجمهورية القبرصية الجديدة التي ما قامت إلا لصيانة حقوق المسلمين من أن تهدر وتسلب نهائيًا في ملكية الجزيرة، ومع ذلك لم يعترف بها حتى الآن سوى تركيا، ومن الحكمة أن تعترف بقية الدول الإسلامية بالجمهورية الجديدة مع تشجيعها لها بالإستمرار في التفاوض إلى صيغة إتفاقية جديدة تحفظ للمسلمين في الجزيرة وجودهم وحقوقهم كاملة، ولا شك أن هذا الإعتراف من جانب الدول الإسلامية سوف يقوي موقف الجمهورية القبرصية التركية الجديدة في مفاوضاتها مع الجانب اليوناني بالجزيرة الذي يحسب ألف حساب لمواقف دول العالم الإسلامي في هذا المجال، وخاصة الدول العربية التي تربطه بها علاقات طيبة والتي بالإمكان إستغلالها أيضًا لإقناع الزعماء اليونانيين بالجزيرة بأن المصالح المشتركة تقتضي ضرورة التوصل إلى إتفاق مبني على العدالة وصيانة حقوق كلا طرفي الصراع في الجزيرة.