; أنور إبراهيم والملأ الماليزي | مجلة المجتمع

العنوان أنور إبراهيم والملأ الماليزي

الكاتب سيد دسوقي حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1998

مشاهدات 67

نشر في العدد 1323

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 27-أكتوبر-1998

عرفتُ أنور إبراهيم في منتصف السبعينيات، والتقيته مرتين: الأولى في الرياض وكان لا يزال يقود حركة أبيم، والثانية في القاهرة بعد أن أصبح وزيرًا للمالية في طريق عودته من واشنطن ليحضر اجتماعات البنك الإسلامي للتنمية وكانت معه زوجته الدكتورة عزيزة إسماعيل. وزرت ماليزيا عدة مرات، وفي كل مرة كان يصادف ذلك وجوده خارج البلاد، وفي أوائل السبعينيات التقيت زميلًا ماليزيًا في أمريكا حاول أن يغريني بالعمل هناك، ولكنني بعد أن عرفت الوضع العلمي والتقني لماليزيا ووجدته في هذه الفترة متواضعًا للغاية اعتذرت عن الذهاب. 

ولكن ماليزيا تحت قيادة مهاتير محمد حققت إنجازًا حضاريًا مرموقًا، واستطاع هذا الرجل أن يقدم نموذجًا جديدًا يتم من خلاله إدماج بعض العناصر النشطة في المجتمع في الملأ الحاكم، وكنت دائم التحدث عن هذه التجربة الرائدة في العالم الثالث، حيث استطاع سياسي وطني أن يستعين بكبار رجال العمل الإسلامي من خارج وطنه ليقنعوا الشباب الإسلامي المتحمس بالالتحام بالسُلطة بديلًا عن المواجهة والاقتتال، وأذكر أيضًا أن هذا الرجل قد مد يده لكل المخلصين في وطنه ودفع بهم إلى مكان الصدارة العلمية والتقنية.

حدثني تنكو عزمان شرف الدين -وهو عالم في الهندسة الكهربائية، وأصبح الآن يقود مركزًا عظيمًا للبحوث في مجالات تقنية متقدمة - أنه منذ عشر سنوات ذهب إلى مهاتير محمد بتصور كيف تستطيع ماليزيا أن تلحق بالنمور الأسيوية واقتنع مهاتير بالتصور، وسأل عزمان: متى تريد أن تبدأ؟ فسأل عزمان الرئيس وهل المال متوافر؟ قال مهاتير نعم.. متوافر من الآن، وتبدأ أنت من الآن. 

كنت شديد الانبهار بهذه الصورة المشرفة للسياسي الواعي والعالم المخلص، وأن التفاعل بينهما هو في صالح البلاد والعباد.

الوزير العلماني

وحتى يفهم القارئ العربي المشرقي طبيعة الرجال في ماليزيا أروي له هذه القصة، في أول زيارة لي لماليزيا وكانت في إطار مؤتمر للمنظمات الهندسية في العالم الإسلامي كنا نستمع إلى محاضرة لوزير الخارجية الماليزي سيد أحمد بدوي، وقيل لي يومها إن هذا الرجل علماني وأنه المنافس الأول لأنور إبراهيم، وكان يجلس بجواري أخي العزيز الوزير المصري «آنذاك» حسب الله الكفراوي، ولما تكلم الوزير بدوي ظننتني استمع إلى حسن البنا أو محمد الغزالي، فلقد كان الرجل خطيبًا عظيمًا رائعًا، فهمست في أذن الأخ الكفراوي قائلًا: هذا هو بطرس غالي ماليزيا.. فانظر رحمك الله كيف هو إسلامي حتى النخاع «كان الدكتور بطرس غالي وزيرًا لخارجية مصر في ذلك الوقت». فليس في هذه البلاد علمانية المشرق الفاقعة، وتستطيع أن تقول إنهم إسلاميون قبل أي شيء آخر، وفي هذا الإطار لابد من أن نفهم القضية، فهي ليست صراعًا بين إسلاميين وعلمانيين، وإنما هو صراع داخل الملأ، وأنور إبراهيم دخل الملأ من بوابة مهاتير، وعاش داخل الملأ بشروط هذا الملأ وبطريقته، وأنا أظن أن أنور كان إضافة جليلة إلى الملأ الحاكم زاده خيرًا، وأذكر أن أحد الإخوة الوزراء في حكومة إحدى الولايات الماليزية زارنا في القاهرة منذ عامين، وكان شديدًا على أنور، فسأله المستشار البشري: هل دخول أنور إلى الحزب الحاكم زاد الحزب خيرًا أم شرًا؟.. قال بل خيرًا، قلنا: هكذا تحسب الأمور.

تركيبة الملأ

قلت في بعض كتاباتي إن تكوينات الملأ شديدة التعقيد، ففي داخله تتمثل كل قوة بحجمها: فهناك أهل المال، وأهل الجاه، والقائمون على مؤسسات الدولة، وهناك القوى الأجنبية، وهذه القوى فيها الشرير وفيها الخيّر، وفهم الملأ أمر معقد والدخول إليه أمر أكثر تعقيدًا، والخروج منه في ومضة عين، وفي النظم الديمقراطية يتغير الملأ بطريقة هادئة، والصراع في هذه النظم صراع بين مكونات الملأ، ولا علاقة له بالشعب إلا في اكتساب الشرعية الشعبية التي كثيرًا ما تزيف، رغم صغر حجمها بالنسبة للشرعية الكلية التي قد تقتسمها قوى داخلية وقوى خارجية.

أما النظم الثورية فإنها تحدث تغييرًا فجائيًا في طبيعة الملأ، وتعيد تركيبه غالبًا بالمكونات القديمة نفسها، أو معظمها مع تغيير في توزيع القوى بينها ومع طرد للمكونات التي شاخت وحان قتلها. 

وقد تُستخدم قوة شعبية في هذا التغيير الثوري للملأ، حتى إذا اطمأن الملأ الجديد لقوته أضعف هذه القوى وأهلكها إن حاولت مناواته أو الانتقاص من نفوذه.. وما مثال العلاقة بين حركة الإخوان المسلمين وثورة ٢٣ يوليو عنّا ببعيد.

وكما قلت لقد دخل أنور من بوابة مهاتير، وعاش في الملأ بشروط الملأ مع إضافاته الشخصية على هذا الملأ والتي هي في العادة ضئيلة، فهي جهد فرد، والرجل الذي يبدو أنه الثاني في الملأ مُعرّض دائمًا -وفي معظم الأحيان- لترك الملأ، وربما لو امتد العمر بالرئيس جمال عبد الناصر ما كانت هناك فرصة للسادات، فالرجل الأول دائمًا في مخافة من الرجل الثاني في عالم الملأ.

ليسوا أحرارًا

يظن شباب الحركات الإصلاحية أن الدولة حرة في قراراتها تفعل ما تشاء، وهذا وهم كبير، فشبكة العلاقات التي توفر الضغط الدائم على صانعي القرار شبكة معقدة، والحاكم الفذ هو الذي يتفلت من هذه الضغوط قدر استطاعته ويحاول استخدام بعضها ضد بعض. 

وأظن أن أنور إبراهيم كان شديد الوعي والفهم لهذه الشبكة الضغطية المعقدة، وأذكر أنني عندما التقيته في القاهرة سألني إن جمعني الله ببعض المسؤولين السودانيين أن أنذرهم عاقبة أمرهم، وقال إنه قادم إلى القاهرة من واشنطن، والمؤسسات المالية هناك عازمة على سحق السودان، وكانت نصيحته أن يخفف النظام السوداني من سياساته التي تجلب عليه كل هذا الدمار.

وفي هذه الزيارة سألته عن القوة العسكرية في ماليزيا وبنائها، فوجدته يركز على التنمية مستغلًا وجود حماية إنجليزية لهم في ظل أوضاع صينية تدفع بالغرب للوقوف مع المسلمين في ماليزيا. 

هو رجل ذكي، أدخلوه الملأ فدخل، وعاش فيه بشروطه، وخرج منه بشروطه، ونصيحتي له أن يترك السياسة حينًا من الدهر ويتفرغ لعمل حضاري آخر، ويقتل الفتنة في مهدها.

وأظن أن مهاتير ربما يرضيه هذا الحل، وأحسب أن مهاتير الذي علمت في آخر زيارة لي في سبتمبر ١٩٩٧م لماليزيا أنه يصلي الفجر يوميًا، وأن له شيخًا يعلمه قراءة القرآن، أحسب أن مثل هذا الرجل جدير أن يدع أنور وشأنه. وأمر ماليزيا في رقبته إلى يوم القيامة، فلينظر ماذا يريد بنفسه وببلده؟!

أحسن الله خواتيمنا، وهدانا إلى سواء السبيل.

 

الرابط المختصر :