العنوان أنصف
الكاتب سلمان فهد العودة
تاريخ النشر السبت 27-نوفمبر-2010
مشاهدات 74
نشر في العدد 1928
نشر في الصفحة 38
السبت 27-نوفمبر-2010
﴿مما وصف الله تعالى به عباد الرحمن أنهم يقولون وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴿٧٤﴾﴾(سوره الفرقان :74)
وهذه صفة للمنتخبين المنتجبين من عباد الله الصالحين الذين وصفهم أول ما وصفهم بأنهم يمشون على الأرض هونًا، فلا طيش ولا إزعاج ولا استكبار، نفوس مطمئنة، وعادات حسنة في المشي وفي قيادة المركبة أو الدابة، وفي سائر التعاملات والمسالك.
في صحيح البخاري كتاب الإيمان – باب إفشاء السلام من الإسلام، عن عمار بن ياسر قال: »ثلاث مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَان الإنصاف من نَفْسِكَ، وَبَدِّلُ السَّلَام لِّلْعَالَمِ والإنفاق من الإقتار«.
أعترف بأنني كثير التكرار لهذا الأثر الجميل، لقد شدني التعبير المباشر عن مبدأ الإنصاف الذي جاءت به الشريعة، وخاصة الإنصاف من النفس.
إن القدرة على الحياد بين المتخاصمين لهي شيء أشبه بالمستحيل، إلا لمن اختارهم الله ورزقهم كمال العلم والتقوى والعقل أما الإنصاف من النفس فأمر وراء ذلك.
أني يقع لإنسان أن يتجرد من ذاتيته وأنانيته و خصوصية نفسه ليجعل موقفه من نفسه ومن الآخر المختلف معه متساويًا، وعلى ذات المسافة حين تتأمل تجدها دعوة إلى الترقي والمجاهدة الأخلاقية للفرد يعز نظيرها .
وأفهم من الأثر معنى آخر، وهو الإنصاف مع من ينتمي إليهم الإنسان من جماعة أو حزب أو قبيلة أو شعب أو مدرسة حركية أو فكرية، أو مجموعة اقتصادية أو ... أو ...
سلامة المقصد
حين تخطئ أنت تنظر إلى خطئك على أنه استثناء، وأن لديك صوابًا كثيرًا، وتنظر إلى قدر من حسن نيتك وسلامة مقصدك في الخطأ، وتحيطه بما يهونه أو يخففه وتتبعه بالاستغفار والأعمال الصالحة الظاهرة والخفية بما ترجو معه زوال أثر الذنب أو المعصية أو أن تكون عاقبته خيرًا.
أما حين يخطئ الآخرون، فأنت تعرف الخطأ فقط، لكن لا تكلف نفسك تصور ما وراءه من دوافع أو مقاصد أو نيات، وما يصاحبه من أعمال صالحات، ولا ما يتبعه من توبة وإستغفار وندم وإنكسار وحين يخطئ فرد في جماعتك أو حزيك أو قبيلتك أو مجموعتك الفكرية والحركية تعرف جيدًا أن هذا خطأ فرد لا يتحمل مسؤوليته غيره، وأن الآخرين عاتبوه وصححوه، وأن حدوث خطأ من فرد ما معتاد وتسوق نصوصًا صحيحة صريحة من مثل قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ﴿٣٨﴾ وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَاسَعَىٰ ﴿٣٩﴾﴾(النجم:38:39)
وقول النبي ﷺ: «أَلَا لَا يَجْنِي جَانِ إِلَّا على نفسه « (رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وأحمد، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح). وتستميت في تقرير هذا المعنى، وتعد من يتجافي عنه أو يصم أذنه عن سماع حجتك متحاملًا أو متعصبًا أو مغرضًا، وهو كذلك.
تعميم الخطأ
على أنك حين تظفر بخطأ فرد واحد من جماعة أخرى متباعدة عنك ولا تشعر نحوها بالدفء والانتماء يسهل عليك تعميم الخطاء واعتباره معبرًا عن رأي الجميع، وأنه رأس جبل الجليد، أو نتيجة رضا وموافقة، أو على الأقل هو بسبب تربية وتلقين تلقاها هذا المخطئ في محاضن جماعته أو حزبه أو قبيلته أو مدرسته الفكرية أو شركته التجارية، فلا مناص لهم من تحمل التبعة كلها أو بعضها.
وستعد دفاع المدافعين وتنصل المتنصلين تهربًا من تحمل المسؤولية، وذرًا للرماد في العيون، فأين الانصاف إذًا ؟!
مقامات من التجرد
إنها مقامات من التجرد والمكاشفة مع الذات لا تحصل إلا بتوفيق من الله، وطول مجاهدة، واستعداد دائم المراقبة النفس ومراقبة الأتباع والموافقين وعدم الانجرار وراء حالة الاصطفاف والتخندق التي تعمي عن الحق، كما قيل:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تُبدي المساويا ولذا أوصى الله تعالى المؤمنين بقوله: ﴿۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ﴿١٣٥﴾﴾(النساء:135)
فأمر بالشهادة على النفس والقريب.
وفي موضع آخر قال سبحانه وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ﴿٨﴾﴾(المائده: 8)
فأوصى سبحانه ألا يحملنا العداء والبغض أيا كان سببه حتى لو كان دينياً - على أن نظلم أو تجور، وهذه وصية القرآن للمؤمنين.
وفي الأثر: »يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع، أو الجذل، في عينه «(رواه البخاري في الأدب المفرد وابن حبان والبيهقي في الشعب).
ومعناه أن الإنسان لنقصه وحب نفسه يتوفر على تدقيق النظر في عيب أخيه، فيدركه مع خفائه، ولو كان كأقل ما يقع في العين من القذى، فيعمى به عن عيب كبير ظاهر لا خفاء به في نفسه، ولو كان كجذع النخلة كم منا من سيقف أمام نفسه ويحاكمها ويحاسبها، بدلًا من أن يمضي في سبيله مؤمنًا بأنه هو الحق ومن عداه الباطل وهو الهدى ومن عداه الضلال...اللهم بصرنا بعيوبنا ومواطن الضعف في نفوسنا .
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل