العنوان الذين لعنهم الضلال.. هل من مرد من سبيل؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1976
مشاهدات 78
نشر في العدد 295
نشر في الصفحة 29
الثلاثاء 13-أبريل-1976
كأني بهؤلاء السكارى بالضلال يسيرون على وجوههم ينظر الناس إليهم في غرابة واشمئزاز ويشيرون إليهم قائلين في دهشة وذهول ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الملك:22).
إن الهائمين بالضلال مسخ فسد ذوقها وانعدم حسها، فاستبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير، إن عشاق الرذيلة أنعام يأكلون كما تأكل ويتمتعون كما تتمتع غلظت أكبادهم وتبلدت ضمائرهم، فولغوا في القمامات ورتعوا في الضلالات لا يفرقون بين طيب وخبيث ولا بين صالح وطالح ولا بين مباح ومحظور. القانون هو الشهوة والطريق هو الهوى والدافع هو الرغبة والغاية هو المتاع، ولكن كيف يكون السكر بالضلال والهيام بالضياع والعشق بالرذيلة. إن هذا شيء يشق على الإنسان أن يتصوره ولكنها الحقيقة الصارخة الماثلة للعيان فسدت الفطرة ورانت على القلوب أثامة حتى قيد قيادة سهلة إلى ما أدمنه واعتاده فينظر الملوثين وعيونهم غائمة في الوحل وأنوفهم مغطوسة بالرغام قائلين ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ (إبراهيم:21)، نحن نغالب الذلة ولكنها غلبتنا ونصارع الهوان ولكنه يصرعنا تركنا لشهواتنا العنان فشردت ولنفوسنا الخيار فجمحت ولأهوائنا الزمام ففجرت وأصبحنا كريشة في سماء الإثم تحركها رياح المعاصي وأعاصير الرذيلة ليس لنا وزن أو خيار. فسد فينا كل شيء. ننظر إلى الأشياء فيخيل إلينا أنها تهتز ونحن المرتعشون وإنها تتداعى ونحن المنهدمون وإنها تتغير ونحن المتلونون وإنها مظلمة ونحن الذين سلينا النظر فأصبح العلاج داء وبات الداء علاجًا فإذا بي أسمع قول ربي سبحانه ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْأَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ* خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (البقرة:6-7). وأنصت إلى حديث رسول الله- -صلى الله عليه وسلم-- الذي يرويه الإمام أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال «ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا وعن جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحه وعلى الأبواب ستور مرخاة وعند رأس الصراط داع يدعو كلما هم عبد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه» ثم فسره فأخبر أن الصراط هو الإسلام وأن الأبواب المفتحة محارم الله وأن الستور المرخاة حدود الله والداعي على رأس الصراط هو القرآن والداعي من فوقه هو واعظ الله في قلب كل مؤمن فقلت: نعم إن أبواب الشر كأبواب الجحيم وكفوهات البراكين أول ما تهلك تهلك فاتحها وتقضي على المقربين لها ولذلك كان الداعي على الصراط المستقيم الذي أودعه الله في نفسك يحذرك ويصيح بك قبل أن تغتال فؤادك بيدك وتحرضك عليه نفسك، ويندم الإنسان ولات ساعة مندم إذ يقول ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾ (الزمر:56) ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا* يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا* لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾ (الفرقان:27-28-29).
«فكأن الداعي ينادي صاحب الإثم: تمهل فالله يراك» ﴿أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ﴾ (العلق:14) «انتظر فالله مطلع عليك لا تتعجل فهناك من يكتب أعمالك ويحصيها عليك» ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ (ق:17) ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق:18) «وكفى بربك شهيدًا، اعلم أن هناك صحفًا مسطورة وكتبًا منشورة ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ﴾ (الإسراء:14-15). فإذا لم يسمع النداء وصمت الأذان وألغيت الأفهام وحجبت العقول كان كمن طويت صحائف فضائله ونشرت صحائف رذائله ومحيت رسوم إنسانيته وظهرت صورة بهيميته وترك طريق ربه وسار على درب شيطانه. والحقيقة أن الانحراف سهل، ولكنه فيه حتف الإنسان والصعود ليس هينًا، ولكنه سعادته وبقاؤه وعزه ورضاء رب العالمين والانتقال من الرذيلة إلى الفضيلة صعب، ولكنها حياة وبعث ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا﴾ (الأنعام:122).
﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ (الأنعام:36).
ومن أجل ذلك كان ثواب الآيبين التائبين كبيرًا يناسب تلك المشقة التي عانوها في جلادهم مع أنفسهم ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود:114). ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (الفرقان:70).
جائزة ومكافأة على ما بذلوا من جهد وقاموا به من كفاح للهوى المتغلب والشهوة المتحكمة ولذلك كان من الخطأ الكبير والجهل المميت أن يعين المسلم الشيطان على أخيه ولا يأخذ بيده ويمسح على جراحة ويحنوا عليه ويبصره ولا يقرعه وتعهده ولا يعاديه.
بلغت من لومي حدًا أخير به من حيث قدرت أن اللوم ينفعه
وقد نادى الله عباده المسرفين بذلك النداء العطوف المرغب الحاني ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (الزمر:53-54). إنما يريد الله أن يبين للإنسان أن الرجوع إلى الفضيلة ممكن بدون جراح أو خزي أو عار إذا لم يقنط الإنسان وييأس لأن القنوط دمار للنفس ودمار لقوى الخير ودفع بغير حدود إلى الهاوية فما الإنسان القانط إلا دمار في شكل إنسان وافتراس في لباس بشر لأنه يشعر أن الدنيا لفظته وأن المجتمع عاداه ونبذه والعيون ركلته، لا يجد له مكانًا وإن كان الفضاء رحبًا ولا ملاذًا وإن كان الأمان ينشر رداءه على العالمين فتتحول كل جارحة فيه وكل لمحه من مكر أو ذكاء إلى استعداد للانتقام، وتحفظ للفتك، ولكن خالق البشرية ورحيمها وشافيها يناديها إلى الدواء ويأخذ بيدها إلى الشفاء ويبصرها الطريق ويهديها السبيل فيتحول الشر إلى خير والدمار إلى بناء والحرب إلى سلام. عن سعيد بن جبير أخبرنا عن ابن عباس- رضي الله عنهما- أن ناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا القتل وزنوا فأكثروا فأتوا محمدًا- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل قول الحق سبحانه ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر:53) وحتى المنافقين الذين تربعوا في الدرك الأسفل من النار تسمع القرآن يحدث عنهم: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ (النساء: 145-146).
فإن التوبة ترفعهم إلى الصف المؤمن والفئة المجاهدة وقال ابن عباس- رضي الله عنهما- من أيس عباد الله من التوبة بعد هدى فقد جحد كتاب الله عز وجل وقال ابن مسعود أن أكثر آية في القرآن فرحًا ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ (الزمر: 53) إن المجتمع الإسلامي هو الوحيد الذي يملك الدواء ويفتح الأبواب للبشرية لتنعم بالاستقرار و الأمن بغير عقد ولا حقد ولا ضغائن ولا تعالٍ أو جبروت أو تتبع للعورات حتى يفسد المجتمع وتحول رذائل بينه وبين الناس، يروي أبو داود عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال «إنك إن تبعت عورات المسلمين أفسدتهم أو كدت تفسدهم» وعن ابن عمر- رضي الله عنهما- قال صعد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإسلام إلى قلبه؛ لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله، والبشر قد يضعف في فترات معينة أمام الفتن وأمام الشهوات والشدائد هذا فذا فاء بعد ذلك إلى نفسه وصحا من غفوته رجع وربما أخذ منها العبرة والعظة وكانت له بمثابة المصل الواقي من العدوى بعد ذلك فليستغفر ربه ويبدأ صفحته ولكن إذا صادفه من أذاع سره ونشر ستره وهتك حجابه تشعب عليه أمره واتسع عليه خرقه و أحاطت به لیل خطيئته، والتفت حول عنقه حبال آثمة وحبس في شباك فضيحته فتموت فيه نفس الطيبة وتظهر أفعى جرمه، عن جابر بن عبد الله عن مسلمه بن مخلد قال سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: من ستر على مؤمن عورة فكأنها أحيا فؤاده والإنسان من طبعه القنوط واليأس إن لم يكن له عاصم من دينه ﴿لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ (فصلت: 49) ولهذا كان الضاغطون على البشرية المتربصون بها حملًا ثقيلًا وسببًا رئيسيًّا لانحرافها وشرودها وعن أبي أمامه- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم «نعم نما فيهم مراقبة الإنسان وخفتت فيهم رقابة الله وكثرت المظالم وشغل الناس وبذرت الأحقاد وهتكت الأسرار وشغل الناس بعضهم ببعض وحل الخوف محل الأمن وكان راتيهم أخًا وأبًا ورحمة، فصار عدًوا وهلكه ونقمه. وما أعظم القرآن حين يصف رسول الله ويبين حقيقته ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ﴾ (التوبة:128)
ويبصره ويعلم أمته فيقول ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران:159)
وهكذا رحمة السماء لا قسوة الإنسان وشفاء القرآن لا أمراض البهيمية وتعاليم الرسول لا شطحات القاصرين، نسأل الله سبحانه السداد والرشاد والتوفيق.
توفيق الواعي
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل