العنوان أنا.. وهي.. ورمضان (4).. حالات زوجية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2012
مشاهدات 77
نشر في العدد 2014
نشر في الصفحة 20
السبت 04-أغسطس-2012
د. أحمد عيسى.. و.. إيمان مغازي الشرقاوي
هذه المقالات المشتركة تعبر عن حالات زوجية رمضانية، تركنا القلم بين أيدينا ليفصح كل منا عن مشاعره، ولتشهد الصفحة الواحدة ذات الشقين المتعانقين مدى الاندماج الزوجي، الذي يرفع شهر رمضان قدره ويزيد أثره.
أكاد أشعر بأنّات الجوعى حولي وأنا مستعد لتناول الطعام، تقول منظمة الأغذية: إنه يوجد ۸۰۰ مليون جائع في العالم، أما الذين أوشكت صرخاتهم أن تتلاشى من حولي فهم الأطفال الذين يشدهم سوء التغذية الحاد إلى حافة الموت! مليون طفل في الساحل الغربي
أنا: لو علم كل صائم عند فطره أن له إخوة في الإنسانية والدين يحتاجون لشربة ماء أو لقمة خبز لما أكل إلا ما يكفيه وأنفق الزائد.
هي: ألا يجدر بنا أن نحافظ على نعمة الطعام ونقتصد فيها طبخًا وأكلًا وضيافة ونتذكر الفقراء والجوعى فلا نبخل عليهم بثمنه؟
الطعام
أنا..
ووسط أفريقيا, ومليون مثلهم في اليمن وحده «منظمة اليونيسيف, مايو 2012م».
كف يا زوجتي يهنأ لي الطعام, أو أستسيغ شرابًا, خاصة في رمضان حين يشعر الصائم بلدغة الجوع, وغصة العطش, فيدعوه ذلك إلى التكافل مع الجوعى والظمأى؟ تذكر بعض الإحصاءات أن الإنفاق على الطعام في رمضان يتضاعف ثلاث مرات! أما الفائض عن الأكل فحدّث ولا حرج.
ليست هذه هي الحكمة من الصيام, بل العكس تمامًا!
وعلى المستوى الأسري وأنا وأنت.. لماذا أشتري ما يزيد على حاجتنا؟ ولماذا تطبخين ما لن نأكله؟ ألم ينبهنا القرآن في كل وقت.. ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31)؟
قال بعض العلماء: «جمع الله بهذه الآيه الطب كله». يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالذين يقتصدون في المأكل فعليهم بها أثر من المسرفين فيها, فإن أولئك إذ أدمنوها وألفوها لا يبقى لها عندهم كبير لذة... وتكثر أمراضهم بسببها».
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ ابن وعاء شرًا من بطنه, بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه, فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه, وثلث لنفسه» (أحمد وصححه الألباني).
وقال لقمان لابنه: «يا بني إذا امتلأت المعدة، نامت الفكرة، وخرست الحكمة, وقعدت الأعضاء عن العبادة».
لو علم كل صائم عند فطره وقد امتلأت المائدة بألوان الطعام أن له إخوة في الإنسانية والدين يحتاجون لشربة ماء، أو لقمة خبز تمنع عنهم الموت، لما أكل إلا ما يكفيه، وأنفق الزائد في طرق البر والإحسان التي تناسب رمضان من إطعام الفقراء واليتامى والجوعي.
تخيلي نفسك يا زوجتي أنا وأنت وأولادنا مكان هؤلاء في تشاد, أو اليمن, أو النيجر، أو أفريقيا الوسطى، أو مالي أو الصومال.. تخيلي أننا إحدى الأسر المنسية الجائعة التي توشك أن تهلك، ولا تستطيع صرخاتنا أن تصل إليكم يا من على الموائد الزاخرة!
هي..
إن رمضان يا زوجي فرصة عظيمة لي ولك للمواساة والشعور بالآخرين, فمن ذاق طعم الجوع ولو لحظة, شعر بالجائعين ومعاناتهم في سبيل أن يجدوا لقمة خبز تسد جوعهم، وتنقذهم من ألم رهيب وموت محقق، يفتشون عنها في القمامة والنفايات إن كانوا يملكون قمامة! أو يبحثون عنها في بيوت النمل تحت أنقاض الثرى! وقد رأيت ذلك في بعض وسائل الإعلام ولم تصدقه عيناي, والأمهات يحفرن الأرض ويغربلن التراب ليخرجن في نهاية ذلك العمل الشاق ببعض حبوب من الأرز أو الخبز الذي قام النمل بتخزينه لفصل الشتاء! ماذا لو كنتُ أنا أو أنت أو أحد أولادنا مع هؤلاء؟ إنني كلما يفيض عندي بعض طعامنا أتذكر هؤلاء الجوعى وتلومني نفسي وأستغفر الله... ألا يجدر بنا بعد ذلك أن نحافظ على نعمة الطعام، ونقتصد فيها طبخًا وأكلًا وضيافة, وأن نتذكر الفقراء والمساكين والجوعى منه, فلا نبخل عليهم بثمنه وبذله، وإن قليلًا مما نوفره معًا ونحن صائمان قد ينقذ طفلًا من الموت, لك أن تتخيل أنه طفلي وطفلك! والله تعالى يقول: ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: ۳۲).
إن ثقافة الأكل في رمضان التي ألفناها لا بد أن تتغير وتتبدل يا زوجي، فهي مغلوطة وخاطئة، فمن ذا الذي يقول: إن الصيام عذر لأن نلتهم الكثير من الطعام عند الإفطار؟ ومن الذي أوجب عليّ أن أطبخ كل يوم ما لذ وطاب من صنوفه بكميات تفيض عن حاجتنا, أضطر معها أن ألقى الفائض منها في صناديق القمامة أو إلى الطيور في وقت يموت فيه الأطفال والكبار جوعًا، ويعيش فيه ملايين الجوعى في الأرض وهم يتضورون؟ وما الذي يجعلني أتكلف في تجهيز الطعام عند دعوة الصائمين للإفطار، فأطهو من كل شكل ولون, وأقدم لهم من كل جنس ونوع؟! قد أفعل ذلك خوفًا من النقد، وهروبًا من اللوم، أو تفاخرًا ومباهاة، أو جودًا وكرمًا، وفي كل الأحوال أتعرض للإسراف المذموم، وقد قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه لجابر بن عبد الله رضي الله عنهما لما مر عليه ومعه حامل لحم: «أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لجاره وابن عمه؟ فأين تذهب عنكم هذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حياتكمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بها﴾ (الأحقاف: 20).
أكاد يا زوجي أجَنِّ وأنا أرى الأطفال وقد تحجّرت المقل في محاجرها يستصرخون فينا روح الأخوة الإنسانية، والأخوة الإيمانية, ولسان الحال ينادي.. أين أنتم يا بشر؟ أين أنتم يا صائمون؟ أما تشعرون مثلنا بالجوع؟ أم أن البطون قد امتلأت إلى حد التخمة في الإفطار والسحور فلا مكان فيها للدغة الجوع؟ فأشعر بالأسى، وأدعو الله أن يقدرني أن أقدم لهم شيئًا، وأسأله العفو والمغفرة. فجزاك الله خيرًا يا زوجي على تعاونك معي للقيام بذلك، وما رأيك أن نتصدق بثمن وجبة طعام يومية نوفرها بالصيام؟ وجزى الله خيرًا كل زوج أعان زوجته على الاقتصاد في مائدة رمضان، وحثها على ذلك، وتصدق معها بثمن ما اقتصداه على المحتاجين.. وجزى الله كل زوجة لم تتكلف أو تسرف, لتشارك زوجها الأجر في إطعام الطعام وملء البطون الخاوية.. وبارك الله لكل من واسّى بما يستطيع, فمسح رأس اليتيم، وأطعمه من طعامه، ودعا على مائدته ذوي الحاجة والعوز من الفقراء والمساكين, فسد حاجتهم ابتغاء مرضاة الله، كما كان دأب الصالحين، فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما لا يأكل حتى يؤتى بمسكين يأكل معه.
فما رأيك يا زوجي أن نستضيف على مائدتنا بعض هؤلاء؟ وما رأيك أن نقلل ونقتصد هذا العام في طعام الإفطار ونقدم قيمته إلى من يحتاجه حقًا، وهم في كل مكان؟ فلنبدأ بالأكثر حاجة والأشد جوعًا وفقرًا ...
ألا وإن شهر رمضان فرصة لي ولك للعودة لهذه المعاني العظيمة وفرصة لإظهار تلك المشاعر الإنسانية فهو شهر العطاء والكرم والجود والمواساة.