; أنا.. وهي.. ورمضان- الثورة الرمضانية | مجلة المجتمع

العنوان أنا.. وهي.. ورمضان- الثورة الرمضانية

الكاتب د. أحمد عيسى

تاريخ النشر الاثنين 01-يونيو-2015

مشاهدات 77

نشر في العدد 2084

نشر في الصفحة 64

الاثنين 01-يونيو-2015

أنا:
الثورة يمتد ظلال فعل التغيير منها ابتداءً من الفرد إلى الزوجين والأسرة والمجتمع والدولة والأمة والعالم
الصوم "فقر" إجباري تفرضه الشريعة ليتساوى الجميع في بواطنهم من مالك المليون إلى مالك القرش الواحد
شهر الصوم ثورة زوجية يسقط فيها كل ما علا من أشياء خسيسة ارتفعت على حساب الأخلاق الحميدة
الأزمة الأخلاقية بعد الثورة تكاد تعصف بنا وتهدد أوطاننا وأمتنا وتجعلنا فتنة للقوم الظالمين
هي:
ماذا يضير الصائم أن يبدأ ثورته بالصيام فيسير في موكب التغيير ويشارك في الثورة ويحمل الراية تحت إمرة رمضان؟!
رمضان هو ثورة التغيير الحقيقي الذي يؤدي إلى التقوى
الثورة هي تلك التي نرتقي بها بأنفسنا ونسقط فيها فساد قلوبنا فنثور على التفرق حتى يصير اعتصاماً
د. أحمد عيسى - إيمان مغازي الشرقاوي

أنا:
"الشعب يريد إسقاط النظام".. هل تحققت فأعطى للشعب ما أراد؛ عيش، حرية، عدالة اجتماعية؟
كلما أتذكر هذه الكلمات، في رمضان، أفرح ويملؤني الأمل والتفاؤل، وأجد في شهر رمضان شهراً للثورة الحقيقية، ثورة على الجوع والفساد والظلم.
تلك الثورة يمتد ظلال فعل التغيير منها ابتداء من الفرد إلى الزوجين والأسرة والمجتمع والدولة والأمة والعالم، فهي مبتغى كل الحركات والفلسفات والأيديولوجيات والمذاهب، ولكنها –للحق- فشلت جميعاً، إلا الإسلام في تغيير الإنسان عملاً لا وهماً على ساحات النضال الكلامي، والجدل العقيم، أو الفن العبثي.
انظري زوجتاه إلى "التغيير الثوري" الذي يحدث - أو نتمنى حدوثه - داخلنا، فنتحرر من أغلال المعاصي، وتسمو أرواحنا فلا تتجاوز حدودها، فلا تظلم نفسها أو الآخرين أثناء الصيام؛ "إذا أصبَحَ أحدُكُم يوماً صائماً، فلا يرفُثْ ولا يجهَلْ، فإنِ امرؤٌ شاتمَهُ أو قاتلَهُ، فليقُلْ: إنِّي صائمٌ، إنِّي صائمٌ" (رواه مسلم).
حتى الخبز والطعام – في الصيام الحقيقي - تكون ثورته في العدل فيه مع قليل الطعام وإسقاط الوجبة الثالثة ليأكل الفقراء، وتخرج لهم صدقة الفطر، لكن الثورة أكبر من ذلك؛ فهي تحقق العدالة والتكافل الاجتماعي الذي نادى به الإسلام؛ (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) (7- الحشر). 
أعجبني قول مصطفى صادق الرافعي: "لو تدبر الاشتراكيون حكمة الصوم في الإسلام، لرأوا هذا الشهر نظاماً عملياً من أقوى وأبدع الأنظمة الاشتراكية الصحيحة؛ فهذا الصوم فقر إجباري تفرضه الشريعة ليتساوى الجميع في بواطنهم سواء منهم مَنْ ملك المليون ومَنْ ملك القرش الواحد ومَنْ لم يملك شيئاً، كما يتساوى الناس جميعاً في ذهاب كبريائهم بالصلاة، وفي ذهاب تفاوتهم الاجتماعي بالحج..".
وشهر الصوم ثورة زوجية يسقط فيها كل ما علا فيها من أشياء خسيسة ارتفعت على حساب الأخلاق الحميدة في غياب رقابة شرطة القلب!
ثورة أسرية
تعيد الثورة الحب إلى مكانه في الصدارة وترفع أخلاق التقوى بعدما انحطت، وتسمح للتسامح بالعودة بعد ما كان ممنوعاً من الدخول!
وشهر الصوم ثورة أسرية تفك فيها قيود الأثرة، وتصادر فيها بنوك الطمع، ويمنع التداول فيها بألفاظ وأفعال العقوق.
مع الحركة الجماعية للمجتمع في شهر الصيام قرباً إلى الله كأنها ثورة حركية وهجرة جماعية إلى المجتمع الفاضل، "المسلِمُ من سلمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ، والمؤمنُ من أمنَهُ النَّاسُ علَى دمائِهِم وأموالِهِم، والمجاهدُ مَن جاهدَ نفسَهُ في طاعةِ اللَّهِ والمُهاجِرُ مَن هجَر الخطايا والذُّنوبَ"، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (الألباني- تخريج مشكاة الأحاديث).
وفي الطريق يتنازل الجميع عما يحرك شهوتي البطن والفرج وهما أساس الفساد، فيتطهرون بتلك الثورة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن يَضْمَنْ لي ما بين لَحْيَيْهِ، وما بين رِجْلَيْهِ، أَضْمَنْ له الجنةَ" (رواه البخاري).
ولقد أعاننا الله في الثورة الرمضانية الكبرى، بفعل هائل معين ألا وهو حبس إبليس وكبار معاونيه كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دخَل رمضانُ فُتِّحَتْ أبوابُ الجنةِ، وغُلِّقَتْ أبوابُ جهنَّمَ، وسُلسِلَتِ الشياطينُ" (رواه البخاري).
بذا لم يبقَ إلا أن نثور على أنفسنا.
الأزمة الأخلاقية والثورة
يحزنني يا زوجتي أن مجتمع الثورة فقست من أخاديده القديمة العفنة من ينشر الأمراض القلبية التي تفتك بالمجتمع، وتعرّت شريحة من المجتمع فهمت الحرية فهماً منحرفاً، تعرت من أخلاق الدين والعرف والحياء والمنطق فظهرت سوءاتها قبيحة.
إن الأزمة الأخلاقية بعد الثورة تكاد تعصف بنا وتهدد أوطاننا وأمتنا، وتجعلنا فتنة للقوم الظالمين، فهل آن لنا أن نجعل من شهر الصيام هذا العام ثورة جديدة، ثورة أخلاقية؟!
إن الغالبية العظمى من شعوبنا تحب الإسلام وتصوم رمضان وتملأ ساحات المساجد وما حولها بمليونيات القيام، هؤلاء هم أقرب الناس تأثراً بما في شهر الصيام من حبس النفس عن كل ما يغضب الله في الأخلاق والمعاملات كذلك، وهم أقرب الناس للحفاظ على الوطن؛ أهله وماله وخدماته ومنشآته ومصالحه، وهم أبعد الناس أن يفهموا أن الثورة فوضى وتخريب، وأن الحرية همجية وفسق، وأن الديمقراطية تسلط الأقلية وتمردها!
إننا نحتاج إلى ثورة على الثورة، ثورة من داخلنا على ثورة الشهوات والشبهات تعود بنا إلى براءة الطفولة الصافية وتحررنا من سجن الأنانية إلى فضاء حب الآخرين ورحمتهم وبرهم والإحسان إليهم والقسط مهما كان دينهم.
وأرجع إلى الرافعي يرحمه الله في قوله: "أما والله لو عمّ هذا الصوم الإسلامي أهل الأرض جميعاً لآل معناه أن يكون إجماعاً من الإنسانية كلها على إعلان الثورة شهراً كاملاً في السنة، لتطهير العالم من رذائله وفساده، ومحق الأثرة والبخل فيه.. فيهبط كل رجل وكل امرأة إلى أعماق نفسه ومكامنها ليختبر في مصنع فكره معنى الحاجة ومعنى الفقر، وليفهم في طبيعة جسمه – لا في الكتب - معاني الصبر والثبات والإرادة، وليبلغ من ذلك وذلك درجات الإنسانية والمواساة والإحسان، فيحقق بهذه وتلك معاني الإخاء والحرية والمساواة".
رمضان والتغيير
هي:
حينما يأتي رمضان يا زوجي يحصل تغيير كبير في حياة كثير من الناس لمدة شهر كامل متواصل، بداية بتغير أوقات الطعام، والنوم، والصلاة – صلاة التراويح - وتغير في بعض العادات والسلوك والأخلاق، فيقلع المدخن عن التدخين نهاراً وهو الذي كانت السيجارة لا تفارق فمه، ويعود تارك الصلاة إلى صلاته، وتلبس بعض النساء الحجاب، ويتوب العاصي رجاء القبول، ويكون الصيام نهاراً عن الطعام والشراب والجماع، ويكمل بصيام الجوارح تضامناً مع صيام البطن والفرج، فيصوم الجسد كله، كما تصوم الأمة الواحدة، وهذا هو الصيام الحقيقي الذي يثمر التقوى ويقبله الله تعالى.
أليس ذلك بثورة عظيمة يحدثها الصيام في الظاهر والباطن من أفعال وأقوال المسلم يقوم بها الصائم بإرادته صابراً محتسباً؟ أو ليس رمضان إذاً مدرسة التغيير بما يحدث من تلك الثورة العملاقة في الأجسام والأنفس والقلوب، وبما يحدث من تحول في عادات الناس وضبط لأخلاقهم وسلوكهم، لا يستطيع أحد مهما كان موقعه أو سلطته فعل ذلك، فيحلمون حين الجهل عليهم، كما علمهم معلمهم صلى الله عليه وسلم في مدرسة رمضان؛ "وإن جَهِل على أحدِكم جاهلٌ، وهو صائمٌ فلْيقُلْ: إني صائمٌ، إني صائمٌ" (صحيح الترغيب). ويعطون وإن منعوا؛ (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) (الحشر)، فيطعمون المساكين ويفطرون الصائمين، ويلينون لإخوانهم وأهليهم.
إن هذا التغيير الإيجابي هو ثورة حقيقية داخلية ونفسية للصائم، وثورة صحية وأخلاقية وأسرية واجتماعية، أتى بها شهر التغيير، يريدها الله تعالى أن تستمر ولا تخمد في رمضان أو بعد رمضان، وأن تمتد طول الوقت ولا تنحسر، حتى لا نكون (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا) (النحل:92)، فماذا يضير الصائم أن يبدأ ثورته بالصيام فيسير في موكب التغيير ويشارك في الثورة ويحمل الراية تحت إمرة رمضان؟!
سوء الفهم
وللأسف، فإن بعض الصائمين لا يرفعون الراية فيفوتهم قطار التغيير، ولا يحاولون اللحاق به رغم حاجتهم الشديدة أن يستقلوه ليصلوا إلى غايتهم، لكنهم للأسف فهموا التغيير بطريقة مغلوطة تتناسب مع أهوائهم وشهواتهم ومصالحهم الدنيوية، فجعلوا من رمضان مطعماً كبيراً لشهوة الطعام، وحديقة واسعة للنزهة، وسوقاً متنوعة لإضاعة المال، ومنتجعاً سياحياً لتبديد الأوقات، وجعلوا صيامهم فيه سبباً لأن يثور الزوج على زوجته لأتفه الأسباب وكذا الزوجة، ويثور الولد على والديه صياحاً وعقوقاً، ويثور الوالد على ولده غلظة وفظاظة، ويثور العامل على عمله كسلاً وتراخياً، ويثور الطالب على دراسته تقصيراً وإهمالاً، ويثور الناس بسبب وبغير سبب!
الثورة الحقيقية
إن رمضان هو ثورة التغيير الحقيقي الذي يؤدي إلى التقوى، والله تعالى يقول: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد)، وإنني أحزن كثيراً حين أرى الأخلاق الحميدة صارت غريبة، وأن مفهوم الثورة يتخطى كل المفاهيم ليصير مرادفاً للثورة على الأخلاق لا لها، أحزن وأنزعج إذا ما رأيتهم ثاروا على العمر فبعثروه، وعلى العمل فأهملوه، وعلى الأخلاق فضيعوها، وعلى الأسرة ففككوها، وعلى المرأة ففتنوها، وعلى أمن الوطن فاستبدلوه خوفاً وبلطجة وإرهاباً، وثاروا من أجل أنفسهم لا عليها!
وتالله ما هي بثورة، إنما الثورة هي تلك التي نرتقي بها بأنفسنا ونسقط فيها فساد قلوبنا، ونعود فيها إلى سالف عهدنا، فنثور على الجهل حتى يتحول إلى علم، وعلى التفرق حتى يصير اعتصاماً، وعلى التعصب حتى نصل إلى السماحة والوسطية، وعلى الغش والخداع ليحل محله الصدق والوفاء، وعلى الضعف ليتحول إلى قوة.
ثورة تسوي بين الناس في الإنسانية والحقوق والواجبات، وتشجع على العمل والإنتاج، ثورة ترتقي بالأخلاق الفاضلة وتذهب بالكلمات البذيئة التي أعلنت عن نفسها في وقاحة.
نريد في رمضان ثورة عامة تأتي بكل جميل وتطيح بكل قبيح، فرمضان سيد الثورات كما أنه سيد الشهور.
 

الرابط المختصر :