; أمتنا وشخصيتها الحضارية التاريخية | مجلة المجتمع

العنوان أمتنا وشخصيتها الحضارية التاريخية

الكاتب غازي التوبة

تاريخ النشر الثلاثاء 29-يونيو-1999

مشاهدات 68

نشر في العدد 1356

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 29-يونيو-1999

عرفت الموسوعات السياسية الأمة فقالت: أمة «Nation» مجموعة بشرية يكون تألفها وتجانسها القومي عبر مراحل تاريخية تحققت خلالها لغة مشتركة، وتاريخ وتراث ثقافي ومعنوي، وتكوين نفسي مشترك والعيش على أرض واحدة ومصالح اقتصادية مشتركة مما يؤدي إلى إحساس بشخصية قومية، وتطلعات ومصالح قومية موحدة ومستقلة.

ومع هذا فهذه الشروط ليست نهائية ولا قاطعة، فهناك أمم لا تتوافر فيها كل هذه الشروط، وهناك شعوب توافرت فيها ولم تبرز إلى حيز الوجود كأمم بل جماعات قومية داخل أمم متفرقة أخرى. «موسوعة السياسة، ج ١ ص ٣٠٥». 

إذا دققنا في التعريف السابق لنرى مدى مواساته للأمة الإسلامية، ومدى مناسبته لها لوجدناه منطبقًا عليها، متحققًا فيها، وقد جاء الوحدة الثقافية التي كانت تقوم على الدعامتين التجانس والاشتراك والوحدة في الثقافة والتراث واللغة والمصالح والتكوين النفسي، جاء ذلك كله من الرئيستين القرآن والسنة اللتين أعطينا المسلمين تصورًا واحدًا عن الكون والحياة والإنسان، ورسمتا لهم أهدافًا واحدة تزاوج بين التطلع إلى الآخرة وإعمار الدنيا، وحددنا لهم قيمًا واحدة تقوم على التطهر والتزكي، وأوجبتا عليهم واجبات واحدة تعود على الفرد والمجتمع بالخير في الدنيا قبل الآخرة، وملأتا قلوبهم بتعظيم الله ورجائه وحبه مما أورثهم غنى نفسيًّا وامتلاءً معنويًّا تجسد في أوقاف بلغت ثلث ثروة العالم الإسلامي، ووجهتا عقولهم إلى التفكر والتدبر والأخذ بالتجريب والابتعاد عن الأوهام والظنون مما جعلهم يبتكرون مخترعات تغني الحياة البشرية في مختلف العلوم والمجالات كالفيزياء والكيمياء والميكانيكا والرياضيات والفلك والطب والأدوية والصناعة والزراعة، إلخ.

إن الوعي بأهمية الوحدة الثقافية في استمرارية وحدة الأمة جعل علماء الأمة وقادتها يتوجهون إلى دعامتي الوحدة الثقافية القرآن والسنة، فيحرصون على جمعهما، ويبتكرون العلوم التي تساعد على ضبطهما، ويخترعون الأدوات التي تساعد على توحيد فهم حقائقهما، فكانت علوم المكي والمدني، والناسخ والمنسوخ، والنحو والصرف، والبلاغة والبديع ومصطلح الحديث، وترجمة الرجال، وعلوم الدراية والرواية، وعلم أصول الفقه، ومدارس التفسير ومعاجم اللغة، إلخ.

من هذه الزاوية يمكن أن نقرر أن اهتمام علماء الأمة بنصي القرآن والسنة لم يكن لقدسيتهما فقط ولكنه اهتمام مرتبط بوعي أهميتها في حفظ وحدة الأمة وتعزيزها، وتحقيق استمرارية وجودها. 

وبمقارنة وضع الأمة الإسلامية التاريخية بالتعريف الذي ورد في الموسوعة السياسية السابقة، نجد أن الأمة الإسلامية لم تحقق الوحدة فقط بل حققت آفاقًا حضارية أخرى رسمها الإسلام لها وهي:

الأول: أفق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي جاء في قوله سبحانه وتعالى:  ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾  (آل عمران: 110) وقد أورث ذلك الأفق الأمة حيوية في مواجهة أمراضها الداخلية، وقد تجسدت تلك الصفة بمؤسسة الحسبة التي كان المقصود منها ضبط السلوك العام للمسلمين، وجعل السلوك المستقيم سجية وطبعًا عندهم وليس أمرًا خارجيًّا، لأن الحدود كان المقصود أن تكون رادعة للمسلم، لذلك أناطتها الحكومة الإسلامية بالقاضي وهي تحتاج إلى إقامة البيئة والشهود وتدرأ عند الشبهات، أما الحسبة فهي تشجيع على الخير وتوجيه وتنبيه وتأديب وزجر وردع، ثم تأتي العقوبات والتعزير ويجب ألا تصل بحال من الأحوال إلى مستوى حد من الحدود، والمحتسب واجبات متعددة منها منع التعديات على الشوارع والحفاظ على قواعد الاحتشام، ومراقبة الأسواق والاطمئنان على النظافة العامة، إلخ.

الثاني: أفق الشهادة الذي تمثل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ﴾ (البقرة: 143) وقد تجسدت الشهادة بوعي واقع الآخرين والحرص على هدايتهم، لذلك أصبح المسلم داعيًّا إلى الله في كل أحواله: حين يتاجر، وحين يسافر، وحين يتعبد، وحين يتعلم.. إلخ، وقد كانت النتيجة انتشار الإسلام عن طريق الدعوة أكثر من انتشاره عن طريق الفتوح. 

الثالث: أفق العالمية وقد تحقق هذا الأفق؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة وليس للعرب وحدهم، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) وقال سبحانه وتعالى أيضًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: 28) وأكد الرسول ﷺ ذلك في أحد أحاديثه فقال: «فضلت على الأنبياء بست أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» «رواه مسلم». 

وقد تحقق أفق العالمية لأن القرآن الكريم كتاب الله إلى الناس جميعًا فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾ (التكوير: 27) (ص: ۸۷)، ولأن الإسلام أقام الرابطة بين الناس على أساس الإيمان بالله ولم يقمها على جنس أو نسب أو قبيلة فقال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) لذلك مزجت الأمة الإسلامية مختلف الأجناس والأعراق والقبائل والشعوب في بوتقتها، وهذا المزج هو ما حلم به الفيلسوف أرسطو وتلميذه القائد العسكري إسكندر المقدوني، وسعيا إلى تحقيقه بمزج العرقين اليوناني، والفارسي من خلال زواج إسكندر المقدوني بابنة كسرى ملك الفرس وزواج كبار ضباطه بشريفات الأسر الفارسية، لكن هذه المحاولة انتهت بوفاة الإسكندر وقد أثمرت عالمية الأمة الإسلامية حضارة عالمية كان للعرب دور مستقل في بداية ظهور الإسلام ولفترة وجيزة، لكن الشعوب الأخرى شاركتهم بعد ذلك في كل عناصرها العلمية، والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، إلخ، لذلك نجد أن الصرح العلمي في الحضارة الإسلامية بناه علماء من العرب والفرس والهنود، إلخ، ونجد أن الأرض الإسلامية دافعت عنها قبائل وأسر سلجوقية وزنكية، وكردية وتركمانية، وشركسية، وعثمانية، إلخ، ونجد أن القيادة السياسية تسلمها العرب والبربر والترك والفرس وغيرهم. 

ومما ساعد في تحقيق هذه الحضارة العالمية اعتبار الإسلام الأمة الإسلامية مع أمم الأنبياء السابقين أمة واحدة فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 52) وقد جاء الوصف بالأمة الواحدة في سورتي المؤمنون، والأنبياء بعد حديث تفصيلي عن معظم الأنبياء.

ومما عزز هذه العالمية إفراد مساحة تشريعية خاصة في التعامل مع أهل الكتاب: أتباع موسى وعيسى -عليهما السلام-، حيث أباح الإسلام أكل ذبائحهم والزواج من نسائهم.

هذه الآفاق الحضارية التي حققتها الأمة الإسلامية في التاريخ جديرة بأن تكون محل بحث تفصيلي لكي نحسن فهم واقعنا، ونحسن التعامل معه حاضرًا ومستقبلًا.

الرابط المختصر :