العنوان التشييع إلى القبر.. والرؤية الأخرى للحياة الدنيا
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 27-فبراير-2010
مشاهدات 65
نشر في العدد 1891
نشر في الصفحة 66
السبت 27-فبراير-2010
تجربة التشييع إلى القبر ذات خصوصية مؤثرة لمن يعرف كيف يتجاوز المنظور إلى ما وراءه.. ولقوة الإيحاءات والمرئيات التي تقدمها يدعو رسول الله ﷺ لا أتباعه إلى المشاركة في تشييع الجنائز، وزيارة القبور!
في تجربة التشييع عند القبر تبدو المدينة.. والعمران.. والأشياء.. والحياة الدنيا نفسها حلمًا عابرًا.. شيئًا مسطحًا غير حقيقي.. لا عمق له ولا وجود.. شيئًا سريع التبدل والتغير والزوال.
إننا عندما نشاهد حلمًا مهوشًا، لا تستقر فيه الأشياء والخبرات على حال، ولا تتأكد عبره النسب والأبعاد.. ثم نستيقظ فنجد أنفسنا قبالة صلابة الأشياء والمرئيات وثباتها نكون قد انتقلنا من حالة مهوشة، ضبابية، كثبانية التكوين متحركة متميعة غير ثابتة.. إلى حالة صلبة ثابتة محددة الملامح والأبعاد، مستقرة النسب والمساحات
أفلا يمكن أن تكون الحياة الدنيا هي الحلم والموت هو اليقظة التي تنقلنا إلى الوضع الأكثر ثباتًا ودوامًا بما لا يقبل قياسًا؟
ولطالما تساءل المرء، وهو يقف على حافات القبور في المسافة الضيقة الفاصلة بين الحياة والموت بين الدنيا والآخرة: أتستحق الدنيا بوضعها هذا، بتهويشها، وتغيرها السريع، وزوالها المفاجئ.. هذا التكالب الذي يتجاوز كل حد، والذي يسعى فيه الإنسان إلى أن ينشب أظفاره فيها، رغم أن يديه ستسحبان بقوة من الكتلة شاء أم أبى، ورغم أنه سينفى منها بعد عشر سنوات أو عشرين، وربما بعد ساعة أو ساعتين، لكي يلقى وحيدًا، أعزل، في حفرة ضيقة، بعيدًا عن المدينة والناس، والحركة والحياة، بعد أن يكون قد عاش مدة من الزمن لا تتجاوز نصف عمر السلاحف وعشر عمر التماسيح؟
ولطالما تساءل كذلك: ماذا لو لم تكن هناك هذه النهاية لحياة كل إنسان؟ ماذا لو كتب له الخلود؟ أو على الأقل ماذا لو امتدت به الحياة إلى ألف سنة أو ألفين؟ ماذا سيحدث؟ وكيف سيكون فراقها مرًا كالعلقم، وكيف سيكون إنشاب الأظفار ليس في الكتل والأشياء فحسب، بل في لحوم وأرواح بعضنا بعضًا.. وكيف ستغدو الحياة البشرية على امتدادها في الزمن شيئًا قاسيًا صعبًا مستحيلًا لا يستحق أن يعاش، ولا أن يتمناه إنسان..
ثم كيف كان الطاغوت سيتصرف في تعامله مع السلطة والناس والحياة إذا كانت فترة الثلاثين سنة والأربعين تدفعه دفعًا إلى أبشع صيغ الأنانية والاستلاب والاستئثار وإلغاء الآخر.. والطغيان؟ فكيف لو كانت فرصته ممتدة على مساحة ألف سنة أو ألفين؟
إنها حكمة الله سبحانه، وموازينه العادلة الدقيقة تلك التي حددت فرصة الحياة الدنيا بسنوات قليلة (بين الستين والسبعين في أمة محمد ﷺ في أغلب الأحيان).. أليس سبحانه هو القائل في محكم كتابه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر:49).
وهو جل في علاه أدرى بخلقه، ولهذا حدد أعمارهم، وكتب عليهم الموت، وحصرهم في هذا المدى الزمني الضيق.. الضيق جدًا.. وإلا استحالت الحياة الدنيا غابة تعدو فيها الضواري البشرية ويمزق بعضها أجساد البعض الآخر بالمخالب والأنياب.. حياة لا تستحق أن تعاش على الإطلاق.