العنوان أعدها اثنان من كبار الأكاديميين ويتعرضان بسببها لحملة عنيفة: أجرأ دراسة أكاديمية أمريكية تحذر من أخطار اللوبي الصهيوني
الكاتب علي حسين بكير
تاريخ النشر السبت 08-أبريل-2006
مشاهدات 50
نشر في العدد 1696
نشر في الصفحة 16
السبت 08-أبريل-2006
«اللوبي الإسرائيلي وسياسة أمريكا الخارجية» عنوان لأجرأ دراسة أكاديمية في الولايات المتحدة عن هذا الموضوع على الإطلاق حتى الآن.
تتألف الدراسة من ۸۳ صفحة وقد أعدها كل من جون میرشیمير، أستاذ العلوم السياسية ومساعد مدير برنامج سياسة الأمن الدولي بجامعة شيكاغو الأمريكية، وستيفين والت أستاذ العلاقات الدولية بكلية جون كندي بجامعة هارفرد .
وقد تم نشر هذه الدراسة عبر جامعة هارفارد في منتصف شهر مارس ( آذار٢٠٠٦م).
وتمّت إعادة نشر نسخة معدّلة منها فيما بعد في مجلة لندن ريفيو أوف بوكس في العدد الصادر يوم 23/3/2006
وقد أحدثت تلك الدراسة ردود فعل هستيرية لدى اللوبي الصهيوني الذي مارس ضغوطاً مكثفة أدت إلى تراجع جامعة هارفارد وسـحـب شـعـارهـا من الدراســة مكتفية بعرض اسم الباحثين اللذين يتعرضان لحملة ضغوط من اللوبي الصهيوني.
الدراسة تنقسم نظرياً إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يتحدّث عن دعم الولايات المتحدة لإسرائيل وعن كونها عبئاً استراتيجياً عليها
القسم الثاني: يتحدّث عن قوة اللوبي الإسرائيلي ومناصريه داخل الولايات المتّحدة وعن استراتيجياته للتأثير على مراكز صنع القرار.
أما القسم الثالث: فيتناول انعكاسات قوة هذا اللوبي على سياسة أمريكا الخارجية والدور الذي لعبه في الحرب على العراق والضغوط الأمريكية على سوريا وإيران.
وقد قمنا بترجمة أهم وأقوى المقاطع التي وردت في القسمين الأول والثاني، وذلك لوضع القارئ في صورة حقيقة أنّه من النادر جداً قراءة دراسة عن هذا الموضوع بهذا الشكل في الولايات المتحدة الأمريكية، فيما اكتفينا بعرض موجز للجزء الثالث والخاتمة. ويهمُّنا أن نشير بداية إلى عدد من الملاحظات فيما يتعلّق بهذه الدراسة أولاً:
أنّ هذه الدراسة تحتوي على نقد بالغ يندر وجوده في أيّ من الدراسات والمنشورات أو حتى في الإعلام الأمريكي، وهو مقدم بطريقة تسلسلية منطقية لمحاكاة عقل ومنطق الأمريكيين. ولعلّ أبرز دليل على قوتها هو افتتاح الدراسة بفقرة باللون الأسود الدّاكن العريض تقول: إ«نّ المؤلفين لهذه الورقة البحثية مسؤولان بالكامل عن وجهات النظر الواردة فيها، ولا يجب تفسير هذه الدراسة على أنّها تعكس وجهة نظر أو الخط الرسمي لكلّ من جامعة هارفارد أو جامعة شيكاغو». وهذه الفقرة تشير بوضوح إلى إمكانية التبعات التي قد تلحق بمن يتصل بها جراء ما هو وارد فيها. وسنرى ذلك في عرض بعض الفقرات التي يتحدث فيها الكاتبان عن هذا الموضوع.
ثانيا: أنّ الدراسة قد تم توثيقها بشكل بالغ الدقة حيث تبلغ التوثيقات ثلث حجم الدراسة تقريباً، ولعل الهدف من هذا التوثيق عدا كونه عملاً أكاديمياً دقيقاً إسكات كل من سيحاول نقد هذه الدراسة أو تصويرها على أنّها انعكاس لأهواء وأمنيات الباحثين ولا تمت إلى الواقع بصلة .
فالدراسة مبنية على مصادر عدة موضوعية من بينها خبراء واختصاصيون وصحفيون إسرائيليون ومنظمات دولية معنية بحقوق الإنسان، وشهادات من اللوبي الصهيوني نفسه وأقوال لدبلوماسيين معروفين في هذا الشأن.
ثالثاً: أنّ الباحثين مدركون لخطورة إقدامهم على نشر دراسة كهذه، وقد أشاروا في إطار بحثهم إلى الوسائل التي يتبعها اللوبي الصهيوني في أمريكا لإسكات كل من حاول انتقاد السياسة الإسرائيلية، أو حديث عن قوة اللوبي الصهيوني وتأثيره ى السياسة الأمريكية ومراكز صنع القرار بها. ومن هذا المنطلق فقد جاءتْ الدراسة بفضح بعض النواحي المسكوت عنها داخل أمريكا فيما يتعلق بالحرية المهنية الأكاديمية التي يتم التغني بها هناك عدا ضح كل ما يمت إلى الكيان الصهيوني فوذه في أمريكا.
ونعود ونؤكد أن ما ستقرؤونه ليس بحثاً حد القوميين العرب، كما أنّه بالتأكيد ليس حاجة لأحد الإسلاميين يقدمها لفضح كيان الصهيوني، ودور اللوبي المسيحي صهيوني في أمريكا في دعم سياسات كيان الصهيوني في المنطقة العربية لانتهاكات الأمريكية في العالم الإسلامي.
يجب أن نقرّ بأنّ إنشاء دولة إسرائيل تسبب في معاناة طرف ثالث بريء هو الفلسطينيون.
هذه المعاناة ليست زعمًا أوافتراءً،فقد قال ابن جوريون نفسه:لو كنتُ زعيمًا عربيًا لما صالحتُ إسرائيل أبدًا، وهذا أمرٌ طبيعيّ. لقد أخذنا أرضهم.
مقدمة الدراسة
السياسة الخارجية الأمريكية تعمل على تشكيل الأحداث في كل جزء من هذا العالم ناصة في منطقة الشرق الأوسط ذات همية الاستراتيجية. لقد أدتْ سياسات بوش لإصلاح هذه المنطقة مؤخراً وتحويلها من مجتمعات ديمقراطية إلى ظهور تمرد ضخم في العراق، ارتفاع حاد في أسعارالنِّفط العالمية تفجيرات إرهابية في مدريد دن وعمان. تعود معظم السياسات مريكية في المنطقة إلى نفوذ ونشاطات اللوبي الإسرائيلي.
فعلى الرغم من أنّ المصلحة الوطنية الأمريكية يجب أن تكون المحرك الأساسي والدافع الرئيس للسياسة الخارجية الأمريكية، إلا أنّه وفي العقود الأخيرة خاصة منذ نهاية حرب الستة أيام في العام ١٩٦٧م .
فإنّ الأولوية في السياسة الخارجية تأتي لصالح إسرائيل. ولم يسبق أن عهدنا حالة كهذه في التاريخ السياسي للولايات المتحدة الأمريكية، قد يفترض البعض أنّ هذا الوضع يقوم على أسس استراتيجية بين الطرفين، لكنّه في حقيقة الأمر ليس كذلك كما سنرى لاحقاً..
منذ العام ۱۹۸۲ استخدمت أمريكا حق الفيتو ٣٢ مرة ضد قرارات تدين إسرائيل »في مجلس الأمن. كما قامت بصد جميع الجهود العربية لوضع ترسانة «إسرائيل » النووية تحت رقابة المنظمة الدولية للطاقة الذرية».
فعلى الأمريكيين وغير الأمريكيين أن يعلموا مدى قوة وتأثير اللوبي على السياسة الأمريكية. بعض القرّاء، قد يجد صعوبة في فهم هذه الدراسة أو تشويشاً لديه، لكن الحقائق الموجودة فيها، والّتي ليست محل خلاف بين الباحثين ستسهل من هذه العملية. قد يرفض القراء ما توصلت اليه هذه الدراسة من نتائج، ولكنّهم لن يستطيعوا إثارة الجدل أو الخلاف حول البراهين والوقائع المقدمة فيها.
المتبرّع الكبير
لقد قامتْ واشنطن منذ حرب أكتوبر ۱۹۷۳ بتزويد «إسرائيل» بحجم من الدعم يفوق حجم أي دعم مقدم لأي دولة أخرى. ف إسرائيل تعتبر منذ ذلك الوقت أكبر متلق للمساعدات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية المباشرة منذ العام ۱۹٦٧ وأكبر متلقٍ كلي منذ الحرب العالمية الثانية، فقد بلغ حجم المعونات الأمريكية المباشرة ل إسرائيل، حتى العام ٢٠٠٣ ما يفوق ١٤٠ مليار دولار أمريكي.
وتتلقى «إسرائيل» أيضاً حوالي ٣ مليارات دولار كمساعدات أمريكية خارجية غير مباشرة تشكل حوالي خمس حجم المساعدات الأمريكية الخارجية بمعنى آخر فإنّ أمريكا تعطي كل إسرائيلي إعانة مالية تبلغ ٥٠٠ دولار سنوياً.
وهذا واقع يصدّم خاصة إذا عرفنا أنّ إسرائيل دولة صناعية غنية يساوي دخلها تقريباً دخل كوريا الشمالية أو إسبانيا .
علاوةً على ذلك تحصل «إسرائيل» على المساعدات المالية الأمريكية بصورة كاملة وليس على دفعات، كما أنّها تحظى بأفضلية على جميع الدول التي تحصل على مساعدات عسكرية أمريكية، إذ يحقّ إسرائيل، صرف حوالي ٢٥ من المساعدات العسكرية في قطاعها العسكري داخل لإسرائيل التحسين وتطوير صناعاتها العسكرية، بينما لا يحق للدول الأخرى صرف أي نسبة من هذه المساعدات خارج أمريكا.
إضافة إلى ذلك، فإنّ إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي لا تُسأل عن أماكن إنفاق المساعدات الأمريكية التي تتلقاها وكيفية إنفاقها ومنها بناء المستوطنات في الضفة الغربية.
أكثر من ذلك، تقوم أمريكا أيضاً بمساعدة «إسرائيل» بما يقرب من ٣ مليارات دولار لتطوير أنظمتها التسلحية وتسمح لها بالحصول على التكنولوجيا المتطورة الموجودة لديها.
استخدام الفيتو
هذا وتقوم واشنطن بدعم إسرائيل دبلوماسياً بشكل دائم، فقد قامتْ أمريكا منذ العام ۱۹۸۲ وإلى اليوم بالتصويت ٣٢ مرة مستخدمة حق النقض «الفيتو» ضد قرارات تدين إسرائيل في مجلس الأمن، وهذا العدد يفوق ما استخدمته جميع الدول التي يحق لها استخدام الفيتو في مجلس الأمن مجتمعة خلال هذه الفترة.
كما قامتْ أمريكا بصد جميع الجهود العربية لوضع ترسانة «إسرائيل» النووية تحت رقابة المنظمة الدولة للطاقة الذرية.
وفقاً للموقع الإلكتروني للجنة العلاقات الخارجية الإسرائيلية - الأمريكية «إيباك» .. فقد أنشأتْ الولايات المتحدة و إسرائيل شراكة ثنائية مميّزة لمواجهة التهديدات الاستراتيجية المتزايدة في الشرق الأوسط.
هذه الجهود المشتركة تعود بالنفع على الطرفين الولايات المتحدة وإسرائيل، هذا الادّعاء منتشر بشكل كبير في أوساط الداعمين لـ إسرائيل، ويتمّ الحث عليه من قِبَل السياسيين الإسرائيليين والمؤيدين الأمريكيين الإسرائيليين.
ربما كان هذا الادعاء صحيحاً إبان الحرب الباردة، حيث يمكن القول إنّ إسرائيل. كانتْ ذات قيمة استراتيجية، وقد منعتْ واحتوتْ التمدد السوفييتي في المنطقة خاصة بعد حرب الستة أيام في العام ١٩٦٧ من خلال إلحاق هزيمة بدول مثل مصر وسوريا، ومن خلال دعمها لدول حليفة الأمريكا مثل الأردن، وقد كانتْ إسرائيل مفيدة جداً في جمع المعلومات الاستخباراتية المفيدة عن قدرات الاتحاد السوفييتي.
الدعم العسكري: لكن قيمة إسرائيل الاستراتيجية في تلك الفترة لم تأتِ بالمجان.
فدعم إسرائيل لم يكن رخيصاً، وقد عقّد العلاقات الأمريكية مع الدول العربية، فقد أدى الدعم العسكري الأمريكي والمساعد العسكرية العاجلة بقيمة ٢.٢ مليار دولا ل أدى الدعم العسكري الأمريكي والمساعد العسكرية العاجلة بقيمة ٢.٢ مليار دولا ل إسرائيل في حرب اكتوبر على سبيل المثال إلى توقف تدفّق نفط أوبك إلى الغرب الأمر الذي الحق ضرراً اقتصادياً كبير بالدول الغربية.
كما لم يستطع الجيش الإسرائيلي حماي المصالح الأمريكية في المنطقة، ولم تستطع الولايات المتحدة على سبيل المثال حماية مصالحها والاعتماد على «إسرائيل» عند اندلاع الثورة الإيرانية عام ۱۹۷۹ التي عرّضتْ الإمدادت النفطية في الخليج إلى الخطر.
حتى لو كانت إسرائيل ذات قيما استراتيجية خلال الحرب الباردة، فإنّ حرب الخليج الأولى (۹۰-۹۱) أثبتتْ أنّ إسرائيل أصبحتْ عبثاً استراتيجياً على أمريكا، فله تستطع الأخيرة استخدام القواعد العسكرية في «إسرائيل» مخافة أن يؤدي ذلك إلى انهيار التحالف الدولي ضد العراق وقد أعاد التاريخ نفسه في العام ۲۰۰۳ فعلى الرغم من أنّ إسرائيل كانتْ متشوقة لُقيا الولايات المتحدة بمهاجمة صدام، فإنّ بوش لم يستطع طلب المساعدة منها لأنّ ذلك سيلقى معارضة عربية، وبالتالي ظَلّت إسرائيل على الحياد مرة أخرى.
منذ بداية التسعينات وخاصة بعد ١١ أيلول، تم تبرير الدعم الأمريكي ل إسرائيل بالقول إنّ كلتا الدولتين مهددتان بالمجموعات الإرهابية في العالمين العربي والإسلامي وبالدول الشريرة التي تدعم هذه المجموعات، وتسعى لامتلاك أسلحة الدمار الشامل.
وقد أطلقت واشنطن في هذا الإطار يد «إسرائيل» بشكل كامل في التعامل مع الفلسطينيين، وقد تمّ تصوير كل من إيران وعراق صدّام حسين وسورية بشار الأسد أعداء لأمريكا وإسرائيل معاً، وهذا ما يجعلهما حلفاء في الحرب على الإرهاب قد يبدو هذا الطرح مقنعاً، ولكنّه في حقيقة الأمر ليس كذلك.
الإرهاب الفلسطيني ليس عنفاً فوضوياً موجهاً ضد «إسرائيل» أو «الغرب».. فجزء كبير منه يأتي كرد على حملة «إسرائيل» التوسعية»
موجة العداء
لنبدأ بالإرهاب على سبيل المثال: الجماعات الإرهابية التي تهدد «إسرائيل» (مثلا) حماس وحزب الله لا تهدد الولايات المتحدة إلا بالقدر الذي تتدخل فيه الأخيرة ضدهم (كما في لبنان (۱۹۸۲). أضف إلى هذا أنّ الإرهاب الفلسطيني ليس عنفاً فوضوياً موجهاً ضد «إسرائيل» أو «الغرب». فجزء كبير منه يأتي كرد على حملة إسرائيل» التوسعية لاستيطان الضفة الغربية وقطاع غزة.
أمّا القول إن أمريكا وإسرائيل تحالفتا المواجهة التهديدات الإرهابية، فهذا غير صحيح، بل إنّ جزءاً كبيراً من حملة الاستهداف الإرهابي لأمريكا يعود إلى دعم الولايات المتحدة اللامحدود لإسرائيل.
صحيح أن تحالف أمريكا مع «إسرائيل» ليس السبب الوحيد لموجة العداء ضد أمريكا ولكنّه بالتأكيد سبب أساسي وهو يجعل فرص ربح الحرب على الإرهاب صعبة للغاية. إذ ليس هناك من شك على الإطلاق أنّ العديد من قادة القاعدة على سبيل المثال - بمن فيهم بن لادن - قد تحرَّكوا بناءً على الوجود الإسرائيلي في القدس والإهانة التي يعانيها الفلسطينيون.
فبحسب لجنة التحقيق الأمريكية في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر، فإنّ «بن لادن» أراد أن يعاقب الولايات المتحدة لسياستها في الشرق الأوسط، بما في ذلك دعمها له إسرائيل.. وقد سعى جاهدا لجعل الهجمات في توقيت يسلط الضوء على هذا الموضوع.
دعم غير مشروط
هذا وإنّ الدعم غير المشروط له إسرائيل، يضعف الموقف الأمريكي خارج الشرق الأوسط، فالنُّخب الغربية ترى أنّ أمريكا داعمة جداً ومساندة للانتهاكات الإسرائيلية التي تجري في المناطق المحتلة ففي نيسان/ أبريل من العام ٢٠٠٤ على على سبيل المثال قام ٥٢ دبلوماسياً بريطانياً سابقين بإرسال رسالة إلى رئيس الوزراء البريطاني توني بلير جاء فيها: «لقد سمم النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني العلاقات بين الغرب والعالم العربي والإسلامي ».
وحذّروا بأنّ سياسيات بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي أربيل شارون كانتْ باتجاه واحد وغير قانونية.
أكثر من ذلك، فإنّ «إسرائيل» لا تعمل أصلاً كحليف استراتيجي للولايات المتحدة، وغالباً ما يتجاهل المسؤولون الإسرائيليون المطالب الأمريكية فيما لا يلتزم قادتها أيضاً بالوعود المقطوعة لأمريكا، فلم تتوقف عن بناء المستوطنات وتغلقها ولم تتوقف عن اتباع سياسة الاغتيالات أيضاً.
إضافة إلى ذلك، فإنّ «إسرائيل» قامتْ بنقل التكنولوجيا العسكرية الأمريكية الحساسة إلى منافسين رئيسين للولايات المتحدة الأمريكية، لاسِيّما الصين والأهم أنّ «إسرائيل» تتجسس بشكل كبير وواسع على الولايات المتّحدة الأمريكية، وقضية الجاسوس جوناثان بولارد ،معروفة، كما أنّ قضية الاري فرانكلين المسؤول الرفيع المستوى في البنتاغون والذي قام بتسريب وثائق في غاية الأهمية إلى أيباك في العام ۲۰۰٤ معروفة أيضاً.
القول بضرورة دعم إسرائيل بدعوى أنّها دولة ديمقراطية ومُحاطّة بأنظمة ديكتاتورية، قد يبدو مقنعاً للوهلة الأولى لكنّه ليس صحيحاً.
كيف لعب عدد من كبار المحافظين الجدد، ومن كبار أعضاء اللوبي الموالي لإسرائيل دوراً مهماً في إقناع الإدارة والرأي العام الأمريكي بالحرب على العراق؟
تضاؤل المبرر الأخلاقي
يجادل الداعمون له إسرائيل، بأنها تستحق هذه التحالف الأمريكي الفريد لعدد من الأسباب منها :
1- أنّها ضعيفة ومحاطة بالأعداء
1-أنها ديمقراطية
3- أن الشعب اليهودي قد عانى في الماضي كثيراً ويستحق معاملة متميزة وخاصة.
4- أن توجه إسرائيل أكثر التزاماً أخلاقياً من أعدائها.
هذه المبررات غير مقِنعة وغير منطقية على الإطلاق، وهي تفتقد إلى الأسس الأخلاقية في دعم اسرائيل.
فبالنسبة إلى مقولة «إنّ إسرائيل دولة ضعيفة ومحاطة بالأعداء»، فقد دأب القادة الإسرائيليون على الترويج لها بشكل مدروس وساعدهم في ذلك الكتاب والمتعاطفون ولكن الأقرب إلى الحقيقة هو عكس هذه المقولة تماماً. والبرهان على ذلك أن «إسرائيل» انتصرت في جميع حروبها في حرب الـ ( ٤٩٤٧) وفي حرب ٥٦ ضد مصر بسرعة وسهولة، وفي حرب ٦٧ ضد سورية ومصر والأردن، فالصهاينة كانوا يمتلكون دائماً العدة الأفضل والعتاد الأحسن والأضخم والقيادة الأقوى.
الهوة تتسع
اليوم أيضاً، تعتبر «إسرائيل» أقوى قوة عسكرية في الشرق الأوسط، وقواتها العسكرية التقليدية متفوقة بأشواط بعيدة عن منافسيها الإقليميين وهي مزوّدة بأسلحة نووية أيضاً. مصر والأردن وقمتا اتفاقية سلام مع إسرائيل سورية فقدتْ الاتحاد السوفييتي، العراق تم تحطيمه عبر ثلاث حروب متتالية، إيران تقع على بعد مئات الأميال والفلسطينيون بالكاد يمكلون بعض رجال الشرطة. وقد ذكر مركز جافي الإسرائيلي للدراسات الاستراتيجية في تقييمه للعام ٢٠٠٥ أنّ الميزان العسكري الاستراتيجي يميل لصالح «إسرائيل» في المنطقة، وأنّ الهوة بين قدراتها العسكرية الكمية والنوعية والردعية وبين تلك العائدة لجيرانها آخذة في الاتساع بشكل كبير . أما القول بضرورة دعم إسرائيل عبر الادّعاء بأنها دولة ديمقراطية ومحاطة
بأنظمة ديكتاتورية، فقد يبدو مقنعاً للوهلة الأولى، ولكنه ليس صحيحاً.
فهناك ديمقراطيات كثيرة في العالم لا تتمتع أي منها الدعم السخي الذي تقدمه أمريكا له إسرائيل.
كما أن واشنطن كانت قد أطاحت بالعديد من الديمقراطيات ودعمت وأيدت أنظمة عندما كان ذلك يصب في صلب المصلحة الأمريكية العليا، وهي إلى اليوم لا تزال تحتفظ بعلاقات جيدة مع العديد من الديكتاتوريات.
لذلك فإنّ حجة الديمقراطية غير مقنعة على الإطلاق.
الديقراطية الإسرائيلية
كما أنّ الديمقراطية الإسرائيلية تتعارض مع روح الديمقراطية الأمريكية الليبرالية التي تؤمن بالحرية والمساواة لكل الأجناس والعرقيات والأديان، وهو ما لا يتحقق في الديمقراطية الإسرائيلية التي أسست لدولة يهودية تقوم على رابطة وقرابة الدم. ولذلك فنحن لا نفاجأ عندما نعلم أن حوالي ١.٣ مليون إسرائيلي عربي يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية في أحسن الأحوال، وتعتمد الحكومة الإسرائيلية العنصرية معهم وهي بالإضافة إلى ذلك لا تسمح للفلسطينيين الذين يتزوجون من مواطنين إسرائيليين بالحصول علي الجنسية الإسرائيلية، فضلاً عن الإقامة في إسرائيل.
كما أنّ رفض «إسرائيل» السّماح للفلسطينيين بدولتهم المستقلة يقوض أسس الديمقراطية الإسرائيلية، وهي تحاصر أرواح وتقهر ۳.۸ مليون فلسطيني في قطاع غزّة والضّفة الغربية وتستوطن أراضيهم، وتحرمهم من كافة حقوقهم كافة. هذا النوع من الديمقراطيات شكلي فقط ولا يتناسب بأي حال من الأحوال مع الديمقراطية الحقيقية.
فيما يتعلق بالتبرير الأخلاقي الثالث الذي يقول بضرورة معاملة أمريكا للإسرائيليين بطريقة مميزة، خاصة وأنّ ذلك بسبب معاناة اليهود كثيراً عبر تاريخهم في الغرب المسيحي وما يتعلق بتراجيديا الهولوكوست، ولأنهم اضطُهدوا لقرون ولا يمكنهم أن يكونوا آمنين إلا في دولة يهودية تجمعهم.
فلا شكٍّ أنّ اليهود عانوا لكن يجب أن نقر بأنّ إنشاء دولة «إسرائيل» تسبب في معاناة طرف ثالث بري هو الفلسطينيون، وهؤلاء تاريخهم معروف أيضاً.
فعندما قرّر السياسيون الصهاينة التحرك في أواخر القرن التاسع عشر، كان عدد اليهود في فلسطين حوالي ۱۵.۰۰۰
وكان العرب في العام ۱۸۹۳ على سبيل المثال يشكلون %٩٥ من عدد السكان في فلسطين في ظل الدول العثمانية، وقد كانوا في هذه الأرض لـ ١٣٠٠ سنة.
وحتى عندما تم إنشاء إسرائيل كان عدد اليهود يشكل حوالي ٣٥% من عدد السكان الفلسطينيين وفي مساحة تساوي حوالي % من الأرض.
وقد تم ارتكاب العديد من المجازر والتخويف بحق الفلسطينيين لدفعم إلى الهجرة عن أراضيهم ومنازلهم وزعم القادة الإسرائيليين بعد ذلك أن عمليات التهجير وترك الفلسطينيين لمنازلهم إنّما تم لأن قادتهم طلبوا منهم ذلك، لكن الدراسات التاريخية الدقيقة - وبعضها قام به إسرائيليون - نسفت هذه المزاعم والأساطير عن أن الفلسطينيين تركوا أرضهم ومنازلهم بمل إرادتهم.
المعاناة الفلسطينية
هذه المعاناة ليستْ زعماً أو افتراء. وقد قال بن جوريون بنفسه: لو كنت زعيماً عربياً، لما صالحت «إسرائيل» أبداً، هذا أمر طبيعي: لقد أخذنا أرضهم.... لقد أتينا من «إسرائيل». لكن منذ ألفي عام، فماذا يعني ذلك لهم؟
لقد كانت هناك معاداة السامية على أيدي النازية، وهتلر وفي أوشفيتز لكن هل كان ذلك خطأ العرب؟ إنّهم لا يرون إلّا شيئاً واحداً فقط، إنّنا جئنا هنا وسرقنا وطنهم. لماذا يجب عليهم تقبل ذلك؟.. ولطالما أنكر اليهود والإسرائيليون حق الفلسطينيين القومي.
فهذه رئيسة الوزراء جولدا مائير تقول في تصريحها الشهير لا يوجد شيء اسمه فلسطيني! كما أن الدفع الأخير بالسمو الأخلاقي الإسرائيلي مقابل أعدائها العرب يعتبر أسطورة أخرى فعلي سبيل المثال لا الحصر، قامتْ «إسرائيل» بين عامي ١٩٤٩ وعام ١٩٥٦ بقتل ما بين ۲۷۰۰ و ۵۰۰۰ متسلل عربي غالبيتهم غير مسلّحين.
وقامتْ قوات الدفاع الإسرائيلية بشن عدد من الغارات، والاقتحامات ضد جيرانها في الخمسينيات.
وعلى الرغم من أنّ هذه الأعمال قد تم تصويرها على أنها أعمال دفاعية، إلا أنها في حقيقة الأمر كانت أعمالاً توسعية قادتها للاشتراك في العام ١٩٥٦ مع بريطانيا وفرنسا في الهجوم على مصر ولم تقم «إسرائيل» بالانسحاب من بعض الأراضي التي احتلتها إلا بضغط أمريكي.
قامت «إسرائيل» باغتيال مئات الأسرى المصريين في حربي ٥٦ و ٦٧ وطردتْ ما بين 100 ألف و ٢٦٠ ألف فلسطيني من الضفة الغربية التي تم احتلالها، ودفعت ٨٠ ألف سوري إلى النزوح من هضبة الجولان، فضلاً عن دورها في مجازر صبرا وشاتيلا أثناء احتلالها لبنان مع اعتراف اللجنة الإسرائيلية للتحقيق بمسؤولية شارون عن هذه الأعمال، بالإضافة إلى عملياتها العسكرية بالغة القسوة خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية.
فقد تمّ إذلال الفلسطينيين وإهانتهم وحرمانهم من حقوقهم واحتلال أرضهم، وتم اتباع سياسية تكسير عظام الفلسطينيين بالحجارة والضرب خلال الانتفاضة الأولى وكان ثلث الأطفال الذين تم تكسير عظامهم تحت سن العشر سنوات تقريباً. ولم تكن سياساتها بأقل من ذلك في الانتفاضة الثانية حيث تحول الجيش الإسرائيلي باعتراف صحيفة هارتز إلى آلة قتل واغتيال، وتم قتل العديد من الفلسطينيين وتجريف أراضيهم، بل قامتْ بلدوزرات إسرائيليّة بسحق ناشطة سلام أمريكية تبلغ من العمر ۲۳ عاما.
أمريكا تعطي كل إسرائيلي ٥٠٠ دولار إعانة مالية سنوياً.. وحجم المعونات حتى العام ٢٠٠٣ فاق ١٤٠ مليار دولار.. إضافة إلى مليارات دولار مساعدات غير مباشرة.