العنوان أطلقوا سراح الشيشان
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أبريل-1995
مشاهدات 75
نشر في العدد 1146
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 18-أبريل-1995
للمعلق الروسي اليكس أزيومعرف- مجلة تايم
الأمريكية(1)
«إذا لم يتصرف ابنك بأدب.. اقتله!»
هذه فيما يبدو هي القاعدة التي تتبعها روسيا حيال
المشكلة الشيشانية، إن القتل العشوائي في شيشانيا هو ما أطلق عليه المفكر الفرنسي
تاليراند «أسوأ من جريمة» إن كل يوم يمر على هذه الحرب يضعف الأسباب التي تقدمها
الحكومة لتبريرها، إذا كان الرئيس يلتسين يهتم بمصلحة روسيا فليوقف هذه الحرب قبل
فوات الأوان، فهناك ما هو أهم وأجدر بالاعتبار من استقلال شيشانيا.
يجب أن أعترف هنا أن لي اهتماما شخصيًا بهذا الأمر
وهو أن جزءًا من عائلتي- وهم ليسوا شيشان- منشأهم الأصلي جروزني- لقد عشت جزءًا من
شبابي هناك، ولذلك وجدت نفسي لا أصدق الدمار الذي خلفته الغارات الروسية على
المدينة، وتساءلت لماذا شنت روسيا هذه الحرب؟ ولماذا الآن؟ ومن المستفيد من كل
ذلك؟
الحجة الأساسية ليلتسين في شن هذه الحرب هي
المحافظة على وحدة الدولة الروسية وعدم تشجيع الاتجاهات الانفصالية أينما كانت،
ويبدو أن الغرب قد اقتنع بهذه الحجة ولكنها حجة باطلة تمامًا، فالحقيقة هي أنه عند
بداية المشكلة الشيشانية في صيف 1994م، كانت كل الجمهوريات الروسية لديها نزعات
انفصالية بما في ذلك تتارستان، وباشكورتوستان، ويالوتيا قد توصلت إلى حلول مرضية
مع موسكو وهمدت بذلك حمى الانفصال لديها، ووضح لدى تلك الجمهوريات أنها في حاجة
لموسكو بنفس القدر الذي تحتاجهم موسكو، وفي الواقع لم تكن هناك نية صادقة للانفصال
إلا عند شيشانيا، ولكن الآن بعد هذا الدرس القاسي في جروزني فإنهم قطعًا بدأوا
يعيدون التفكير في موقفهم.
كذلك فإن الحجة الثانية التي يحتج بها يلتسين أهمية
شيشانيا الإستراتيجية لروسيا وهي حجة باطلة أيضًا، فشيشانيا لا تملك أيًا من أسلحة
الدمار الشامل، والدولة الوحيدة التي لديها حدود معها هي جورجيا- الجمهورية السوفيتية
السابقة.. فبتعداد سكانها الذين يزيدون قليلًا على 1.2 مليونًا وبكونها لا تملك
شواطئ على أي بحر، فمن المستبعد جدًا أن تشكل خطرًا على روسيا إذا استقلت، ولكن من
ناحية أخرى يصعب التقليل من الدمار الذي سببته هذه الحرب على تماسك القوات الروسية
في استمرار روح القتال عندها، فهناك انقسامات عميقة لدى العسكر الروس، وقد انتقد
ثلاثة من مساعدي وزير الدفاع بافين لاشيف- منهم الجنرال بوريس غروموف أحد أبطال
الحرب الأفغانية المحبوبين- انتقدوا الحملة على شيشانيا علنًا، إن الانضباط والروح
المعنوية عند القوات متدنية جدًا واستمرار الحرب سيزيد الطين بلة.
ثم هناك تبرير آخر وهو أنه يتوجب على روسيا السيطرة
على شيشانيا لمحاربة المافيا الروسية، وقد يكون الشيشان يمثلون جزءًا من عصابات
الإجرام الروسي، ويطلق عليهم صقلية روسيا، والحنق على المافيا الشيشانية يتفشى
بشكل واسع في موسكو وهو ما يفسر عدم الحماس الدافق ضد مغامرة يلتسين، ولكن هل
محاولة القضاء على العصابات والجريمة المنظمة لا تكون بالغارات الجوية أو طلقات
المدافع، والمؤسف جدًا أنه في الوقت الذي يموت فيه المدنيون العاديون «والروس» تحت
قصف القنابل في جروزني أو يقاتل الآخرون في الخنادق حولها يظل رجال العصابات يعيشون
في رغد العيش في مساكنهم في موسكو.
الخلاصة إنه ليس هناك مبرر لكل الحجج التي تساق
لهذه الحرب، فكلما تصاعدت كلما زاد الثمن، وخرج الأمر من اليد.
ومن الواضح أن القوات الشيشانية لا تستطيع الصمود
أمام الروس، ولكن أي نصر هناك لن يشكل نهاية للحرب، ومحاصرة جروزني ستخلق منها
سراييفو أخرى، ومحاولة اقتحامها سترفع من أعداد الضحايا الروس، وبذلك تشكل ثمنًا
غاليًا لا يستطيع يلتسين ولا غراتشيف تحمله، أما احتلالها فسوف يؤدي إلى حرب
عصابات في كل القوقاز.
كما أن استمرار الحرب سيزيد من ثمنها الاقتصادي
والسياسي، فالأزمة الشيشانية تأتي في أسوأ وقت بالنسبة للاقتصاد الروسي، في اللحظة
التي يبدو فيها أن الاقتصاد يتجه نحو الانتعاش والثبات، وحتى لو توقفت الحرب الآن
فإن تكلفة الحرب وتكليف تعمير ما بعدها قد قدر بأكثر من بليون دولار.
في الوقت نفسه فإن الحرب قد مزقت التقارب المتنامي
بين الحكومة والبرلمان والذي بدأ يبرز من ربيع 1994م، مما أعطى ليلتسين ومساعديه
موقفًا ليتخلوا عنه واحدًا تلو الآخر، والمجموعة الوحيدة التي تقف فيه هم ثلة من
الوطنيين المتعصبين أمثال فلاديمير زيرونسكي.
ومع الانقسام المرير بين السياسيين والعسكر وحالة
القلق التي يعيشها كل المجتمع، يتأكد أن روسيا لا تحتمل حربًا رئيسية مهما كانت
المبررات، إن على يلتسين سحب قواته إلى حدود شيشانيا والبدء في مفاوضات غير
مشروطة، ويجب البدء في إرسال المعونات التي وعد بها الشيشان، وكذلك مساعدتهم في
محاولة إرساء أسس النظام والأمن شريطة أن تتعاون شيشانيا في الحرب ضد الجريمة
المنظمة، وبدء إعطائهم الاستقلال التام يجب أن يكون على مائدة المفاوضات.
إن الحرب بدأها شخص واحد ولهذا الشخص القدرة على
وقفها، إن مستقبل يلتسين السياسي في المحك، ولقد برهن في أكثر من موقف أنه بإمكانه
التصرف بطريقة حاسمة، ولكن السياسة ليست حرب شوارع إنه الآن يحتاج أن يتصرف بطريقة
مختلفة وإذا لم يجتز هذا الاختبار بنجاح فإن سقوطه سيكون أسوأ من سقوط سلفه.
(1) ترجمة الدكتور محمد سامي خليفة.