العنوان أشجار الإيمان
الكاتب محمد أحمد الراشد
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أغسطس-1976
مشاهدات 81
نشر في العدد 314
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 24-أغسطس-1976
وحدة العبودية، وتكاملها، في أجزاء هذا الكون، الله تعالى الذي خلقه، حقيقة يراها المتفكر، إذا استطاع أن يفلت من الصخب الملهي ويتأمل في هدوء وروية.
منها: عبودية لا تشوبها الوساوس، لبساط الأرض جميعه، حشائشه والباسقات، نبهك القرآن لها، في قوله عز وجل: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ (الرحمن:6)، قال الطبري: «يعني بالنجم: ما نجم من الأرض من نبت، وبالشجر ما استقل على ساق». (۱) فهو منظر سجود دائم يراه المؤمن ليكون له تذكره حين تثقله الغفلة، يديم له سجودًا قلبيًا، آيته الرضا عن الله، والتسليم لحكم حلاله وحرامه، به يستكمل سجود جبهته مغزاه. ومتى ذاق المؤمن، بالخلوات المسترسلة، لذة مراقبة هذا السجود الأخضر، المتوشح بألوان الزهر، وإذن لقلبه أن يبالغ في الهبوط مقلدًا حتى يلامس أوطأ الأخبات: نادى غيره للمشاركة، وعرض عليه الرفقة، منخلعًا عن حسد واحتكار.
وتلك هي دعوة إقبال، لما ظفر بسر السياحة الإيمانية الصامتة، في البراري الناطقة، ونبهك إلى إنصات واجب، التسبيح دائب، وأوصاك أن:
دع الدور وأطلب فسيح البراري
وانظر إلى صفحات الجمال
على حافة الماء دون ملال
تأمل ترقرق ماء زلال
وحدق إلى نرجس ذوي دلال
وقبل عيونا له كاللالي (۲)
وكان عبد الوهاب عزام أول مجيب له، وطفق يستغرق في التأمل ويكتال، فراه جاهلا بما هنالك، فأنكر عليه، فقال:
لست أخلو لغفلة وسكون
وفرار من الورى وارتياح
إنما خلوتي لفكر وذكر
فهي زادي وعدتي لكفاحي (۳)
وما زادا بهذا على أن جددا مذهبًا سالفًا، وعرفا عند أول المسلمين، في استلال ساعة من بين حركاتهم في التعلم والتعليم، والأمر والنهي، وضرورات المعيشة، يميلون فيها إلى التفرد خارجًا، والركون إلى أرباض مدنهم، والجلوس بين الزروع، يرجون لأنفسهم بصائر وتذكرة.
وروى ابن القيم أن شيخه ابن تيمية، رحمه الله، كان يتركهم غاديًا بعد الفجر مرارًا، فراقبه، فوجده في غوطة دمشق وحقولها، حتى غدت عنده عادة.
وما ذاك على أسلوب القرآن بغريب، ولا على رموز النص الشريف المأثور وتشبيهاته، بل هو ارتباط واضح خلالهما بين الخضرة وخصال الفطرة، ترك طابعه على طرائق المؤمنين في التعبير والتمثيل، في نحو على منحاهما، يدلك على قلوب فقهت المناسبة، واستوعبت الإشارة، وشهدت الرابط الجامع في لقيا الشجر ومعاني الإيمان.
إنها غابة من أشجار الإيمان، فيها أيك ملتف متشابك، تجعل سيرك في ظل وارف، ومداعبة من زكي العبيق.
تفجؤك فيها شجرة التوحيد وهي شجرة غرسها القرآن، تستلقي تحت أغصانها حين تقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (إبراهيم:24-25)
قال ابن القيم: فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علوا، التي لا تزال تؤتى ثمرتها كل حين، وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب، التي فروعها من الأعمال الصالحة صاعدة إلى السماء. ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت، بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها- ومراعاتها حق رعايتها. (٤) ومن السلف من قال: إن الشجرة الطيبة هي النخلة، ويدل عليه حديث ابن أنس: ذلك المؤمن، أصل عمله ثابت في الأرض، وذكره في السماء. قال ابن القيم: ولا اختلاف بين القولين، والمقصود بالمثل: المؤمن، والنخلة مشبهة به، وهو مشبه بها. (٥) ومن مكانك تحتها: تشم عبير ورود بقربها، من شجرة تسمى شجرة الطاعة، شهدت منحة الرضوان، لما أسبغت، يوم نزلت: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح:108).
ويفتأ متفىء فيئها اليوم ساكن الفؤاد، غير مضطرب الحرمان وفوات ينتظر فتحًا لحركة الإسلام تندك به صروح الضلال، قد قدم له لتبايع على الموت ثمنًا.
فإن اختار الله لك المحنة سبيلًا لهذه المنحة، وحزبك الأمر: لجأت إلى شجرة الترحاب، تطلب الطمأنينة عندها، هازًا جذعها، لتغدق عليك من بركتها، وتفعل ما فعلت مريم عليها السلام لما ضاقت بها الأرض، فجاءها نداء: ﴿وَهُزّىَ إِلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرّي عَيْناً﴾ (مريم: 24).
فتأكل بطيبات وتقنع بها، عازفًا عن بطر المترفين، وتغرف من ثم من سرى بين يديك يجري، مستعليًا بعزة دونك مدارجها، ترقى إليها وتسري.
وللنبي- صلى الله عليه وسلم- غراس في هذه الغابة، كما أن الحكمة- أشهدت الشجر مواقف من سيرته- الشريفة، إيماء إلى هذا الارتباط، ربما، وإثارة لتطلع الغافل. منها: شجرة الوفاء، عنوان امتزاج الأرواح الذاكرة، تنطق- بالشكر، وتحفظ الفضل لأهله، وتعلن عرفان الجميل وهي نخلة، تنهدت عند الفراق قال جابر بن عبد الله- رضي الله عنه-: كان جذع يقوم إليه النبي- صلى الله عليه وسلم-، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشاب، حتى نزل النبي- صلى الله عليه وسلم-، فوضع يده عليه. (٦) أي كأصوات للنياق التي أثقلها حمل بطنها وقرب مخاضها. وتلك من معجزاته، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، جذع النيل الشرف، فوفى، واجتمع له الحنين، فاستبد به استبدادًا، فرق منه الأنين وما منا أحد إلا وفي بيته ديوان حديث، وكأن النبي- صلى الله عليه وسلم- واقف عنده يفقهه أمر دينه ويلقنه شرائع الإسلام، والوفاء يليق بمثلنا، نتعلمه من الجذع، ونترجمه صورًا من الاتباع والاقتفاء.
وشجرة خامسة تسمى شجرة الثبات، تلوذ بها يوم تتوزع الناس الأهواء، فتطلب النجاة معتزلًا الفرق ولو أن تعض بأصل شجرة (۷) وتصون لسانك إلا عن قولك مع عبد الله بن أبي مليكة: (اللهم أنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا أو نفتن) (۸) فلأمر ما مما نقول كان هذا الاعتصام بالشجر، في الحاج يزيد معه المعتصم شد نواجذه ضاغطًا أو تخيلته، لتردد قلبك يهتز في قلق بين رهبة من استرخاء يعتري فيجرف وأمل في إتمام ينجي إلا أن رحيق هذه الشجرة يرويك إذ الناس تلهث عطشا، ويبل حلقك باردًا، فتضاعف العض مبالغًا، كأنك تمص الثبات راضعًا.
وسادسة تعرف بشجرة الإنس، تصاحبك عند الوحشة، وتخفف رطوبتها جفاف هفواتك غرسها النبي- صلى الله عليه وسلم- لما مر بقبرين يعذبان، فكان أن: (أخذ جريدة رطبة، فشقها ثم غرز بنصفين، في كل قبر واحدة فقالوا: يا رسول الله: لم صنعت هذا؟
فقال: لعله إن يخفف عنهما ما لم ييبسا. (۹)
ففهم بريدة الأسلمي- رضي الله عنه- من ذلك أنها سنة، فأوصى أن يجعل في قبره جديدان، فما زال الناس يقلدونه في ذلك، وقد لا تخلو من لم يكدر صفو العمل، أو من تتبع بفضول لما في يد أهل الدنيا من أموال الاستدراج، يكون معه الأرق المتلف، واضطراب النوم، فيضعف الاستعداد للفجر الآتي، ولعل سويعة لك تحت سعف النخيل تخفف له فك ثم شجرة المفاصلة، شهدت كيف يتمم استقلال الوسيلة عند المسلم استقلال الهدف، وذلك لما تبع مشرك جيش المهاجرين والأنصار حين سيره نحو بدر، يريد أن يقاتل معهم، حمية ونصرة لقومه، فلما وصلوا شجرة ضخمة كانت معلمًا في الطريق، ذكرتها عائشة- رضي الله عنها-: لحق بهم، فالتفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم- وقال: ارجع، فلن استعين بمشرك. (۱۰) فمضى ذلك أصلًا، لم يطرأ عليه الاستثناء إلا في حوادث ضيقة وتحاصر جبهات الأحزاب اليوم دعوة الحق، تبث ارتجافها، متهمة إياها بتخلف عن ركب سياسي مجتمع، فيقصد الدعاة الأشجار المعالم الضخام، وتشهد بانتفاء اللقاء وعيب النزول بعد الاستعلاء.
ولما فقه الناس هذه الأمثال. تتابعوا في سباق يفرشون، فكانت شجرة ثامنة عرفت بينهم آنها شجرة الاغتفار.
وهي شجرة عنب كثيرة الثمر، فكان مغارسها إذا مر به صديق له اقتطف له عنقودًا ودعاه، فيأكله، وينصرف شاكرًا فلما كان اليوم العاشر: قالت امرأة صاحب الشجرة لزوجها: ما هذا من أدب الضيافة، ولكن أرى أن دعوت أخاك، فأكل النصب، مدد ت يدك معه مشاركًا، إيناسًا له وتبسطًا، وإكرامًا.
فقال: لا فعلن ذلك غدًا...
فلما كان الغد، وانتصف الضيف في أكله: فمن الرجل يده وتناول حبة فوجدها حامضة لاتساع، وتقلها، وقطب حاجبيه، وأبدي عجب من صبر ضيفه على أكل أمثالها.
قال أبو حيان التوحيدي: فقال الضيف: (11)
عطاءك السالف.
قد أكلت من يدك من قبل على مر الأيام حلوًا كثيرًا، ولم أحب أن أريك من نفسي كراهة لهذا تشوب في نفسك وما هذه من قصص الأغاليط، ولكنه مثل ضرب لك أيها الأخ الداعية فاستمع له، ومجاز تدلف منه إلى العدل، مفتوح أمامك. فليس فيمن حولك من انبغت له العصمة، واستقام له الصواب، فإن أخطأ معك أخ لك، فلا تجرمنك كبوته على الهجران، والتأفف، والضجر، والانتقاص منه، بل ولا على العتاب، أنها تتصبب، وتكظم، وتعفو في سرك، مستحضرًا جمال سابقاته، وجياد أفعاله، وحلو مكرماته، إذ لعله كان قد أعانك على توبة، أو ظاهرك عند تعلمك رديفًا ورفيقًا وسميرًا، أو علمك بابا مما علمه الله وطريفة. ما إن استفدت، ونشرت الإنصاف، فقد أذن لك في أن تستلقي تحت شجرة هيفاء، كثيرة الثمار والورود، تغلب نظر الرائي بجمالها، وتنطق المستمتع بحمد رفيع ذوق فارسها. اسمها: شجرة الزهد، وهي شجرة قلبية فريدة، لم يسبق صاحبها أحد إلى استنبات مثلها، فجاءت بدعة، ووصفها فقال:
غرس الزهد بقلبي شجرة
بعد أن نقى بجهد حجرة
وسقاها أثر ما أودعها
كبد الأرض بدمع فجره
ومتى أبصر طيرا مفسدًا
حاسما حول حماها زجره
نمت في ظل ظليل تحتها
روح القلب ونحى ضجره
ثم بايعت إلهي وكذا
بيعة الرضوان تحت الشجرة
فانظر أطوار رعايته لها، وعنايته بها، وكيف بدأ بتطهير قلبه مما هنالك من أحجار الحسد والرياء، والتكبر وسوء الظن، وكيف سقاها بدموع الخشية في الأثلاث الأخيرة، وكيف زجر شياطين الإنس والجن لما حامت حول بذرتها تبغي التقاطها وقلده، وافعل معدله: تورق لك أختها وتتفتح لك منها الزهور بألوان وعطور فتنام تحتها كما نام، تستشعر شعور أهل بيعة الرضوان، وكأنك فيهم ومعهم، تغمرك نشوة البيعة على الموت في سبيل الله دفاعًا عن الإسلام.
ووعي الإمام حسن البنا- رحمه الله- في زراعة أشجار الإيمان، فغرس لك الشجرة العاشرة، وهي شجرة الحلم وصفها مخاطبًا الدعاة فقال: (كونوا كالشجر، يرميه الناس بالحجر، ويرميهم بالثمر) ولقد أجاد وأفاد، فإن في أكثر الناس سرعة جنوح إلى الجهل، بميلهم إلى تكذيب دعاة الإسلام وإيذائهم بالباطل، ولو جهل الداعية مثل جهل الجاهلين، وقابل الإساءة بإساءة العفة رسوم الإحسان واندثرت ولكنه الصدر الواسع، والاحتساب والاستغفار لقومه الذين لا يعلمون
أما بعد:
فليس الإمام البنا بآخر غارس في غابة الإيمان، وإنما بينا لك حرفها واسمها وفعلها، وانح منح هذا، تجدها شاسعة، رائعة.
فاخرج وتجول متأملًا، تجد أخلاق الإيمان قد مازجت الخضرة، وإن لكل شجرة تعبيرًا عن شيء من محاسن الخصال يمازج سجودها، ويقترن بمظهر عبوديتها لله خالقها. ومن هنا كانت سويعات الخلوة بين الشجر سبب ذكرى للغافل، وسبيل إنابة. ومما بنبيك عن صدق ظننا الحسن هذا بالأشجار أن الله سبحانه ضرب مثل الكلمة الخبيثة المنافية للتوحيد كشجرة خبيثة، لكنها ليست قائمة، بل اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
فليس من شجر واقف إلا ويعظك بكلمة من الإيمان.
(1) تفسير الطبري ١-٥١٦ طبعة دار المعارف
(۲) ديوان رسالة المشرق- ٢٠
(۱) دیوان المثاني- ۱۱۷
(٤) (5) إعلام الموقعين ۱- ۱۸۸ طبعة الوكيل
(6) صحيح البخاري 2-11
(۷) صحيح البخاري 9-65
(۸) (۹) صحيح البخاري9-58-2-14
(۱۰) صحيح مسلم ۵- 201
(۱۱) الإمتاع والمؤانسة 2-121
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل